نور عويتي: أسافر دائما بأحلامي إلى دمشق، أهرع إلى غرفتي، أفتح باب خزانتي، أتأكد من رسوماتي داخلها، كتاباتي أحلامي، أفتح درجي السري فيها، الذي حفرت على خشبه كلمة «حرية»، أخاف دوماً أن يبيع أهلي يوماً ما خزانتي سراً وتضيع هويتي.
أخاف أن يكتشف أهلي أسرار خزانتي في غيابي، فيحطمون خشبها ويضرمون النار فيها، ثم يخفون رمادها بين حطام البيوت المهجورة، لم ترق لهم يوماً ثرثرتي المستمرة حول الثورة وتمردي، كانوا خائفين أن يعبر همسي جدران بيتنا، ليصحوا على دعسات أقدام عسكرية تسوقنا إلى المجهول.
هربت من دمشق يوم منعني أهلي من الثرثرة. يوم مللت من نظرات العساكر الشهوانية إلي على الحواجز. هربت من صور الأسد المنتشرة في كل مكان، هربت خوفاً من ألا تعرف أجزائي حين أموت.
ودعت أهلي وأصدقائي، أضفت عبارة واحدة على جداري الخشبي «سأعود يوماً»، أقفلت باب خزانتي جيداً، حملت أحلامي في حقيبة وسافرت.
منذ وصولي أرفق اسمي بكلمة «لاجئ» أو «نازح»، في أرض الأحلام تملك الكثير من الحرية. تدفع ثمن الحرية ساعات من الانتظار، تمضيها على أبواب الأمم المتحدة، هنا ترى كيف يساق السوريون من شرفات منازلهم حاملين ختم اللجوء.
لقد دفعنا الثمن غالياً، وها نحن اليوم نتوارث الأمل، أعود بذاكرتي إلى حكايات جدتي وضفيرة شعرها الشقراء، التي دفنتها داخل تراب حيفا، لقد ختمت بيتها بختم مخفي تحت التراب، ليرعب الأقدام الغريبة، وندرت ألا تطيل شعرها إلا بعودتها، أكل الدود ضفيرتها، ستون عاماً ولم تطل جدتي شعرها الأشقر.
لن أموت هنا يا جدتي، سأعود يوماً وأخلع أخشاب خزانتي، سأضرم النار بكل حاجز، وسأخلع حذائي لأركض حافية وسط حارات دمشق القديمة هاتفة «حرية».