زينة دكاش: سجناء أصحاء يمثلون متاعب المرضى النفسيين والقانون قيد التعديل

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: هو «جوهر في مهب الريح» الذي سيستدرج المتفرجين إلى سجن رومية في عروض خمسة محددة في 11، 12، 18، 19 و25 أيار/مايو المقبل. مهما كانت فعالية المسارح ورسوخها في التجربة، فبعد دخول جمعية كتارسيس والمخرجة زينة دكاش إلى سجن رومية، والتواصل مع مجموعة من السجناء عبر العلاج بالدراما وصولاً إلى مسرحية «12 لبنانيا غاضبا» باتت للمسرح نكهة حقيقية مرّة. وحضور عرض مماثل هو تجربة إنسانية مميزة جداً، ليس لأحد أن يتركها تذهب هباء.
الجهود حثيثة للقاء الأول مع الجمهور الضيف الآتي إلى السجن. الجمهور مختاراً وعبر دعوات يلزمها اذون مسبقة للدخول إلى حرم السجن. هم سياسيون، قضاة، محاومون، صحافيون، فنانون وناشطون في المجتمع المدني. فماذا سيقول جوهر لكل هؤلاء الضيوف؟ في مرحلة التمارين كانت رحلة إلى سجن رومية للوقوف على الاستعدادات. فالمسرح بدا جاهزاً للاستقبال. مدرّج خشبي ذات اليمين واليسار والمسرح في الوسط. ولهندسة الصوت والإضاءة وضعيتهما المرتفعة. كان الشباب والشيب من السجناء بانتظار زينة دكاش بفارغ الصبر، ومعها فريق العمل.
التماس عبر التمارين مع هؤلاء الذين سيمثلون حكاياتهم قريباً أمام الرأي العام، امتثل أمامي أحدهم الذي حكي في «12 لبنانيا غاضبا» خجله الذاتي، وكيف سينظر في عيون ابنته بعد السجن لأربع سنوات عقاباً على جريمة اغتصاب. وكذلك عندما تساءل كيف سيجد عملاً، ووصف نفسه بالوحش وبكى، فهو ترك أثرا لا يمحى لدى المتلقين. هذا الأحدهم، انتقلت معه في التاكسي في شوارع بيروت، وفرحت لأنه يعمل. كذلك اخبرتني زينة دكاش أن أحدهم ترشح للانتخابات البلدية بعد أن نظُف سجله. إذا للدراما أثرها في تطهير النفوس. فماذا عن جوهر؟ إلى جانب ميزان العدالة، والقبضتان المكبلتان بالسلاسل، على جدران المسرح أيضاً كتابات فلسفية، وجدارية تُظهر حماراً وسط واحة خضراء. هو جوهر دون شك. ومن الاختيارات الفلسفية قول لنيتشه «ما لا يقتلني يزيدني قوة». وآخر لكونفوشيوس «ليست العظمة في أن لا تسقط ابداً.. بل في أن تسقط وتنهض من جديد».
تبدأ المشاهد دون سياق تسلسلي. هو مبروك المتوجس من الذين حوله. يقف ملتصقاً بالحائط، عيناه تتحركان بريبة وخوف مرضي. حركة يديه وكتفيه تعلنان انغماسه في لعبة المرض. فيروز تغني «نطرونا كتير كتير ع مفرق دارينا» مبروك يسير ولا يسير، ينظر ولا ينظر. وزينة دكاش تعلن «مبروك ليس بمريض» وتسأل: كيف وجدتم حضوره؟ هو ناجح دون شك في الرسالة التي يحملها العرض المسرحي. هو رسالة تسلط الضوء على المرضى النفسيين المنسيين في المبنى الأزرق. هم بحدود الثلاثين، واعتقهم قابع في السجن منذ 37 سنة. هو بانتظار الشفاء كما يقول الحكم الصادر بحقه. فهل من المرض النفسي شفاء؟ أم هناك استقرار؟
الاستدعاء التالي كان لأصحاب الرقصة الاولى. هم ثمانية بدؤوا في دائرة، ثم تشابكوا ثنائياً، تعددت حركات الكوريغرافي، وفيها جميعها تعبير عن الحرية. عرض يمتد لحدود الساعة والنصف، يتضمن عدة رقصات، والكوريغرافي من تصميم بيار خضرا.
للغناء في مسرح الدراما تيرابي كما تعرّفنا إليه مع زينة دكاش في «12 لبنانيا غاضبا»، وشهرزاد في بعبدا دوره وموقعه المعبر ضمن سياق وجداني خالص. في جوهر تحولت «لبنان يا قطعة سما» إلى «اعدام يا عمر انتهى.. وما بقى يفيدني غير الصلى.. 30 سنة لازم تمما ومش عارف حالي إذا بكملاّ.. لهموم ع راسي مكوما.. لجبال ما فيا تحملا». هو فوزي الذي أدى بعضاً من حياته، لتأتي بعده حكاية طفيلي. طفيلي في مشهد يجمع بين منطقة الوعي وفقدانه. يستبدل حكايته مع المخدرات بالسيجارة المنتصبة خلف أذنه. من مشاهده الخاصة والمميزة تلك المرتبطة بلحظات الاسترخاء القصوى، كخلع فردة من شبشبه، والتمدد أرضاً ورفع رجل فوق الأخرى. يبحلق طفيلي بعينين مستفسرتين بالجمهور، يطلب من يشعل له السيجارة. ويؤكد أن اقلاعه عن هذه السيجارة يؤدي به إلى الهلوسة. لكن الطبيب أخبره «عندك أعصاب» ونصحني بالعلاقات؟ يبلغ طفيلي السامعين «ما توقفوا الدخان بتهلوسوا وبتصيروا تقاتلو». بسخرية يعلن تعلقه بلف ورق العنب منذ تعلمه طفلاً مع والدته، ويعترف «من أولتي بحب كل شي لف». رحلة طفيلي مع «اللف» طويلة بحسب اعترافاته. جزء منها كان في سجن زحلة مع «طاهر الفلسطيني» الذي يصفه بصاحب اليد «الطايلة». يتذكر دراسته في مدرسة الراهبات، لكن «العلم ما فادني شي. بأمن الدولة سقطت، بالدرك سقطت، وبالجيش سقطت». وتتوالى حكايا «المخمخة ع سجارة حشيشة» على إيقاع أغنية «Et si tu n’existe pas» وخلاصة على الإيقاع عينه بالعربية من مكان مرتفع أن البقاء في السجن سيفضي إلى نصّاب، حرامي أو تاجر مخدرات.
مع أغنية أخرى لغسان الرحباني يتواصل شرح الحال في السجن، فالغناء سبيل مباشر للتعبير عن يوميات السجناء. الإيقاع صادر عن طنجرة. «محبوس ع حسابي.. عم بدفع ع أكلاتي وشرباتي». يبدو أنه خطاب شديد الوضوح خاص بحقوق الإنسان.
هو مشهد جوهر وصاحبه، إنه أصل الحكاية في العرض. آت من بلدة معركة الجنوبية. «جوهر الحمار» متهم بسرقة دراجته النارية. لقد حررها (من البورة التي توضع فيها الدرّاجات غير مسجلة المصادرة من قبل الدرك). جرم أدى بمريض نفسي حقيقي إلى السجن، جهود والدته أخرجته بعد حوالي سنة. لهذا السجين الفقير الحال حكاية، فهو افتقد حماره جوهر، وإسرائيل هي المتهمة بخطفه. وبديلاً عن الحمار كان الموتورسيكل الذي عجز عن تسجيله. مشاكل خليل النفسية فجرتها الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل على مرأى منه وعلى مدى زمني طويل.
في آلية اختيار الأدوار تقول زينة دكاش: صورت فيديو في المبنى الأزرق، شاهده السجناء الأصحاء أكثر من مرة. وهم الذين قرروا حمل قضية زملائهم المرضى النفسيين اختاروا ادوارهم بأنفسهم. فالممثلون إذاً ليسوا بمرضى.
وفي تفاصيل التعامل مع المرضى النفسيين في السجون اللبنانية تقول زينة دكاش: القانون يقول أن المبنى الأزرق في رومية هو مأوى إحترازي، لكنه لا يشبهه في شيء. وليس في بقية المناطق مأوى إحترازي. جهودنا منذ سنة 2013 أثمرت عن تعيين القاضي حمزة شرف الدين من قبل وزير العدل للعمل على تعديل القانون الذي يعود لسنة 1943، ويسمي المرضى النفسيين الذين يرتكبون جرائم «مجنون، معتوه، ممسوس» في حين أن الطب النفسي تطور كثيراً. ويشير القانون بوضع هؤلاء في المأوى الاحترازي لحين الشفاء. والمريض النفسي يستقر ولا يشفى. وليس للقاضي اخلاء سبيل أي من هؤلاء إلا مع كتابة الطبيب المختص تعبير الشفاء. فهذا يعني أن احداً لا يغادر السجن الازرق. نحن في مرحلة تنقيح القانون بعد اجتماعات مع المسؤولين في مجلس النواب أكثر من مرّة.
تؤكد زينة دكاش أن اندفاعها لا يزال على حاله في العمل مع السجناء. وتعلن ان كتارسيس تتوسع نحو العلاج النفسي الفردي عبر الدراما. كذلك تطلب بعض الشركات علاجاً بالدراما لموظفيها.
قبل الوداع سألت بعضاً من السجناء ماذا تغير في حياتهم مع بدء التمارين المسرحية مع زينة دكاش؟ قال أحدهم: دبّت فينا الحياة مع وجود إنسانة تهتم بنا. قبلها كنا في موت بطيء.
تضاعف اهتمامي بهذا العمل المسرحي العلاجي لأنه يحمل رسالة خاصة بالسجناء المرضى في المبنى الأزرق.
حتى وإن كان أحدنا محكوماً بالإعدام نشعر أن الكابوس بدأ ينزاح عن صدورنا مع وجود من يهتم بنا.
كنا قد فقدنا الأمل. غير موجودين. حضرت زينة دكاش صار البركان يتفجر من داخلنا. أن يكون هناك من يسمعنا وينقل صوتنا إلى حيث يجب، فهذا مهم جدا لنا.
كنا في روتين قاتل للغاية. عندما نجتمع في قاعة المسرح نشعر بالحرية وهذا جميل في السجن.
مسرحية في السجن لم تعد حدثاً جديداً، لكنها تثير الاهتمام.

زينة دكاش: سجناء أصحاء يمثلون متاعب المرضى النفسيين والقانون قيد التعديل

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية