سابين شقير: قصص الناس إلى الشارع فنشعر بهم ونخرجهم من أسر الرقم

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: دخلت «الكرافانة» حياة اللاجئين السوريين في بعض مخيمات البقاع، وأبعدت عنهم الملل اليومي، وتحولت إلى حدث فني ـ إنساني. بدءاً من 21 حزيران/حزيران إلى 23 تموز/يوليو تمتد رحلة «الكرافانة» على الأراضي اللبنانية بهدف تقديم عروض في الشارع، أو ما يُعرف بمسرح الشارع، مدعومة بحكايات صوتية مسجلة.
بكل بساطة يُعرّف اللاجئون «الكرافانة» بحسب إحساسهم بها: «خيمة ذات دواليب. مسرح الشارع. القصص مسجلة صوتياً. هدفها تسليط الضوء على قصصنا. وبالآخر بدنا نعمل مسرحية. مسرحية شارع مو مسرحية عادية، وندور فيها في الضيع اللبنانية، ونلف مخيمات السوريين». وهكذا ينمو الإحساس الفردي مع مشروع «الكرافانة» الساعي أولا وأخيراً للتعرف إلى حياة النازحين الصعبة وحكاياتهم المؤلمة.
في مقر جمعية «بيروت دي سي» حيث انطلق مشروع «الكرافانة» كان تماس مع الجزء الصوتي من حياة اللاجئين وهو أساس للعروض التي ستلف وتدور الشوارع، فالناس هم أصل الحكاية، وطالما شكلت الحكاية جزءاً من التواصل بين البشر، وكم حطمت من حواجز. وربما شكلت ذاك الخيط غير المرئي الذي يجمع الناس على الحب والقبول بعد معايشتهم لحكايات بعضهم البعض. وهكذا حكى اللاجئون حكاياتهم دون أقنعة، ودون مساحيق تجميل. وهذه الحكايات ستخترق عالم اليوتيوب لتصل لأبعد مدى، ولن تكون محصورة فقط بعروض الشارع.
«الكلون» المميزة والنشيطة سابين شقير، شكلت بشخصيتها السلسة والمثقفة جسر العبور إلى ذوات اللاجئين المتعبين بعيداً عن ديارهم. مراحل من العمل والتواصل كانت نتيجتها تسجيل العديد من الحكايات. قد لا يصدق المتلقي أن سيدة سورية في عمر الشباب تفصح عن ما يزعج حياتها الحميمة. في سوريا كانت تعيش مع أهل زوجها الذي يعمل في لبنان. «لم يدم الهناء في بيتي الخاص، وقعت الحرب. نحن في خيمة.. ستائر تفصلنا عن الأولاد.. استعين بصوت التلفزيون لأخفي صوت زوجي عندما نكون معاً، ومع ذلك يصرخ الأطفال من خلف الستار الفاصل ماما شو في؟».
هي حكاية كافة الزوجات دون شك فيها الكثير من العمر المهدور والحب المؤجل. لكن مع الأطفال وخيالهم الرحب تختلف نكهة الحكايات. أخذهم الخيال بعيداً مدعوماً بأساس واقعي. باص ينقل أطفالاً من مخيمات البقاع إلى بيروت لمتابعة نشاط ثقافي فني تعرض لحادث سير. يصفون السائق والحادث تباعاً: «شوفير ما بيعرف يسوق.. كانت أعمارنا بين 5 و9 سنوات، مهيصين رقص ودبكة وموشحات.. أنا طار راسي.. رحت 3 شقف.. ايدي راحت.. انقلع قلبي.. أنا متت.. انقطع لساني.. صاحب الباص قتلو.. دبحو.. ربطو 5 اشهر». ويا ويل ويل حالي.. تصدح أصوات الأطفال.
بالصوت تعبر أم عن حال ابنتها الرضيعة التي تحتاج لحاضنة واوكسيجين وإلا تموت خلال 3 ساعات. جولة مؤسفة للغاية عبر الهاتف على المستشفيات. الجميع لا مكان لديه.. وأخيراً فارقت الطفلة الحياة. في هذه الحكاية التي تتكرر في كل لحظة على الأراضي اللبنانية تقول النازحة التي فقدت طفلتها لأن الجميع تخلى عنها بما يشبه المواساة الشخصية: «هالبلد ضيقة علينا وع أهلها كمان. عالقليلة نحنا عنا الأمم «الأمم المتحدة» اللبنانيين ما عندن لا أمم ولا غير أمم».
مشروع «الكرافانة» من تنفيذ جمعية «بيروت دي سي» بالاشتراك مع جمعية «سوا» للتنمية والإغاثة وغيرها من الداعمين كالاتحاد الأوروبي. مشروع انطلق على مراحل. في المرحلتين الأولى والثانية أمضت الفنانتان سابين شقير وفرح قاسم 40 يوماً مع اللاجئين في البقاع. عمل الفريق مع 140 إمرأة بين عمر 20 و85 سنة، ومع 60 رجلاً بين عمر 30 و65 سنة، و50 طفلاً بين عمر 6 و13 سنة، ومن مخيمات مختلفة. وكانت ورشات عمل حول سرد الحكايات، وخلق مساحة مفتوحة، فتحدث المشاركون عن حاجاتهم، أفكارهم، وخبراتهم المتعلقة بالاندماج في المجتمع اللبناني.
سجّل الفریق عشرين قصة وعمل على توليفها. هي قصص عن الحب والموت، التمييز والذل. وأيضاً ذكريات سعيدة. تقول سابين شقير عن هذه المرحلة من العمل مع اللاجئين: «كان من المهم بالنسبة لنا أن نسمع عدداً كبيراً من الأصوات، بهدف اختبار حماس المشاركين والذي كان أمراً رائعاً، إضافة لقوة الكلام البسيطة، ومشاركة الآخرين الأمور الهامة والجوهرية عن النفس ومتعة الإصغاء، ومشاركة التفاصيل الشخصية مع بعضنا البعض».
أما المرحلة الثالثة من المشروع فكانت في نيسان/ابريل الماضي حيث تمّ اختيار الممثلين الذين سيجولون في «الكرافانة». هم ستة من اللاجئين مع مهندس صوت. وكانت تمارين مكثفة مع سابين شقير وإيلين كوننت. ثماني من القصص التي تمّ تسجيلها خلال ورشات العمل الأولى وقع الاختيار عليها لتكون من صلب العرض المسرحي. العروض المسرحية خارج منطقة البقاع يحل فيها فريق من الممثلين السوريين المحترفين، نظراً لصعوبة مشاركة من قدموا العروض في البقاع وخروجهم من نطاقهم الجغرافي. أيمن حموي واحد من أربعة ممثلين محترفين، لبى دعوة المشاركة منذ أطلقتها مديرة «الكرافانة» عبر فيسبوك. يعبر أيمن عن شغفه بالتجربة الجديدة حيث الممثل ينزل إلى الشارع والجمهور. وأضاف: يهمني أكثر المشاركة بإيصال رسالة «الكرافانة» عن حياة اللاجئين في المخيمات. ونحن كممثلين محترفين نشكل ما يوازي الخطة الثانية في المشروع لكون الممثلين الذين تمّ اختيارهم من المخيمات لهم فقط حرية التحرك في منطقة البقاع، وهذا في حد ذاته رسالة مهمة للعالم أجمع. جذبتني «الكرافانة» لأنها تقدم الوجع والألم بأسلوب فكاهي. فالحكايات التي نقدمها تدمي القلب.
ينوه أيمن حموي بالحركة الإيجابية التي أحدثتها سابين شقير في حياة اللاجئين ويقول: كثر رغبوا المشاركة في التمثيل، لكن الالتزام ضروري بعدد محدد. ونحن نتواصل مع عدد كبير منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
«الكلون» سابين شقير هي المديرة الفنية لمشروع «كرافانة» تقول لـ «القدس العربي»: أوجدت الفكرة وكتبتها، وتقدمت بها للمعنيين بهدف الحصول على تمويل لتنفيذها. وبما أن أساس الفكرة هي القصص والحكايات الشخصية أمضيت ثلاثة أشهر في البقاع مع اللاجئين حتى أنجزنا التسجيل مع المونتاج بعد أن انشأنا استوديو داخل خيمة. من المهم جداً أن تصل تلك الحكايات الشخصية بحيث ننظر إلى اللاجئين كناس، وليس كأرقام. شعر اللاجئون بالراحة في تواصلهم معنا، وأنا شخصياً صرت جزءاً من مجتمعهم، وتالياً سمحوا لنا بحكاياتهم الخاصة. فكم ستقترب امرأة من فريق عمل حتى تتحدث عن حياتها الحميمة؟ وهذا ما حصل فعلاً. خلال زياراتنا اليومية للمخيمات كان فريق منا يقوم بمهمة العلاج الاجتماعي.
تعاملت سابين في مخيمات البقاع مع شرائح عمرية متنوعة من ذكور وإناث. تقول: كان صعباً في البداية تصور أن فئة الرجال ستبوح بحكاياتها. لكنه حصل وبعد اسبوعين من التواصل بوح مفاجئ.
وأخيراً ما الهدف وإلى أين ستصل قصص النازحين؟ تقول سابين: لا بد من وصولها لأبعد مدى. أعرف قصتك فهذا يعني أني اشعر بك أكثر. أي متلق قد يجد تماهياً ما مع هذه القصة. نحن جميعنا في هذه الحياة نجتمع حول ستة خطوط أساسية، وتبقى لكل منا التفاصيل الخاصة به. آمل أن نتقارب أكثر مع اللاجئين بعد سماع قصصهم. لكني أجهل مدى التغيير المتاح بعد سماع تلك القصص.
لا تنفي سابين صعوبة المواجهة الأولى مع اللاجئين وجملتهم المكررة «بدك تسجلي وتفلي متل غيرك؟» عندما دبت الحركة في المخيمات اختلف الوضع. كلام كثير قيل. تشاركنا الرقص والطعام والنزهات. رحبوا بنا كثيراً، ويطالبون بعودتنا لأن حياة المخيم رتيبة للغاية.
سابين الفنانة التي نسألها عن أمر فاجأها خلال مهمتها تلك تقول: منذ بدء الأزمة السورية بدأ عملي مع اللاجئين بأشكال فنية مختلفة، المفاجأة بالنسبة لي تتمثل بعمق احساس المجموعة التي تمّ اختيارها للتمثيل في «الكرافانة» من المخيمات. حماسهم غير طبيعي. ولا شك أن بعضهم سيكون له شأن في عالم الفن، وسنبحث في مساعدتهم مستقبلاً.

سابين شقير: قصص الناس إلى الشارع فنشعر بهم ونخرجهم من أسر الرقم

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية