سؤال التوتر الاجتماعي قبل الانتخابات التشريعية

حجم الخط
0

شهور قليلة تفصل المغرب عن الانتخابات التشريعية القادمة..كل المؤشرات السياسية تشير إلى حظوظ وافرة لحزب العدالة والتنمية عَلى باقي الأحزاب السياسية بالنظر لتحسن المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة بالمقارنة مع الوضعية السياسية والاقتصادية التي عرفتها البلاد قبل أربع سنوات، وخاصة مؤشر الاستقرار السياسي بعد الهدوء الذي سجله الشارع المغربي بعد الانتخابات التشريعية التي جاءت في أعقاب الاحتجاجات الشعبية بعد هبوب رياح «الربيع العربي» على المغرب. وبالنظر أيضا إلى الانتخابات البلدية والجهوية التي جرت يوم ٤ شتنبر 2015، والتي مكنت حزب العدالة والتنمية من رئاسة أهم المدن المغربية.
لقد نجحت التجربة المغربية في الحفاظ على استثنائيتها بالمقارنة مع الارتدادات التي مست العديد من البلدان العربية وأفشلت مسارات التحول الديموقراطي التي كانت مأمولة.
في المغرب هناك محاولات حثيثة لنشر حالة عدم الرضا على الأداء الحكومي، ويجري تجريب وصفة التمردات الاجتماعية ذاتزالطبيعة الفئوية.
التمرين الذي خضع له رئيس الحكومة في اللقاء المفتوح الذي جرى بإحدى المدن الشرقية والذي خضع لمحاولات حقيقية لإفشاله جدير بالتحليل، باعتباره مؤشرا على طبيعة المناخ الذي سيسود خلال المرحلة القادمة.
فبغض النظر عن الجهة التي وقفت وراء تجييش مجموعة من المشوشين لنسف اللقاء التواصلي لرئيس الحكومة مع طلبة المدرسة العليا للتسيير بوجدة، فإن فئة الأساتذة المتدربين التي تناهض سياسة الحكومة الرامية إلى الفصل بين التوظيف والتكوين، انتقلت من فئة اجتماعية لها مطالب مادية، إلى فئة سياسية سقطت في تبرير العنف اللفظي والتهديد الجدي للسلامة البدنية لرئيس الحكومة، مما جعلهم يفقدون الكثير من التعاطف من طرف العديد من الفرقاء الاجتماعيين والسياسيين.
وهي مناسبة لوضع النقاط فوق حروف الفعل الاحتجاجي، أخذا بعين الاعتبار طبيعة الرهانات السياسية المرتبطة بهذه السنة باعتبارها سنة انتخابية.
أولا، إن رئيس الحكومة هو تعبير عن مؤسسة منبثقة عن اختيار شعبي وعن تعيين ملكي وتنصيب برلماني، وهو ما يعني بأنه لا يحق لفئة تحمل مطالب فئوية أن تعتدي على اختيار سياسي ديمقراطي للناخبين المغاربة.
ثانيا، ينبغي الحذر من الانزلاق السياسي لتبخيس المجهودات الجارية لحل بعض المشاكل الاجتماعية، ومنها مشكلة الأساتذة المتدربين.
لقد اقترحت الحكومة حلا نهائيا لهذه يؤدي إلى توظيفهم بشكل كامل عبر دفعتين، وهذا هو الأهم الباقي كله قابل للحل عبر الحوار والمفاوضات،(قلت لبعض الأساتذة المتدربين: إذا وعدكم بنكيران بتوظيفكم بشكل كامل، فاقبلوا منه هذا العرض ولا تدخلوا معه في التفاصيل، فوضوا له هو أن يراعي مصلحتكم، وستكسبون أكثر مما تتوقعون).
ثالثا، ثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن بعض الجهات التي من المفروض أن تقوم بدور الوساطة، أصبحت تعمل ضد رئيس الحكومة وتشككهم في وعوده، بل وصل الأمر إلى رفض محاورة رئيس الحكومة بحجج واهية، منها عدم محاورته في بيته، في تبعية عمياء لإحدى الفتاوي المغرضة لبعض الأصوات التي تعرف جيدا بأن ذلك البيت شهد لقاءات حكومية وغير حكومية واجتمع فيه رئيس الحكومة مع مستشاري الملك ومع ضيوف كبار للمغرب،واتخذت فيه قرارات بالغة الأهمية.
رابعا، من حق الأساتذة المتدربين أن يحتجوا ضد العنف الغير المبرر الذي تعرضوا له ومن حقهم المطالبة بتتائج التحقيق الذي أمر به رئيس الحكومة، لكن من واجبهم الاعتراف بأن رئيس الحكومة تحمل مسؤوليته كاملة فيما حصل حتى وإن أقسم بأنه لم يكن على علم بذلك التدخل الأمني العنيف، كما تدخل بنكيران لتفادي فض إعتصامهم باستخدام القوة بعدما جرى إشعاره بذلك في منتصف الليل، وهذا كاف لفهم التعقيدات التي تحاول توظيفهم في صراع مباشر مع رئيس الحكومة في سنة انتخابية حاسمة.
لكل هذه الاعتبارات، فإن ما حصل في وجدة جعل الأساتذة المتدربين يفقدون إحترام فئات عريضة من المواطنين المغاربة، وذلك بدليل ردود الفعل المستهجنة المتعددة المشارب، بمن فيهم خصوم بنكيران.
لقد كان من الممكن الاحتجاج بطرق أكثر حضارية خصوصا وأن رئيس الحكومة عبر عن استعداده للإنصات للجميع..
لقد نجح عبد الإله بنكيران في اجتياز تمرين خطير في مواجهة عينات من الحركات الاحتجاجية، استمع إلى الطلاب وإلى الأساتذة المتدربين وإلى الأشخاص في وضعية إعاقة وإلى المعطلين حاملي الشواهد وإلى صناع الأسنان وإلى المرأة التي نادت بالانتباه إلى أخطبوط الفساد عِوَض التركيز على بنكيران. ونجح في البرهنة على سعة صدره في الاستماع إلى مطالب فئوية مختلفة، كما نجح في تقديم دروس عملية في الممارسة الديموقراطية، وتلقين مبادئ الصبر والتضحية والتحمل والإنصات للجميع.
مع كل ما حصل، فإن كل من تابع أزيد من ساعتين من الحوار المباشر بين الرجل الثاني في الدولة المغربية وعينة «غير منظمة «من الحركات الاحتجاجية، في سابقة من نوعها في التاريخ السياسي المغربي، سيتأكد من إحدى أسرار الاستثناء المغربي..
حفظ الله المغرب.

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية