زيتون سيناء وعنب الصين

حجم الخط
18

سعدت كثيراً بهديته الجميلة: زجاجات من زيت الزيتون، وبعض من الزيتون السيناوي والمريميه، لكن ما أسعدني أكثر كان لقاءه أخيراً في بيتي في القاهرة بعد سنوات من المراسلة بدأت حين كان طالبا في سنته الجامعية الأخيرة، أبلغني تحيات أقاربه وأهالي قريته، وتقديرهم لأنني ساهمت في كسر التعتيم على ما يعيشونه من غشومية أمنية، حين نشرت استغاثة روى فيها ناشط سيناوي بعض ما جرى من مصائب لأهل سيناء في النصف الثاني من عام 2013. نظرت إلى كيس الزيتون بأسى، وحكيت له عن المفاوضات المضنية التي خضتها آنذاك مع رئيس التحرير، للإبقاء على فقرة تستنكر تدمير مزارع الزيتون التي تفتح بيوت الأهالي، كان يرى أهمية الحذف لعدم إضعاف الروح المعنوية للضباط والجنود، الذين يتسلل الإرهابيون لضربهم من داخل بساتين الزيتون، فتجادلنا حول خطل ذلك المنطق المشابه للمنطق الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين، وعن دور تصرفات غبية كهذه في تغذية الإرهاب، وهو اتهمني بالمزايدة والرعونة، ثم حسم الجدل بتخييري بين حذف الفقرة أو حجب المقال بأكمله. وحين نُشر المقال، الذي كان من أواخر ما نُشر لي، ووصلتني ردود الأفعال المرحبة من داخل سيناء واللاعنة من خارجها، سعدت لأنني لم أختر حجب المقال بأكمله، كأقل واجب تجاه معاناة أهلنا في سيناء، والتي كان الباحث المتميز إسماعيل الإسكندراني فكّ الله سجنه، أبرز من يسلط الضوء عليها في كتاباته المهمة.
حكى لي زائري العزيز عن واقعة عبثية جرت خلال حملات قطع ما يقرب من ربع مليون شجرة زيتون في تلك الفترة اللعينة، حين فوجئ صاحب مزرعة بالضابط الذي يقود حملة قطع زيتونه، وهو يوقف الجرافة قبل أن تبدأ بقطع نخلة هاتفاً في سائقها: «حاسب دي نخلة بتسبّح ربنا، حرام»، فصرخ صاحب المزرعة من غُلبه: «أيوه سيبوا النخلة اللي بتسبّح ربنا، وشيلوا الزيتون أصله بيسب الدين». لم نضحك عالياً كما كان يُفترض، لأن الكآبة ظلت تخيم على حديثنا، بعد أن روى وقائع شهور كاملة من العربدة الأمنية، أُحرقت فيها منازل ومزارع وسيارات، وقُتل فيها صديقه طالب الطب برصاص ميري غبي، وأطلقت نقطة تفتيش الرصاص على الميكروباص الذي كان صديقي يستقله، فقتلت الراكب الذي يجلس أمامه ليموت من غير دية ولا تحقيق ولا اعتذار ولا حق لأهله في الشكوى، وشُنّت حملات أمنية عشوائية خلّفت وراءها قرى محروقة يُمنع على أحد أن يدخل إليها للتصوير والتوثيق، فيما أصبحت مهمة الصحافيين والمصورين شبه مستحيلة بسبب حظر التجول الذي يبدأ في الرابعة عصر كل يوم.
كان آخر ما رواه في جلستنا، واقعة مصرع فتاة من أقاربه، لقيت حتفها بسبب لم يعد مرتبطا بالموت في أيٍ من بلاد الدنيا: مغص كلوي حاد، شاء حظها أن تصاب به بعد بدء حظر التجول، وحاول أهلها بكل ما لديهم من علاقات ووساطات أن يقنعوا الشرطة بمساعدتهم في إسعافها إلى أقرب مستشفى فقال لهم الضابط المناوب إنه لا يستطيع المساعدة لأن قراراً كهذا في يد الجيش وحده، قالوا له أنهم حاولوا الاتصال بمعسكر الجيش فلم يوفقوا في ذلك، طلبوا منه رقم قائد المنطقة، فقال إنه لا يعرفه، استحلفه أبوها أن يساعده لأن الموقف لا يحتمل أي تأخير، فأقسم له بكل المقدسات إنه لا يمتلك أي رقم لضباط الجيش، وإنه سبق أن طلب منهم أي أرقام ليتم التواصل عليها، فرفضوا منحه الأرقام، وقالوا له باستعلاء إنهم سيتصلون به في حالة وجود ما يستدعي الاتصال. لم يكن التواصل بالتليفونات المحمولة متاحاً وقتها، بعد قطع خدمات المحمول عن المنطقة، لكن أهل الفتاة وجيرانهم استمروا في محاولة الحصول على أرقام تليفونات لقادة الجيش في المنطقة المجاورة، أو حتى في القاهرة، وبالطبع لم يفكر أحدهم في خوض مغامرة مجنونة بالتحرك لإسعاف الفتاة مهما حدث، لأن الأيام الماضية كانت قد شهدت إطلاق النار على أكثر من سيارة تعامل أصحابها مع حظر التجول باستخفاف، فاستمرت محاولات الوصول إلى حل للأزمة، واستمرت الفتاة في الأنين والوجع، ولم يكن أحد يتوقع أن تلفظ أنفاسها قبل ساعة من طلوع الصباح وانتهاء حظر التجول.
قبل أن يغادر زائري، رجاني ألا أنشر اسم قريته أو عائلته، لكي لا يتسبب في المزيد من وجع القلب لأهله، ظللنا بعدها على تواصل متقطع، يتضامن معي حين يسمع عني ما يسوؤه، يطمئن علي بعد السفر مؤكداً أهمية استمرار التواصل، نتبادل التهنئة في الأعياد كـ «تلكيكة» للسؤال عن الأحوال، يسألني عن بعض الكتب التي أرشحها للقراءة في برنامجي، يطلب ترشيح روايات مبهجة لأنه مل من «عِشرة البؤس»، يشكو من غلاء أسعار الكتب قائلاً: «بقيت لما تشوف رواية لهاروكي موراكامي في إيد حد، لازم تعدي جنبه وتقول بصوت مسموع: تلاقي أمه اللي جايبها له»، يعزيني في وفاة أبي والبراء أشرف وعلاء الديب، أسأله عن الوضع في سيناء فيجيب ضمن رسائل متفرقة: «الوضع في سيناء عامل زي صورة أشعة للوطن كله، كل أمراض الوطن من استبداد وجهل وغباء وعمالة واستغلال وتجارة بالدم وتطرف وانتهاك حرمات، كله بيتجسد للعيان هنا، وده اللي مخليني يئست من الوضع، وحاسس إن حله مش في يوم وليلة زي ما ناس بتقول… خلال أسبوعين فقط شيعت أربع أصدقاء ماتوا ميتة بشعة منهم من وجدنا جثثه في الشوارع، ومُنيت مدينتنا بنحو 30 جثة ملقاة في الشوارع في أسبوعين سوداوين، دون أي تفاصيل أو أي تغطية، فقط عليك أن تعتاد رائحة الدم إن أردت أن تتنفس هنا».
أنشر مقالاً في أغسطس/آب 2015 عن قصة استشهاد مجند في سيناء بعد عملية إرهابية، فيرسل متأثراً بما نشرته، ثم يخبرني في نهاية رسالته أنه عائد للتو من مكان تملؤه رائحة الدم: «بعد ما دانة مدفع أخطأت أو ربما أصابت اتجاهها نحو بيت في منطقة أبو العُراج بالشيخ زويد، يقطن فيه ثلاثة أطفال بنت وولدين ورجل كبير، لينتهي الحال بجثة فتاة ممزقة وأطفال على وشك بتر ذراع أحدهم، ورجل مصاب بالشظايا في كل جسده، وأهل عمالين يتحايلوا على والد البنت في التليفون إنه يرضى يمضي على ورقة وفاة البنت الطبيعية عشان ياخد آخر حقوقها: الدفن. يرحمني ربي من رؤية جثة الفتاة، أروح وأفتح الفيسبوك ألاقي مقالتك بتاعة (توزيعك فين يا مصطفى)، أسأل هل ممكن يكون مصطفى القادم هو اللي ضرب الدانة، ولّا مصطفى القادم هو اللي الدانة حتصيبه مش الطفلة يسرا، كنت أتمنى يكون عندي العقل الكافي للتحليل والتفكير، لكن صدقني، الوقت اللي حتشم فيه الدم، هو الوقت اللي حينتفي فيه عقلك، باكتب لك عشان تدعي لي إن قلبي لا يموت، وإن إخوات يسرا ما يكبروش والشظايا لسه في قلوبهم».
لم أعد أرهقه بمراسلته عقب كل حادث إرهابي، تتم التغطية فيه على الفشل والتخبط والكذب، بالإعلان عن غارات جوية وتصفيات جسدية لا يعلم حقيقتها أحد، وأكتفي بأن أدعو له ولكل الأبرياء بالسلامة، وحين وقعت مجزرة مسجد الروضة، سارعت لمراسلته، وقلقت حين تأخر في الرد، لكنه طمأنني عليه بعد يومين في سطور قصيرة مشحونة بالألم، حكى فيها عن نزوحه قبل الحادث مع أسرته من قريته البائسة، إلى مكان لم يكن يبعد كثيرا عن قرية الروضة، ثم حدثني عن فيديو منتشر لطفل فقد أخوته وأقاربه في المجزرة، وعن تعليقات «الناس» التي تستغرب كيف يتحدث الطفل بكل برود: «ما يعرفوش أن الواد ده مات له أقارب قبل كده في حوادث تانية، وإن دي مش أول تجربة ليه ولا لينا مع الموت».
لم أجد رداً مناسباً على رسالته، ظللت أكتب وأحذف، أتوقف وأعاود، وأخيرا كتبت رسالة مرتبكة فيها ترشيحات لروايات مبهجة، حكيت له فيها عن شاب من أصول صينية، تمتلك أسرته متجرا قريبا من بيتي في نيويورك، رآني بعد يومين من المجزرة فأبلغني حزنه وتضامنه هو وأسرته وتأثرهم لما جرى، كانت زبونة حيزبونة تتابع حوارنا فعلّقت بجفاء: «إنهم يقتلون بعضهم ثم يغضبون حين نصفهم بالإرهاب»، تجاهلها تماماً، ثم سألني فجأة: «هل تحب العنب الأسود؟»، فظننت، وبعض الظن إثم، أنه يقترح إضافته إلى ما اشتريت، قبل أن أدرك أنه يرغب في إهدائي كيساً من العنب الفاخر تعبيراً عن تضامنه، حكيت لصديقي السيناوي ذلك، وختمت رسالتي قائلاً: «لك في ذمتي كيلو عنب ممتاز مهدى من شعب الصين الشقيق إلى أهل سيناء الحبيبة».
ولم أرسل الرسالة.

 

زيتون سيناء وعنب الصين

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية