سبق لي أن شاهدت فيلم «12 رجل غاضب»، لكن ليس في عرضه المسرحي الذي جرى في سجن رومية. أولئك الذين أتيح لهم ذلك كانوا أكثر حظّا، حيث إضافة إلى الأداء التمثيلي الذي قام به سجناء، هناك التعرّف على السجن، ذاك الذي لا نكفّ عن إعمال مخيّلاتنا في تصوّر العيش فيه. في ذلك الفيلم، وكان أنجز في 2009، كانت الأدوار معطاة للنزلاء الذين لا أمل لهم في الخروج، أولئك المحكومين بالإعدام أو بالسجن المؤبّد، كما لأولئك المصابين بأمراض نفسية، وهؤلاء، على غرار أولئك الأوّلين، لن يتاح لهم الخروج أبدا طالما أنهم لن يستوفوا الشرط القانوني الذي يقضي بشفائهم أولا، «وكيف سيكون ممكنا لهم ذلك وهم لا يتلقّون علاجا» حسبما تقول زينة دكاش صانعة الفيلم ومعالجتهم بالدراما، كما بات يعرف أكثر اللبنانيين.
ما زالت في الذاكرة لم تبرح تلك المقابلات التي راح المحكومون بالإعدام يتحدثون فيها عن الأفق المسدود، وعما بقي لديهم من الحياة القليلة في الخارج. كما لا تُنسى تلك الرقصة التي شارك فيها رجال صامتون، بأجسام رياضية عامرة (وهذه الرقصة جُعلت فاصلا تقديميا للفيلم). كان أوّل ما يخطر في الرأس، عند مشاهدتهم، هو السؤال إن كانت هذا العضلات المفتولة قد تربّت في الخارج، حين كان هؤلاء ما يزالون أحرارا، أم أنها مما يرعاه السجناء هنا. قد تفيد في ذلك الأفلام الكثيرة، الأفلام الأمريكية خصوصا، حيث لا شيء يمكن للسجين أن ينشغل به: لا حيّز مكاني مثل حديقة صغيرة ليزرعها، أو غرفة ليرتّبها، ولا لباس يجري تبديله تبعا لتبدّل المناسبة. الجسم وحده هو الحيّز المتاح لبذل الاهتمام، حتى أنه قد ينوب عن خواطر الأمل التي تُحبط فور أن تعبر في الرأس، فيظنّ السجين المحكوم بالإعدام أو بالمؤبّد أنه يبقي جسمه جاهزا لملاقاة لحظة الحرية، إن سنحت.
أولئك الذين أتيح لهم أن يشاهدوا العرض حيّا، هناك في سجن رومية، حظوا أيضا بالتفرّج على السجن من الداخل. في فيلم ثان كان المتاح هو التفرّج، حيث تُسجن نساء. في أثناء ما بدأنا نشاهد عرض الفيلم الثاني هذا «يوميات شهرزاد»، كنا نسترّق النظر على ما تحتويه، أو لا تحتويه، تلك الغرفة التي لم نعرف مساحتها إذ كانت لقطات التصوير تصيبها مجزّأة متقطّعة. لكن ما يهمّ هو ما يدلّ على إقامة النساء، كمثل المشايات التي تركت مهملة في وسط الغرفة، مما يجعل المشاهد يستنتج أن فضل النساء على الرجال في ترتيب البيوت لا مكان له هنا في السجن. ثم تلك الزاوية المسودّة من تتالي الأوساخ عليها، هل هي كذلك بسبب إهمالهن؟ أو أن السجون يجب أن تكون هكذا، قليلة الترتيب والنظافة، وإلا كيف يُسمّى واحدها سجنا؟
لذلك كان على مشاهدي الفيلم على شاشات بيوتهم (حين عرض منذ أيام قليلة على إحدى المحطات التلفزيونية) وهم أوسع عددا وأكثر تنوّعا من أولئك الذين شاهدوا العرض في سجن بعبدا للنساء، أو في الصالة حيث قدّم أو عُرض، أن يعرفوا بأن شيئا قد أدخل على حياة هؤلاء، بمجرّد أن ظهرت نساء منهنّ مرتديات أوشحة رأس مختلفة الألوان الزاهية. في هذا العرض جاء دورهن لأن يُرين الناس ماذا هناك في داخل السجن، وذلك في وقت ما أتيح لهنّ أن يلقين نظرة على الخارج، من حيث هنّ محبوسات. ذاك أنهن سيخاطبن آخرين هذه المرّة، سواء كان هؤلاء حاضرين أمامهن أو متفرجين على الفيلم الذي أخرج لهنّ.
لذلك كان عليهن أن يؤدّين أدوارا كثيرة، بينها دورهن في حياتهن ، ودورهن في التمثيل، ودورهن في الاشتراك بهذا الحفل الجماعي الذي سيتمخّض عنه عمل مسرحي ثم فيلم سينمائي أو تلفزيوني. تلك القطيعة بين أن يكنّ هنّ فعلا، أو أن يكن مؤدّيات أدوارا، لا مكان لها هنا. فها هن يتنّقلن بين أن يكن ممثلات تحت التدريب يتلقّين الإرشادات من «زينة» (المخرجة) أو أن يكن ممثلات يؤدّين أدوارا، أو أن يتذكّرن، في وجه ثالث من وجوههنّ، ما أوصلهن إلى أن يكن سجينات. ثم، ولنضف إلى تلك الوجوه الثلاثة أو الأربعة، تنقّل واحدتهن بين أن تكون هي نفسها وأن تكون بعد ذلك عضوا في فرقة السجينات الممثلات… إلخ.
معهنّ، على الأقل في ذلك العرض، نجد أن ما شاهدناه من أفلام عن نساء مسجونات لا يفيد هنا. في العادة السينمائية الأمريكية يظهرن نساء كاسرات مستعدّات لمنازلة بعضهن بعضا من لحظة ما يقفل باب الزنزانة على الجديدة القادمة. في «يوميات شهرزاد» بدون كما لو أنهن أعضاء في أخوية، متسامحات إلى حدّ أنهن، جميعهن، يحتملن تلك المرأة الكثيرة الكلام التاركة شكلها يتخرّب وتتساقط أسنانها ولا تتوقّف عن الاعتداد بما هي فيه رغم ذلك. وها هي، المدركة بأنها لن تنال حظا في الخارج، تفتح لهن ذراعيها لتودعهن عند إخلاء سبيلها، ثم تتلقّى باقة ورد من ذلك الرجل الذي لا نعرف عنه إلا أن اسمه علي، وهو السجان على الأرجح، وقد انتقلت إليه الشراكة التي تجمعهنّ.
ثم أن ما يقسم بين الناس في الخارج، في الدين مثلا أو في السلوك، أو في فلتان اللسان من عدمه، لا وجود له هنا بينهن. كان علينا أن ننتظر لحظات الاعتراف (حين تتحدّث كل واحدة عن نفسها، وعن جريمتها) لنعرف أن هذه الشراكة السعيدة تخبّئ مآسي نستطيع أن نشاهد بعضها علامات تشوّه على أجسامهن. أو أن يحبس مشاهد نفَسه بعد سماعه من تلك المرأة، المرتدية الحجاب، أن ما حلمت به طوال حياتها، وما تزال، هو أن تكون في بيت. ذاك الكنف الخاص لم تعرفه أبدا في حياتها. الأمكنة التي عرفتها هي أمكنة عامة، مثل الميتم الذي قضت فيه كل طفولتها، والسجن الذي هي فيه الآن. أما في الوسط بينهما فطردها المتواصل من البيت الذي تسمّيه بيت زوج أمها.
ربما عوّض لها الحجاب شيئا من ذلك الفقدان للكنف والحماية، وكذلك أفسح لها المجال بالتحفّظ في مقابل إرسال الأخريات الكلام على عواهنه. ذلك، لهن، ضرب من الاعتراف والقبول بما يدينهن. كأنهن، بإطلاقهن السباب (الرجالي غالبا) يوافقن على الصورة التي يراهن بها الآخرون. لكن ذلك لا يعدو أن يكون مظهرا، أو منظرا لهن، يعدن عنه حين تأتي الهدأة فتقول عندها واحدة منهن: «صرت أفكّر إن كنت أنا سأتقبل المجتمع بدل أن أفكر إن كان المجتمع سيتقبّلني».
زينة دكاش لا تعالج نزلاء السجن فقط، رجالا ونساء، وليس فقط تدفع إلى الحضور من ظنوا أن الاختفاء قدرهم، بل، إلى ذلك، تبدو كأنها تنظم رحلات فتأخذ الذين هنا إلى هناك وتأتي بالذين هناك إلى هنا.
بين هؤلاء الذين في الخباء كانت زينة دكاش قد أخرجت عملا أول في 2014 عن العاملات والعمال في المنازل حمل عنوان «شبيك لبيك».
٭ روائي لبناني