ساحات النزاع العربية مسرح المواجهة المقبلة بين ترامب وإيران

حجم الخط
0

إلى أي مدى يمكن أن يصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استراتيجيته المتشدّدة المُعلنة حيال إيران، وأين ستكون ساحات المواجهة؟ ولعل السؤال الأهم يكمن في ماهية ارتدادات تلك المواجهة على المنطقة الملتهبة أصلاً والغارقة في حروب مفتوحة على مزيد من الاشتعال والتفتت؟
ما هو أكيد أن إدارة ترامب أرست تغييراً واضحاً في سياستها الاستراتيجية العامة حيال إيران على نقيض استراتيجية إدارة سلفه باراك أوباما. و «سيّد البيت الأبيض» في سياسته يتناغم بشدّة مع الكونغرس الذي يهيمن عليه حزبه الجمهوري الأكثر تشدداً حيال النظام الإيراني، والمنتقد لـ «الاتفاق النووي» من زاوية أنه لا يشكل ضمانة لحماية مصالح أمريكا وأمنها القومي، بقدر ما يقدّم «فرصة ذهبية» لالتقاط النظام أنفاسه وإطالة أمده ومنحه ديمومة للحياة، بعد سنوات من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية عليه.
لا شك أن «الاتفاق النووي» بين إيران والغرب لم يمرّ برداً وسلاماً على إسرائيل التي كانت من أشد معارضيه، وهذه ليست مسألة تفصيلية. غير أن ما يتوقف عنده المراقبون هو تركيز فريق ترامب للسياسة الخارجية على أن مهمة واشنطن هي مواجهة النفوذ الإيراني الذي تمدّد في المنطقة من خلال أذرعه العسكرية والاستخباراتية، ودَفْع طهران تالياً إلى الانكفاء داخل حدودها. إنه يؤول إلى قليل من الارتياح لدى حلفائها في الشرق الأوسط، بعدما فاقمت سياسة أوباما من الخلل في المنطقة الذي بدأت ارتدادته تظهر بقوة مع «غزو العراق» وقبلها «غزو أفغانستان» في زمن الرئيس الجمهوري جورج بوش عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، لكنه يرسم ملامح ترجمة تلك الرؤية.
فوفق متابعين للمسار الذي رسمه «ترامب المرشح» حيال إيران ويترجمه «ترامب الرئيس»، فإن السلاح الأول الفوري هو تشديد العقوبات الاقتصادية وإدراج كيانات إيرانية، من مؤسسات وأفراد، على لوائح العقوبات المالية لتضييق الخناق عليها. وهذا أمر طبيعي، لكنه لا يُشكّل السلاح الكافي بعدما ساهم ضرب أمريكا لجارين خصمين لها في تعزيز مشروعها التوسعي عبر التغلغل العقائدي الديني في كثير من المجتمعات العربية، وخلق أذرع عسكرية لها تحوّلت اليوم إلى ميليشيات تؤجّج الحروب المذهبية.
الاتجاه الأمريكي سيكون نحو ساحات النزاع المفتوحة في المنطقة، من العراق إلى سوريا واليمن، فهي، من جهة، الساحات التي تستخدمها إيران لتكريس نفوذها، إذ تشكل أذرعها العسكرية وقود الحرب المذهبية فيها. ومن جهة ثانية، هي الساحات التي استقطبت «التنظيمات الجهادية» و «الجهاديين» عموماً من كل حدب وصوب، أو دُفعت إليها بغية تجميعها في رقع جغرافية محددة المعالم، بما يوفر إمكانية التعامل معهم عسكرياً وأمنياً بشكل أسهل.
وتتجه الأنظار إلى العراق أولاً، حيث أن إدارة ترامب تعتبر أن أوباما، الذي تعهد لناخبيه بعودة الجنود الأمريكيين إلى ديارهم، قد انسحب من بلاد الرافدين من دون أن يحصد نتائج الغزو سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وتعتبر تالياً أن إيران التي تقاسمت معها النفوذ فيه لأجَلٍ من الزمن قد أخلت في التوافقات المعقودة، وانقلبت عليها لصالح فرض هيمنة كلية على العراق. وإذا كان التدخل الإمريكي راهناً يجري تحت عنوان «الحرب على الإرهاب»، فإن القضاء على الإرهاب لا يستقيم باستهداف التنظيمات السنّية المتطرفة والتغاضي عن تمدّد مثيلتها الشيعية المتطرفة. فكل منهما يُغذي الآخر، ولا يمكن تالياً خوض هذه الحرب بمعزل عن الدول العربية ذات البعد السنّي، التي ترى أن إيران وأذرعها العسكرية هي الخطر الحقيقي عليها.
وفي هذا الإطار، فإن ما كان ينطبق على معركة «تحرير الموصل» قبل وصول ترامب، لن يكون هو ذاته بعد وصوله. وعلى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي أتى بتوافق أمريكي – إيراني، أن يُعيد الكثير من حساباته، وأن يُعيد تصحيح المسار الذي انحرف عنه، ولا سيما في ما خص بنود العملية السياسية التي تعهّد بها. ولعل أولى الخطوات المطلوبة منه هي إعادة النظر في تشريع «قانون الحشد الشعبي» الذي سارعت إيران إلى الضغط على البرلمان العراقي لإقراره في الوقت الأمريكي الضائع، وهو الحشد الذي تنخرط في إطاره جماعات ذات ولاءات خالصة لإيران تنفذ أجندتها الخاصة على الأرض العراقية.
وإذا كان من المبكر رسم ما ستنتهي إليه تعقيدات المشهد العراقي، فإن الأمر ذاته ينطبق على المشهد اليمني، وإنْ كان ثمة اقتناع بأن الساحة اليمنية مرشحة أكثر من غيرها لأن تكون أولى الساحات التي قد تشهد انفراجات ملموسة وتراجعاً لإيران فيها، ذلك أن اليمن لا يُشكّل، حسب قراءة متابعين خليجيين، بعداً استراتيجياً لإيران بقدر ما ذهبت إلى استخدام الحوثيين فيه بما يشكله من خاصرة رخوة للمملكة العربية السعودية، كورقة من أوراق الضغط عليها في لعبة تكريس النفوذ في المنطقة. وهي على يقين تام بأن تهديد الممرات المائية الدولية، سواء أكانت في مضيق هرمز أم في باب المندب، ليس مغامرة خطرة بل انتحار لا يمكن التكهن بنتائجه.
ورهان المتابعين الخليجيين على احتمالات انفراجات أولى في اليمن تنطلق من أن «التحالف العربي» يخوض معركة حماية الأمن القومي لدول الخليج العربي. وإذا كانت واشنطن تريد فعلاً أن تتكىء في المنطقة على دول الخليج تلك، فلا بدّ لها من الدفع قدماً بشتى الوسائل من أجل إيصال الملف اليمني إلى نهايات الحل السلمي المرسوم له، بما يريح «التحالف العربي» الذي يُنظر إليه على أنه الشريك الرئيسي في معركة مكافحة الإرهاب.
على أن سوريا تبقى الحلقة الأضعف في ساحات الصراع المفتوحة، ومكمن ضعفها يعود إلى القدرة الأكبر لدى إيران على إعادة خلط الأوراق من الميدان السوري، حيث لها وللميليشيات المرتبطة بها، حضور فاعل على الأرض. فرغم اليد الطولى لروسيا في المشهد السوري ومحاولتها الإمساك بقوّة بالورقة السورية وتقديم نفسها على أنها اللاعب الأول، فإن طهران تمسك بكثير من أوراق القوة في سوريا عبر ميليشياتها، ولا سيما ميليشيا «حزب الله». وهي، حسب محللين لبنانيين، لن تتوانى عن استخدام الجبهة الجنوبية لسوريا في لعبة تحصين موقعها، وتالياً فتح حرب مع إسرائيل من الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، وتوظيفها في سياق تخفيف الضغوط عنها وضمان مصالحها وموقعها في أي تسوية مقبلة.
وإذا كان ثمة سياسيون لبنانيون يتخوّفون مِن أن يتحوّل لبنان إلى صندوق بريد بين إيران وأمريكا نتيجة هيمنة «حزب الله» على القرار اللبناني، فإن هناك من يعتقد في «البيئة الشيعية» أن «الحزب» يعي تماماً أن أي حرب على إسرائيل من الأراضي اللبنانية ستؤدي إلى مضاعفات كبرى على بيئته التي دفعت سابقاً أثمان الحروب مع إسرائيل، ولن يكون بمقدورها تحمّل المزيد، في ظل القناعة السائدة بأن الجنوب الذي دُمّرت قُراه في حرب تموز 2006 تحوّل إلى ما يشبه «الجنة على الأرض» بفعل الوتيرة السريعة لحركة إعادة الإعمار التي كان الفضل الأكبر فيها لدول الخليج العربي. وأي حرب اليوم ستعيد تدميره كلياً ولن تتوفر ظروف إعادة إعماره من جديد نتيجة تبدّل المزاج العربي والإقليمي، فضلاً عن أن الانقسام الداخلي في لبنان، وحجم النازحين السوريين على أرضه سيُرخي بثقله وتبعاته على حرب كتلك.
والأعين تتّجه نحو الساحات العربية المشتعلة، انطلاقاً من المعطيات الأمريكية التي تتحدث عن أن الإدارة الجديدة تعمل على تقييم حال تلك الساحات ونطاق القوّة والضعف للقوى المتواجدة فيها، ووضع خطط التدخل، التي لن تكون بالتأكيد عبر نشر جنود أمريكيين، بل دعم جوي واستشاري ولوجستي، وترتيب القوى التي ستشارك في عمليات تحرير المناطق من «تنظيم الدولة الإسلامية» والتنظيمات المصنفة إرهابية وراديكالية، والتي لا تستثني تنظيمات شيعية، ومن ثم تسلمها لتلك المناطق. عملية التقييم والتحضير تحتاج إلى نحو أشهر ثلاثة لإنجازها، ما يعني أن السخونة المنتظرة لن تكون في الربيع إلا إذا حصلت مفاجآت ليست في الحسبان استدعت من ترامب وحلفائه التحرك عسكرياً.
صيف حار ينتظر المنطقة حيث ساحات الصراع مفتوحة، بناء على ما يَرشح مِن نقاشات داخل أروقة الجمهوريين بأنه ليس لدى إدارة ترامب اتجاه لفتح مواجهة مباشرة عسكرية مع إيران، لأن من شأن ذلك أن يعطي نتائج عكسية، تدفع الشارع الإيراني المأزوم والراغب بالانفتاح والحياة إلى إعادة الالتفاف حول المرشد الأعلى للجمهورية والحرس الثوري، فيما الرهان المتوسط المدى هو على هذا الشارع الذي أنتج في العام 2009 «الثورة الخضراء» والتي تمّ قمعها قبل أن يشتدّ عودها. وهي ستعود حكماً إلى المواجهة من الداخل، يوم تعود العقوبات لتفعل فعلها ويوم يشعر الإيرانيون بالثمن الباهظ الذي يدفعونه نتيجة تلك السياسة!

ساحات النزاع العربية مسرح المواجهة المقبلة بين ترامب وإيران

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية