كشفت تحولات الوعي السياسي في العالم العربي بحسبانها ثاني مظاهر التحديث المجتمعي بعد حدث ميلاد الدولة الوطنية، عن العديد من الاعتوارات التي واكبت ولا تزال تواكب مسار اكتمال هذا التحديث.
ولعل أصعبها على الإطلاق الاندراج الخطابي والعملي للحركة الإسلامية، بوصفها تعبيرا انبعاثيا للتاريخ، تروم النهضة على أسس الهوية الما قبلية لمولد القطرية العربية، إذ سعت إلى تأصيل الكثير من المفاهيم التي نسختها قفزات العقل، وهو يؤسس لحداثة شملت كل قضايا الوجود الانساني، منتجة خطابا متغربا عن الماضي بكل أسئلته، كالهوية، المآل، الثروة وغيرها من قضايا الإنسان الاجتماعية الفلسفية والروحية. بيد أن هذا الخطاب الذي يقطع مع الماضي وفق مركزية غربية، خلق استرابة اسلامية عبّرت عنها الحركة من خلال احتراسها بسرديات التراث، لم تفلح في إعادة قراءتها وفق أبجديات ومنتج التحول التاريخي الحاصل، مما أفشل كل مساعي ومحاولات التعبير داخل الحوزة المجتمعية الحديثة، وفق شرطياتها التحديثية والحداثية معا، وتجلى الإخفاق في محاولات التموضع داخل القطرية مؤسساتيا وهيكليا، الأمر الذي بات يستدعي إعادة تشريح التراث خطابا وتجربة، بغية تفكيك جملة من المفاهيم انبعثت من عناوين ومصطلحات فقدت شرعيتها أو بعضا من شرعياتها الدلالية، الزمنية والتاريخية، ولربما معا.
حركي أممي أم سياسي قطري؟
لقد عرفت جهود تحقيق حلم الانبعاث الإسلامي مراحل عملية وتنظيمية عدة، بيد أنها ظلت مرتكزة في سريان مجراها على الجانب التنظيمي دون التنظيري، الذي يقتدي بإعادة فتح التراث الديني بوصفه المنطلق الانبعاثي، وفق آليات النقد والتجديد والتحييد، وهو ما عسّر من عملية إنتاج معجمية جيدة تؤسس لخطاب يدنو تاريخيا ودلاليا من واقع الفكر الحداثي.
وفي ظل حالة الرفض التي قوبلت بها طروحات الانبعاث الإسلامي فكريا وسياسيا ومؤسسيا، من قبل كل الأطراف الحداثية والمتمحورة حول الدولة القطرية، سارع بعض الإسلاميين إلى خلق فضاء عملي لا ينحصر في بعد سياسي فقط، بل يمتد في شموليته لكل الأبعاد والجوانب، وانبجست للوجود الحركة كمفهوم تنظيمي للانبعاث الإسلامي في عشرينيات القرن الماضي، في ظل قلق تاريخي كانت تحياه الأمة بأكملها تحت نير الاستعمار، ولعل هذا ما زاد من إضفاء الغموض على طبيعة النشاط وشرعيته ومديات شموليته لكل الحقول المجتمعية.
وضع سيفرز في ما بعد جدلا اصطلاحيا ليتطور فيغدو مفهوميا، حول طبيعة عمل ناشطي هذا الإطار الحركي، وكذا طبيعة تصنيفهم، هل الحركي سياسي؟ أم هو أشمل من ذلك أو أقل؟ وما زاد هذا غموضا عدم قدرة الانبعاثيين، أو الحركيين الإسلاميين على الحسم في طبيعة نشاطهم داخل مجتمعات تبنى فيها أنشطة الوعي على شرطيات الحداثة ومجالاتها ومؤسستها، فالحركة العملية تشتغل داخل الحقل النقابي، الصناعية داخل الحقل الاقتصادي، السياسية داخل المؤسسة السياسية وهكذا، ثم بزغت إشكالية الحركة والحزب، السياسي والحركي فالاول بفضاء محدد وفق إملاءات ومقتضيات الوجود القطري الحداثي، والثاني بفضاء غير محدود، أمميا وتاريخيا محكوما بذاكرة وهو ما أحبط كل مسعى لتجاوز غربة المصطلح وغموض المفهوم.
داعية ديني أم قيادي حزبي؟
استمر مأزق التواصل المفهومي بين تيار الانبعاث الإسلامي المرتبط مشروعا وموضوعا بالتراث الديني، ليصل إلى مؤسسات العمل السياسي، في تداع غير محسوم ومبني على تقية واضحة يرام بها مسايرة الواقع التنظيمي للمجتمع الذي أفرزته القطرية بشرطياتها الحداثية المؤسساتية، فبرزت أحزاب سياسية من داخل الحركات الإسلامية تتبنى الانتظام الهيكلي ذاته لأحزاب التيارات الأخرى، ولا تعدو ذلك، بمعنى أنها ظلت رهينة للاحتراس الإيديولوجي، الذي تعيد إنتاجه السلطة الأفقية أي الحركة الأم، فثارت المفارقة الاصطلاحية لتشمل صفة الداعية بالقيادي السياسي للأحزاب الاسلامية، فالتحول من الدعوة بفضائها الشمولي الأممي إلى السياسة في حيزها القطري التاريخي، من دون تفكيك واستيعاب حقيقي لمعطى المؤسسة السياسية الحديثة، أفرز بدوره أزمة على صعيد القيادة السياسية، هل بالضرورة أن تظل حكرا على ممارس للدعوة، أم تطال من هو خارج حوزة الدعوة الدينية ببعدها الروحي التربوي؟
وجاء الربيع العربي ليكشف سوءة الإسلاميين البنيوية على مستويي الخطاب والممارسة السياسيين، حين تفـــجروا من الداخل بين النصوصيين من أوفياء البعد المدرسي الفقهي والأممي، وبين من حاول الاشتغال على نطاق القطرية ومصالحها، قبل أن يتسع نطاق تفجره ليغدو بين هؤلاء الإسلاميين والقطريين من كل المشارب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين مرورا بالوسط العروبي، ظاهرة تمظهرت كثيرا في تونس ومصر على وجه أخص.
مريدون أم مناضلون؟
هذا المسخ المؤسسي الذي انبنت عليه التجربة السياسية للإسلام الحركي، كانت مجبرة بفعل حركية التاريخ وتدافعاته على أن تواجه جملة من المشاكل، لم يكن باستطاعتها مواجهتها، فزيادة على عدم الحسم في مسألة علاقة الدعوة بالدولة والسياسي بالحركي والداعية بالقيادي، انضافت إليها أزمة التصنيف والتعريف لدور القواعد والأتباع، حيث يرفض الخطاب الإسلاموي مثلا مصطلح النضال، ويصر على صفة «الأخوة» ذات الدلالة الأيديولوجية الحركية، وبذلك توجب أن تحتفظ القواعد الجماهيرية للحزب الإسلامي بالمقتضيات التراثية ذاتها أي الولاء، وعدم الخروج عن القيادة، والتقويم بدل التقويض، والنقد حفاظا على وحدة الصف.
شأن كهذا كرس الهيمنة على الرأي المخالف، وقتل الرأي الآخر داخل الأحــــزاب الإســــلامــــية، ونقل مواصفات الناشط الحركي في بعده الأيديـــولوجي الأممي إلى الحزب السياسي الـــذي له مقتضــــيات حراك غير ذلك الذي لدى الحركة، من هنا استحال المناضلون إلى مريدين وأتباع للشخص الزعيم أو الكاريزما، الأمر الذي كان من مساوئه أن عطل مسار التطور والتحول من الحركة إلى الحزب.
الانهيار «الرسمي» بعد الانتصار «الشعبي»
كل تلك التناقضات العضوية الداخلية التي يعيشها تيار الإسلام السياسي خطابا وممارسة، التي غطت عليها فترة القمع السلطوي الطويلة، برزت بشكل صارخ في ما بعد الانفتاح وبزوغ فجر الحرية، حين تمكن الإسلاميون من الوصول إلى الحكم مباشرة، أو المشاركة فيه، حيث مظاهر التخبط على كامل المستويات الإستراتيجية والتكتيكية، اشتد النزاع خفيه وظاهره بين البعد الحركي والبعد السياسي، الأمر الذي أتاح لخصوم هذا التيار فرصة الإطاحة به في أعنف محطات التعامل معه، كما كان الشأن في مصر، وتفكيكه وتفخيخه من الداخل عبر تلويثه بالفساد المالي والسياسي الذي يطغى على مؤسسات الدولة من خلال إشراكه في السلطة، وسلبه بالتالي القواعد الشعبية والأوعية الانتخابية الكبيرة التي كان يحوزها، كما حدث مع إخوان الجزائر في حركة مجتمع السلم.
من هنا يتضح أن الإسلام السياسي يتجه شيئا فشيئا نحو فقدان مبررات وجوده في الفضاء السياسي القطري العربي، لكونه يفتقد لموضوعية الراهن بمختلف خصوصياته الفلسفية والتاريخية، ولكونه لم يحسم في العديد من أزماته الداخلية على نطاقات شتى المفهومية منها والفقهية والهيكلية، لا سيما منها فك ذلك الارتباط المشوَه بين البعد الحركي الدعوي وبناه وأهدافه الأممية والبعد السياسي القطري بمقتضياته الحديثة، وهذا لعمري أكبر تحد يواجه أفق هذا التيار ويستدعي منه الذهاب إلى مراجعات عميقة تخلصه من الحلول التلفيقية العقيمة التي أفشلت كل مساعيه لتأصيل وجوده القطري في ظل تنامي استحالة تجسيد الحلم الأممي الوهمي الكبير.
٭ كاتب صحافي جزائري
بشير عمري