الناصرة – «القدس العربي»: احتدم الجدل في إسرائيل حول زيارة رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو لواشنطن قبل القيام بها وتأجج بعد أداء خطاب درامي في الكونغرس. بعد أيام من الزيارة ما زالت الحلبة السياسية وأوساط الرأي العام في إسرائيل منقسمة بين من يعتبرها زيارة « تاريخية « وبين من يراها مناورة انتخابية ربما تخدم صاحبها لكنها مضرة للدولة ولعلاقاتها مع حليفتها الأولى. ويواصل رئيس الوزراء مواجهة الاتهامات المتواصلة والواسعة له بأن زيارته لواشنطن مضرة للعلاقات الإستراتيجية بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة وهدفها انتخابي. ويشدد بأن هناك دعما واسعا جدا للدولة اليهودية من قبل الشعب الأمريكي وممثليه. كما يواصل حزب «الليكود» التشديد على أن خطاب نتنياهو تاريخي ونجح في ترتيب الأوراق لنواب الكونغرس وتوضيح الحقيقة المعروفة بأن إيران نووية خطر وجودي على إسرائيل.
هرتسوغ وليفني صفر في القيادة
وشن نتنياهو هجوما مضادا على المعارضة وقال في لقاء مطول مع صحيفة «يسرائيل هيوم» إن هرتسوغ وليفني يساويان صفرا في القيادة ولا يقويان على الصمود في وجه الضغوط والتحديات الإيرانية يوما واحدا. وعن المواجهة بينه وبين البيت الأبيض يقول نتنياهو إن رئيس حكومة يحتاج لأن يكون قادرا على الوقوف بوجه أكبر صديقات دولته وإسماع الأقوال التي ينبغي قولها وإلا سيحكم التاريخ عليه. وفي رأيه استحق الخطاب ثمن المواجهة مع البيت الأبيض متسائلا ماذا لك أن تفعل في قضية مصيرية، أن تطأطيء الرأس أو تعود 80 سنة للخلف يوم استخفوا بمخاوف اليهود من كارثة سرعان ما تحققت. وبعكس المراقبين والمناهضين السياسيين له يبدي نتنياهو تفاؤلا بتأثير خطابه في الكونغرس بالقول إن كلماته أثارت تعاطفا كبيرا جدا لدى الجمهور الأمريكي الواسع أيضا وتغلغلت لعمق وعيه العام. ويمضي في تبرير زيارته «الخلافية» في حال حيازة إيران على قنبلة نووية بهدف تدمير إسرائيل فهذا تهديد لوجودها ودون مساعينا هذه سيسألونا حتما: لماذا لم تحذروا ولماذا لم تتحركوا في الوقت؟
بين المدح والقدح
ويقول وزير الشؤون الإستراتيجية يوفال شطاينتس (الليكود) إن نتنياهو نجح في القول إنه يرى قبالة ناظريه أمرا واحدا فحسب يكمن في ضمان مستقبل إسرائيل. لكن أوساطا سياسية تعجز عن التسامي على اعتبارات انتخابية ضيقة وتواصل القدح فيه.
متأملا أن يؤدي الخطاب إلى إقناع أغلبية كافية في الكونغرس لمناهضة الاتفاق المقترح بين الدول العظمى وبين إيران مستبعدا أي أثر سلبي على «العلاقات الإستراتيجية» بين الولايات المتحدة وإسرائيل التي تشهد أحيانا بعض «التوترات».
من جهته يستمر رئيس المعارضة في إسرائيل رئيس قائمة «المعسكر الصهيوني» يتسحاق هرتسوغ في مهاجمة الزيارة ويكرر تأكيده بأن نتنياهو بعد التصفيق الحار في الكونغرس بقي لوحده وبقيت إسرائيل معزولة ودون أي مشاركة.
وترى تسيبي لفني في تصريحاتها قدرة نتنياهو على إلقاء خطب جميلة بعيون ساخرة وتقول إنها لا تقوى على وقف المشروع النووي الإيراني.
وتشدد على «أن الخطاب في الكونغرس لن يؤثّر على الاتفاق الآخذ في التبلور مع إيران لا بالمضمون ولا بالجدول الزمني».
في أوساط الرأي العام كانت مجموعة من الجنرالات المتقاعدين في الأجهزة الأمنية قد دعت نتنياهو لإلغاء زيارته لواشنطن محذرة من المساس بالعلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة لكن أبرز هذه التحذيرات وأشدها صدر عن رئيسي الموساد والشاباك سابقا مئي ردغان ويوفال ديسكين.
دغان وديسكين
ويصعد رئيس الموساد السابق مئي ردغان إنتقاداته لنتنياهو بعد زيارة واشنطن ويقول في آخر تصريحاته إنه خدم إسرائيل 45 سنة في مؤسساتها الأمنية وشهد ساعاتها الحرجة لكنها اليوم في رأيه في فترة حساسة للغاية من ناحية مستقبلها وأمن مواطنيها. ويشدد ردغان في حديث للقناة الإسرائيلية «العاشرة» على أن نتنياهو يقود سياسات مدمرة لإسرائيل ومستقبلها موجها تهما قاسيا له ويقول إنه «هو الذي يلحق الضرر الإستراتيجي الأكبر بإسرائيل في الشأن الإيراني». ويتفق ردغان مع مراقبين آخرين على أن نتنياهو يكرس كل طاقاته مقابل واشنطن بدلا من السفر لدول غرب أوروبا والصين أيضا، مشيرا إلى أن سلوكه سيدفع أوباما للتعجيل بإبرام اتفاق مع طهران كي لا يبدو كمن خضع لضغوطه. ويتساءل ساخرا لا أفهم ما هدف ومصلحة نتنياهو من زيارة الكونغرس؟ هل هو التصفيق الحار؟ ويأخذ عليه التصادم مع صاحب القرار الحقيقي في واشنطن، براك أوباما ويشدد على أن زيارة نتنياهو فاشلة محذرا من فقدان الفيتو الأمريكي وتعرض إسرائيل لعقوبات مستقبلا.
ويتفق معه نائبه سابقا الجنرال عميرام لفين الذي يشير إلى أن خطر الإحتلال أشد من خطر إيران. ويقول إن استمرار الجيش في السيطرة على شعب آخر يحوله من جيش أخلاقي وقوي إلى غير أخلاقي وضعيف، داعيا إلى ترسيم حدود إسرائيل المحافظة على أغلبية يهودية واسعة فيها.
ويبدي يوفال ديسكين انتقادات أشد ويرى أن المشروع النووي الإيراني شهد تقدما نحو حيازة القنبلة النووية في فترة حكم نتنياهو لافتا إلى أزدياد عدد المفاعلات بستة أضعاف وزيادة مادة اليورانيوم المخصب بعشرة أضعاف. وتابع على صفحته على فيسبوك «نتنياهو فشل في مواجهة إيران وخطابه في الكونغرس ليس سوى ساتر دخاني». ودعا ديسكين الإسرائيليين لليقظة والتحرر من أقوال نتنياهو وأقنعته ويقول إنه عاجز عن إتخاذ قرارات تاريخية بخلاف بيغين وشارون ورابين. ويضيف «هناك مكان للقلق من طريقة نتنياهو التي يقودنا بها منذ ست سنوات فهي ستهدم الدولة اليهودية والديمقراطية التي تم تأسيسها».
حسابات انتخابية
إذا كانت الغاية الأولى من الزيارة إنتخابية كما يعتقد كثيرون في إسرائيل فإنها فشلت في إنقاذ الحزب الحاكم «الليكود» من حالة التعادل بينه وبين «المعسكر الصهيوني» المنافس له بقيادة اسحق هرتسوغ وتسيبي لفني فاستطلاعات الرأي تعكس أن كل منهما يحظى بـ 23-24 مقعدا. ورغم الاهتمام الجماهيري الواسع بالخطاب لم ترتفع شعبية نتنياهو( 47٪) سوى بـ 2٪ مقابل 30٪ لدى يتسحق هرتسوغ ردا على سؤال من الأفضل لمنصب رئيس الوزراء وفق عدة استطلاعات رأي. وفي استطلاع خاص بالإسرائيليين دون خط الفقر بمبادرة منظمة «لا تيت» الإجتماعية يظهر أن «المعسكر الصهيوني» حاز على 26 مقعدا مقابل 21 مقعدا فقط لحزب الليكود الحاكم.
الإعلام مناهض
وهكذا في وسائل الإعلام الإسرائيلية يتفاقم الجدل حول زيارة نتنياهو رغم أن معظمها مناهضة لسياساته وهي متهمة من قبله بالإنحياز لخصومه.
في افتتاحيتها شنت صحيفة «هآرتس» الأكثر تأثيرا من بين الصحف العبرية هجوما على خطاب نتنياهو وقالت إنه أوصل إلى الذروة تجاهل المتنافسين في الحملة الانتخابية الحالية للتهديد الوجودي الحقيقي الذي يواجه إسرائيل وقدرتها على البقاء كدولة يهودية وديمقراطية: الإحتلال.
مؤكدة أن إصرار إسرائيل على مواصلة السيطرة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من الحقوق في الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان ومواصلة محاصرة سكان غزة هو التهديد الحقيقي لمستقبل إسرائيل لا سيما أنه يفسد الإسرائيليين أيضا. كما شنت المعلقة البارزة في الصحيفة رافيت هيخت هجوما على الخطاب وقالت إنه نّم عن صفاقة ووقاحة وغطرسة وعدوانية. وكانت زميلتها سيما كدمون المعلقة السياسية في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشد وأقسى بقولها إن خطاب نتنياهو لم يكن موجها للأمريكيين بل للإسرائيليين وهو خطاب صراع البقاء. وتابعت «أثبت الخطاب في الكونغرس ما كنا نعرفه نحن وحتى المصوتين له والمعارضين، منذ فترة طويلة. عندما يصل الأمر إلى الخطابة، لا يوجد أي منافس لنتنياهو، وهذا لا يتوقف فقط على لغته الانكليزية المتكاملة، هذا يتعلق، أيضا، بموهبته في التمثيل. كان يمكن أن نتصور بسهولة رئيس الحكومة يقف على المسرح في «برودواي» مع كل ما يرافقه من صوت جهوري وحركات وجهه المتغيرة، وحركات عيونه ويديه. إنه لا يحتاج إلى أي لعبة. فهذا الخطاب كله كان لعبة. حتى وإن لم يكن مهما انه لم يأت بجديد».
متطابقة مع تعقيب الرئيس باراك أوباما توضح كدمون أن الخطاب لم يقترح بديلا للهدف المراد من المفاوضات مع إيران نافية وجود احتمال لتأثيره على موقف أوباما وعلى الاتفاق مع طهران. منوهة إلى أن نتنياهو يواجه قضايا داخلية ملحة أكثر بالنسبة للإسرائيليين كغلاء شقق الســكـــن وغلاء المعيشة وتقريري مراقب الدولة القاســـيين، والإنشغال بزوجته والتراجع في الاستطلاعات.
طرفة الخياط
في سياق تلخيصه للزيارة يستعين كبير المعلقين في إسرائيل نحوم برنيع بالنكتة فيقول إن رئيس وزراء إسرائيلي سابق اقتنى قطعة قماش وزار خياطا في واشنطن لإعداد بدلة فاعتذر الخياط لكونها قطعة صغيرة غير كافية. وعندما عاد رئيس الوزراء لتل أبيب قدم قطعة القماش ذاتها لخياط إسرائيلي فقال: قطعة القماش كافية لحياكة سروالين أيضا. وعندما استغرب الرئيس قال الخياط: في أمريكا أنت ربما كبير ولكن هنا أنت أصغر بكثير. ويعتبر برنيع أن الطرفة مناسبة لزيارة نتنياهو لواشنطن لافتا لهيبة الخطاب في الكونغرس وإلى أن إنجازه الأهم يكمن في تعويم المشروع النووي الإيراني في الولايات المتحدة. وفي المقابل فقد تركت الزيارة أثرا سلبيا غير مرئي على العلاقات مع عموم الأمريكيين. وبشأن مستقبل العلاقات الثنائية يقول برنيع إن السياسة الأمريكية باتت رهينة الأموال الطائلة للوبي اليهودي في واشنطن والتي تفسّر التصفيق المتواصل خلال الخطاب.
ونقل برنيع عن مصدر كبير في البيت الأبيض قوله إن أوباما عازم على إحراز اتفاق إطار مع إيران حتى 24 من الشهر الجاري.
لكن صحيفة «يسرائيل هيوم» الموالية لنتنياهو اعتبرت الخطاب تاريخيا وهاما جدا في مسيرة مكافحة المشروع النووي الإيراني. وقالت إنه على القائد في لحظات معينة أن يصون مصالح بلاده ومواطنيها حتى بثمن مواجهة مع الرئيس الأمريكي.
وديع عواودة