يظهر زيار الرحباني في فيديو ترويجي (42 ثانية) تحت عنوان «الأخبار، صيانة يومية». وقد وضع الإعلان بشكل بارز على صدر موقع الصحيفة الناطقة بلسان «حزب الله»، وعلى قناتها على «يوتيوب».
يطلّ زياد مشرفاً على عمل الصيانة لكمبيوترات، على وقع موسيقا من تأليفه، كما تظهر في خلفية الشريط الصوتي أصوات مفكّات تعمل في جسد الكمبيوترات. في قلب تلك «العجقة» المعدنية يندّ طرف مانشيت لـ «الأخبار» يقول: «إنهم يبيعون». يبدو زياد راضياً عن عمل الصيانة، كما يبدو أن الصيانة وصلت إلى مبتغاها، حيث ركبت البكرات في مكانها، وأخذت بالدوران. لقد استطاعت الصحيفة الأثيرة عند الفنان أن تصنع مزاجاً مؤاتياً لصيانة شخصية.
هنا يظهر صوت معلّقة نسائية تقول «الأخبار عموماً صيانة يومية»، تمهيداً لما يعتبره الإعلان صيده الذكي الثمين «أجل، إنها الأخبار»، مترافقة مع «لوغو» الصحيفة.
لم تكن تلك العبارة التمهيدية «الأخبار عموماً صيانة يومية» موفقة تماماً، فالخبر (كمادة إعلامية) يصعب أن يفعل فعل الصيانة، كما القصيدة مثلاً، أو اللوحة، أو الفيلم، أو المقطوعة الموسيقية، أو حتى مقال الرأي. الخبر هو مجرد نتيجة لأمر حدث في الواقع، بعد أن يكون ما حدث قد حدث، وبالتالي يصبح وصف «الصيانة» منتزعاً بتكلّف للوصول إلى وصف الصحيفة واختصارها بـ «صيانة يومية».
هذا إذا تجاهلنا دور تلك الصحيفة، والجهة التي تقف وراءها، والأجندة الرهيبة التي تنطق باسمها، إن كان ما تقوم به حقاً فعل صيانة.
لكن لا بد من الاعتراف بأن المانشيت الذي استلّه زياد موفق تماماً في تلخيص الأجندة الإعلامية التي يبدو أنها تقوم على اتهام الآخر وحسب «إنهم يبيعون».
عندما تقوم «الصيانة اليومية» على فعل وحيد هو اتهام الآخرين بالبيع، علينا أن ننتظر أن يصور فيديو زياد الترويجي المقبل عملية تنظيف السلاح.
كنا عايشين
كثر تداولوا بغضب ريبورتاج مصور لـ «تلفزيون سوريا» حمل عنوان «ذكريات العيد على لسان أهالي الغوطة»، ذلك أنه، رغم تعدد الشخصيات التي ظهرت، كرر عبارة واحدة تقريباً «قبل الثورة كان في عيد، هلق لا في عيد ولا شي، غربة وذل..»، «قبل الثورة كان عنّا أيام حلوة، هلق عم ننذل للميّات (الماء)، عم ننذل لكل شي»، «هلق ما فيه بهجة، لا أهل، وبعاد عن بعض، لا أخ، ولا.. «، «قبل الثورة كان غير، العيد كان عيد،.. الله يفرج احسن شي».
أهالي الغوطة في التقرير لم يكذبوا بالطبع، لكن المشكلة هي في السؤال، الذي لم يظهر في المقدمة ويمكن قراءته في أجوبة الناس وتعليقاتهم. لا شك أن السؤال هو الذي حشرهم في ثنائية «قبل الثورة، بعد الثورة»، كما أنه أجبرهم على ربط أوضاعهم الراهنة المذلّة بالثورة لا بإجرام النظام، وكان يمكن لهم القول «قبل حرب النظام، إجرامه، قصفه البراميلي، صواريخ السكود.. «، كان بالإمكان القول قبل الهجّة وبعد الهجّة.. أما صيغة «قبل الثورة وبعدها»، ففيها إكراه على إلصاق كل ما جرى من إذلال بظهر الثورة.
إنه تقرير من نوع «كنا عايشين» وهي مقولة ترمي إلى الدعوة (أو التحسر على الأقل) للعودة إلى أيام ذهبية مزعومة عاشها الناس في ظل النظام. ولعله وجه من وجوه نظرية «ليتها لم تكن» التي اخترعها مثقفون شبيحة مقنّعون بقناع الرمادية.
قد يكون سؤال معد التقرير قد جاء بنية طيبة، أو بقلّة خبرة في علوم الصحافة والإعلام، لكن من الواضح أن «تلفزيون سوريا» ما زال يتلعثم كثيراً بالنوايا الطيبة، وقلة الخبرة. هذا إذا أحسنّا الظن.
عهد التميمي
لا يمكن للمرء إلا أن يكون معجباً بهذا العناد الفطري لأيقونة النضال الفلسطيني عهد التميمي. إنها قبل كل شيء ابنة مناخ مناضل، ابنة بيئة تشبّعت بالكرامة والتطلّع إلى الحرية.
صورها ستبقى للتاريخ، مذ رفعت قبضتَها الصغيرة المصممة في وجه الجندي الإسرائيلي وهي بعد طفلة إلى صورها شابة مقيدة بالأغلال.
لكنها وُضعت في كثير من الأحيان في مواقف ليست مسؤولة عنها، ومن المرجح أنها، على الأقل بحكم عمرها وقلة خبرتها بالسياسة، لم تكن دارية إلامَ ستفضي.
وجدتْ نفسها مثالاً للمقارنة بين الأسرى على يد الاحتلال الإسرائيلي وبين معتقلي النظام السوري، مقارنة جاءت لصالح الاحتلال الاسرائيلي المؤسس بدوره على تاريخ من الإجرام والتوحش والمجازر.
بل إن صورها في مواجهة الجنود الإسرائيليين قورنت بصور السوريين في مواجهة نظامهم. وكذلك فإن المقارنة جاءت لصالح جنود الاحتلال.
بعد خروجها من الأسر تحدثت عن تجربتها داخله، أسهبت في وصف أجواء المرح: «كنا نعمل حفلات ونغني ونرقص ونظل ننط بالغرف نتهبّل، وكنت أقضي الوقت في دورة القانون ودراسة التوجيهي وقراءة الكتب ومشاهدة التلفزيون». أسهبتْ، ومن دون أن تدري مرة أخرى، قدمت صورة للسجون الإسرائيلية ولا في الأحلام.
وُضعتْ في مقارنة مع زملائها من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وتمنى كثيرون لو أنهم استحقوا قليلاً من الضوء الذي استحقتْه زميلتهم. ومرة أخرى قلنا ما ذنب الصغيرة؟ لا شك أنها ليست مسؤولة عن الكيفية التي يتحرك بها الإعلام ويلقي بها الضوء هنا وهناك.
نبشَ البعض مواقف والدها المنحازة إلى نظام بشار الأسد، ومن نافل القول إنه «لا تزر وازرة وزر أخرى».
أخيراً وجهت الصبية كلمة مصورة إلى «سماحة الشيخ حسن نصرالله»، تشكره على دعمه للشعب الفلسطيني وتعايده وتعلن افتخارها به، وأن «كلنا معاه»! هو القاتل الذي «أبدع» ورجاله في ترويع اللبنانيين قبل السوريين.
متى بالضبط يمكن مؤاخذة التميمي على ما تقول؟ متى ستصبح مسؤولة عن تصريحاتها ومواقفها؟
كاتب فلسطيني سوري
7GAZ
راشد عيسى