(سأحلُمُ)

حجم الخط
0

سأحلُمُ..
لا لشيءٍ غيرَ أني سوفَ أحلُمُ..
عابراً وقتاً يُجلِّلُهُ انطفاءُ الأمنياتِ على الرَّمَادِ
ونَاسِياً ما كُنتُهُ
لا شيءَ أبعدَ من نهارٍ لا يجيءُ
ومن صَبيٍّ كان فيَّ وخُنتُهُ
لا شيءَ إلا الحُلم يحمِلُنا إلى الزَّمنِ الذي لم يأتِ..
أو لأماكنَ اشتُهيَ الوُصولُ لظِلِّ سُدرتِها ومرَّت في الغيابِ..
أنا سأنسَى كُلَّ ما تَرَكَ الغيابُ من الأسَى ومِنَ انكسارِيَ حين أحلُمُ
مرَّ هذا البحرُ في دميَ المُشرَّد في مَنَافي الرِّيحِ
أوجعَهُ انتِثَارُ المِلحِ في أمواجِهِ..
مرَّت فصولُ البحرِ صاخبةً بذاكرتي وجرَّحني التذكُّرُ
مرَّت المُدنُ المرافئُ والنهارُ المُستحيلُ ووجهُها المأسورُ في النسيانِ
ماضٍ ما يمُرُ وما أراهُ كأنَّهُ سُدّمٌ تُناثرُ غيمَهَا برؤايَ
هل تنأى الحياةُ عن التذكُّرِ حين تمضي وَردَةُ الوَقتِ الشَّريدةُ نَحوَ ظِلِّ الموتِ..
أو إن يُفلِتَ التَّذكَارُ من صَحوِ الحَقيقةِ لانطِفَاءَات الزَّوَال؟
لصمتِ هذا الوقت موسيقى تجيءُ من البعيدِ خفيفةً ونديَّةً
مثلَ الفَرَاشةِ لامسَت وتراً من الماءِ الموزَّع في الخريرِ وأفلتت بصداهُ في عمقِ المساءِ إلى السماءِ..
وللسماءِ غناؤها في صمتِ هذا الوقت.. للآفاقِ..
للسُّحبِ التي تهفو إلى المطرِ الخفيفِ ولانتشاء الشمسِ فوق بياضِهَا
والعُشبُ ينثرُ من مراياهُ الأشعةَ في توهُّجِها على أطرافِهِ.. ذهباً يسيلُ على الندى..
وأنا سأحلُمُ.
خانني الصَفْصَافُ في وهجِ الهجيرِ ولم ألُذ إلا بهِ
وازوَرَّ عن قَلبي الرَّبيعُ ولم أعِش إلا لهُ..
انطَفَأَتْ بَقَايا الأُغنياتِ برُوحِيَ التَّعبَى فقلتُ: قصيدتي تحيا..
سأبعثُ من قصيدتيَ انعتاقي..
سِرتُ للإيقاعِ في نفسي.. مَضيتُ إلى رؤاي.. نَسيتُ نَفسِيَ عند أوَّلها
انجلى المعنى من الكلماتِ مُنتشياً خفيفاً مثلَ أولِ خفقةٍ في الروحِ..
مثل الضوءِ والترتيلِ.. حساً خلف جَرسٍ غامضٍ أو لا يُؤَّوَلُ..
يُقبِلُ البحرُ المُعنَّى من مرافئِهِ إلى القَلبِ الذي احتَرَفَ الرَّحيلَ والانتظارَ لأن شيئاً لا يجيء.
ويُقبِلُ النسيانُ من موجٍ تَشَرَّدَ في مُلاحقةِ النوارسِ والصواري في أغاني الماءِ
لا يُبقي من الذكرى سوى أثرِ الرفيفِ من الفراشةِ
وانتثارُ الأغنياتِ بقلبِ طفلٍ كانَهُ الولدُ البريء.

٭ شاعر مصري

(سأحلُمُ)

حمزة قناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية