سؤال النقد في «ثقافة النص الروائي» لشعيب حليفي

شعيب حليفي واحد من الفاعلين والمناضلين البارزين في مشهدنا الثقافي المغربي والعربي، منذ أزيد من ثلاثين سنة، وعلى عدة واجهات؛ إبداعيا ونقديا وأكاديميا واجتماعيا. ولقد واكب هذا التعدّد تعددا في إنتاجات شعيب حليفي في النقد والدراسة والإبداع والتاريخ والنقابة.
وفي مجال النقد صدر له مؤخرا كتاب جديد عن منشورات المدارس في الدار البيضاء، يحمل عنوان ثقافة النص الروائي، وهو كتاب يطرح فيه شعيب حليفي سؤال النقد والإبداع، ويروم فيه جعل النقد الأدبي ممارسة إبداعية مجددة في طرق تفاعلها مع النصوص الروائية، وتحاول جاهدة الابتعاد عن النمطية القرائية التي لا تواكب صيرورة الرواية، باعتبارها جنسا أدبيا متحررا ومتجددا باستمرار.

نحو نقد إبداعي

ينطلق شعيب حليفي في كتابه النقدي الجديد ثقافة النص الروائي، من أن ما تشهده الرواية من تجديد يقتضي تجديد النقد لأدواته ووعيه الفني والثقافي: «ولا بد من التصريح بأن هاجس التعبير عن الذات والتاريخ والمجتمع كان أساس التحولات والاختيارات في أساليب الكتابة الروائية، والارتباط بتنويعات التخييل الذي ارتقى من إثبات الذات عبر الكتابة إلى التأكيد على وجود رواية مغايرة تصوغ إشكالياتها من منظور مختلف عن المألوف. ما يقتضي أن يكون النقد، بدوره، متوجها نحو تجديد أدواته ورؤيته ووعيه الفني والثقافي، بل تثوير قراءاته لهذه النصوص التي لا تتوقف عن اللعب والخرق». هناك هم يشغل شعيب حليفي، في هذا الكتاب، وهو ضرورة تجديد الدرس النقدي وتغيير السؤال النقدي، بغية استعادة النقد لخصوصيته، وهي التأمل في النصوص والتفكير من داخلها، من أجل الاقتراب من قيمتها الجمالية والفنية ومستويات قراءتها والكشف عن حقائقها الإنسانية، لا الاكتفاء بتقديم انطباعات لحظية عنها.
كما يحاول شعيب حليفي ترسيخ خصوصية، هي من جوهر الكتابة النقدية، وتتمثل في جعلها إبداعية متحررة من سطوة المفاهيم وقيود المناهج ويفتحها على دائرة أكثر اتساعا، بالتأكيد على أنه ينبغي على الكتابة النقدية أن تتحلى بجرأة الإبداع وحريته، ولا يتأتى ذلك إلا عبر تحرير النقد الروائي من الصرامة المنهجية ليطلع بدوره الإبداعي في محاورة النصوص والتعريف بها والكشف عن قيمتها الجمالية والفنية. وتتجلى إبداعية النقد عند شعيب حليفي في ما يلي:
اللغة النقدية تميل إلى الإبداعية «لجأ الراوي إلى زرع الحلم في مواقع عدة في الرواية وبصيغ مختلفة؛ كأنما كان يجرب عدة أدوية لمرض واحد دون جدوى».
الكتابة النقدية تتحدث عن نفسها من داخلها، ابتعاد النقد عن الكلام الزائد والاكتفاء بتعاليق قصيرة ومكثفة ودالة، الحرص على تحليل النصوص الروائية وتأويلها، انطلاقا من خصوصياتها كجنس أدبي حر، انتقال الحس البداغوجي إلى داخل الكتابة النقدية، بإفصاح الناقد شعيب حليفي، بشكل مقصود، عن الكيفيات التي يقرأ بها النص الروائي، باعتبارها قراءات لا تنتهي، التنويع في طرق كتابة المقالات داخل الكتاب وداخل كل مقال إيمانا منه بحرية النقد التي ينبغي أن تواكب وتساير حرية النص الروائي، تحويل القراءة النقدية إلى حكاية، تبرز أشكال تفاعل الكاتب مع النصوص الروائية، مما يجعل من القراءة تاريخا يتطور ويولد تأويلات جديدة في تفاعل مستمر مع النص الروائي، الكشف عن طقوس الكتابة النقدية، كالاستماع إلى الموسيقى، والكشف عن تفاعل الناقد وجدانيا مع الأعمال الروائية، بذكر ساعات القراءة، وأوقاتها، وكذا الافصاح عن مناسباتها،

فتح الورشة النقدية

يفتح لنا شعيب حليفي ورشته النقدية، مثلما سبق أن فتح لنا ورشته السردية، من خلال عمله الروائي «لا أحد يستطيع القفز فوق ظله». ليقدّم لنا في كتابه الجديد ورشة ثلاثية مفتوحة يتفاعل فيها النّص والناقد والقارئ يقول: «وانطلاقا من اقتناع ظل خفيا في نفسي بأن الكتابة النقدية لا بد أن تكون لها الجرأة نفسها التي يمارسها الإبداع، وبإمكان الناقد ممارسة الكتابة النقدية في كل مستوياتها الأكاديمية وغيرها، ما يمكن أن نسميه قراءة داخلية بداخلها، وبآلية أمينة، أدوات وتصورات تجعلها رشيقة ومنفتحة، تتحول إلى ورشة منكشفة أمام العموم؛ ورشة ثلاثية بين الناقد والمبدع والقارئ وهو ما أصبو إليه نقديا، بحيث اعمل على إيراد ما كتبته من أفكار وهوامش، وكل التشطيبات والجمل المعدلة التي كان من المفروض استبعادها أثناء التحرير الأولي أو النهائي […] ليشاركني القارئ في هذا النص النقدي». فيحرص على إشراك القارئ في تأويل النصوص، انطلاقا من وعي بأن القراءة شيء غير مكتمل مفتوح على احتمالات قرائية لا متناهية.
يقول: «وخطر لي بأن هناك شيئا ناقصا في قراءة هذه الرواية». ويقول: «أليست الكتابة وهي تبوح، في كل قراءة ضمن سياقات مختلفة، بتأويلات معبرة، هي صفحات من اللاوعي واللعب والتضعيف؟ تطلع وتتشكل لتمنح القراءة الحياة التي تستحقها، فيما تكسب القارئ والناقد احتمالات لا متناهية من الفهم المتجدد». مؤكدا أن القراءات المتعددة هي التي تمنح القارئ الناقد احتمالات متعددة من الفهم، يعني عدم قتل النص، والإبقاء عليه حيا يتجدد مع تعدد القراءات وتعدد المعاني والتأويلات، ليكشف لنا شعيب حليفي عن سؤال ما الذي يفعله الناقد حين يمارس عمله؟ أي حين يقرأ عملا روائيا، بالإفصاح عن المطبخ النقدي الذي عادة ما يسكت عنه النقاد، المتميز عنده بمتعة التحري وآلياته من أجل القبض على التأويل، الذي يصبح بدوره حكاية، سمّاها شعيب حليفي بمحكيات أو يوميات القراءة التي يروي فيها حلقات بحثه عن المعنى وسعيه الحثيث إلى التأويل المناسب الذي يظل منفلتاً. يقولُ: «كمنْ أبحث عن كوة أنفذ منها لقراءة الرّواية وتقديم تأويل مناسب» أو بلغة أخرى يفصح لنا عن مراوداته للنص الروائي من أجل الاقتراب منه والقبض على ما غمض فيه. كما يكشف في محكيات القراءة أيضا عن مسوداته النقدية وعن المراحل التي يقطعها النص النقدي قبل أن يخرج إلى الوجود.

طريقة القراءة

يفصح لنا شعيب حليفي عن تاريخ قراءاته للنصوص وكيفية قراءته للنصوص، وأشكال تفاعله مع النص، عبر الإنصات للنص الروائي ومحاولة قراءته من الداخل، دون فرض قوالب جاهزة عليه، وفي ذلك تحرير للنقد من ثقل المفاهيم البعيدة عن الإبداع. كما يعرض علينا كيفيات قراءاته للنصوص، ويدخلنا إلى مختبره القرائي. ويفصح عن مدة القراءة وعدد القراءات وطرق القراءة (ملاحظات على الرواية/ في الهامش في دفتر تسجيل تعليق بعد نهاية القراءة). مما يبرز لنا بجلاء أن شعيب حليفي قرّاء كبير للرواية، سواء على مستوى عدد الروايات التي يقرؤها أو على مستوى عدد القراءات التي خصصها لكل رواية. ومن خصائص القراءة لديه أيضا قراءة النصوص والتعليق عليها، أحيانا يقتصد في التعاليق وأحيانا يستفيض في التعليق، وأحيانا أخرى يغيب التعليق ويترك النص يقدم نفسه للقارئ، وعيا منه بضرورة إشراك القارئ في عملية بناء التأويل، إيمانا منه بذكائه (القارئ).

٭ كاتب من المغرب

سؤال النقد في «ثقافة النص الروائي» لشعيب حليفي

بوشعيب الساوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية