باريس ـ «القدس العربي»: تحولت الحملة الانتخابية لليمين المحافظ إلى «كابوس مرعب» في الأيام القليلة الماضية، في صفوف قياداتها كما في صفوف القاعدة الشعبية، بسبب تعنت المرشح فرانسوا فيون بالتمسك بترشحه، رغم نزيف الاستقالات المتواصل. وتسود حالة من الإحباط والخوف من الوجهة التي يتخذها مسار الحملة الانتخابية المقبلة.
وتلقى فراسوا فيون ضربة قاصمة، يوم أمس السبت، بعدما قام مدير ومهندس حملته الانتخابية باتريك ستيفاني بتقديم استقالته، الأمر الذي كان نفاه فرانسوا فيون ليل الجمعة.
ضربة موجعة لفيون
وقال ستيفاني في رسالته، التي وصلت «القدس العربي»: «أقدم استقالتي لسببين اثنين. الأول هو أنه مباشرة بعد تلقيك استدعاء من طرف القضاء، نصحتك بالانسحاب من السباق، لكنك لم تفعل وقررت المضي قدما. وأنا أحترم قرارك» وأضاف «أما السبب الثاني فهو أن كل العمل والجهد الكبير الذي قمت به منذ ثلاثة أشهر، انهار ولم يبق منه شيء خلال 48 ساعة الماضية. فقد توالت الاستقالات وانهارت التحالفات. وبالتالي أصبح فوزك صعبا، وأرى أن خسارتك منذ الجولة الأولى أصبحت أمرا ممكنا جدا». وبعد هذا القرار أعلن فريق المرشح فرانسوا فيون أنه قبل الاستقالة، وعين مكان باتريك ستيفاني، قياديا آخر يدعى فانسون شريكي، مديرا لحملته الانتخابية، الذي سيبدأ يوم غد الاثنين مهامه الجديدة.
وتأتي هذه الاستقالة بعيد يوم فقط من إعلان المتحدث باسم فرانسوا فيون، تيري صولير تقديم استقالته بدوره. وهاتان الشخصيتان تعتبران من بين الحلقة الضيقة جدا لمرشح حزب اليمين فرانسوا فيون. كما أعلن حزب «الاتحاد الديمقراطي المستقل» (يمين وسط)، فك ارتباطه بشكل نهائي مع حزب اليمين، وسحب دعمه للمرشح فيون.
وقال الحزب، في بيان، ليلة الجمعة السبت «نطلب، رسميا، من حزب الجمهوريين استبدال المرشح فرانسوا فيون، وإلا فإننا لن نواصل هذا التحالف بشكل أعمى»، وأضاف رئيس الحزب، جان بيير لاغارد: «لقد أصبح فرانسوا فيون خطرا على تداول السلطة، وبالتالي خطرا على فرنسا».
ووصف جورج فينيك، وهو قيادي يميني أن ما يشهده حزبه بمثابة «انتحار جماعي على المباشر»، بسبب «رفض فيون إنهاء هذه المهزلة والانسحاب من السباق». وتسارعت وتيرة الاستقالات، حيث بلغت «المئات» بين قيادات الحزب، وعشرات المنتخبين المحليين، وذلك منذ أن أعلن القضاء الفرنسي يوم الأربعاء «استدعاء» المتهم والمرشح فرانسوا فيون للمثول أمامه للإدلاء بشهادته في قضية فضيحة «الوظائف الوهمية» لزوجته ونجليه، واستفادتهم من رواتب تجاوزت مليون يورو.
ألان جوبيه بديلا
وتحولت الاستقالات بين وزراء سابقين، ورؤساء محافظات إلى انشقاقات تطالب بعودة رئيس الوزراء الأسبق والمرشح الخاسر للانتخابات التمهيدية، ألان جوبيه، من جديد «لإنقاذ ما يمكن إنقاذه». وطالبت عريضة تضم مئات المنتخبين المحليين ومن قيادات حزب اليمين بالإسراع في تقديم ملف ترشيحه، قبل الموعد المحدد أي 17 آذار/مارس المقبل.
وأعرب رئيس الوزراء الأسبق ألان جوبيه، عن «استعداده» ليحل محل مرشح اليمين الفرنسي للرئاسة فرانسوا فيون في حال انسحابه، شرط حصوله على دعم بالإجماع والتفاف حزب «الجمهوريين» من حوله.
يشار إلى أن جوبيه عند تفجر «فضيحة الوظائف الوهمية» قبل نحو شهر ونصف، كان قد رفض بشكل مطلق أن يكون بديلا عن فرانسوا فيون.
وقال مصدر مقرب من ألان جوبيه، يوم الجمعة، لوسائل الإعلام الفرنسية «إنه مستعد لتولي المهمة، ولن يرفض إذا كانت الظروف متوافرة، أي أن يعلن فرنسوا فيون انسحابه، وأن تلتف أوساط اليمين والوسط وحزب الجمهوريين حوله».
وذكرت قناة «بي اف م» الإخبارية يوم أمس السبت أن عمدة مدينة بوردو قد «توارى عن الأنظار وألغى كل مقابلاته المحلية في مدينته حتى يوم الإثنين» وأفادت القناة أن مقربين منه، أكدوا أن رئيس الوزراء الأسبق بدأ يحضر مع فريق عمله فعليا لفرضية العودة من الجديد لتمثيل حزب اليمين، في الانتخابات الرئاسية المقبلة، «وهو الآن بانتظار ساعة الخلاص» وذلك بانسحاب فرانسوا فيون من السباق بشكل رسمي ونهائي.
ساركوزي يحذر فيون
كما كشفت صحيفة «لوموند» يوم أمس أن فرانسوا فيون اتصل مرتين بالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي طلبا للنصيحة. وقالت الصحيفة إن ساركوزي حذره من «التسبب في تشرذم اليمين الفرنسي» وطالبه قائلا» يتوجب عليك إيجاد حل للأزمة في أقرب وقت. لا يمكنك الاستمرار على هذا النحو». كما أبدى الرئيس السابق معارضته دعوة فيون لأنصاره تنظيم مظاهرة داعمة له، اليوم الأحد وسط العاصمة باريس. وكان فيون دعا أنصار اليمين إلى الخروج بكثافة في هذه التظاهرة لكي يظهر بأن «شعب اليمين والوسط لا يزال حيا وحرا ومستعدا للدفاع عن برنامجه حتى النصر» رغم توالي الاستقالات والانشقاقات.
وأوضحت الصحيفة أن ساركوزي استقبل كلا من جيرار لارشي، القيادي اليميني، ورئيس مجلس الشيوخ الفرنسي وبرنار أكواييه، الأمين العام لحزب «الجمهوريين»، اللذين أبلغا الرئيس السابق عن رغبة عدد كبير من قيادات الحزب، بإقناع فرانسوا فيون بالانسحاب، واعتبار «ألان جوبيه، المرشح الذي يتوجب على الجميع الالتفاف حوله، من أجل مواصلة حزب اليمين للحملة الانتخابية».
وكشفت الصحيفة أن ساركوزي أعرب لهما عن مخاوفه من عودة ألان جوبيه لأنه «سيعطي المجال لليمين المتطرف لاكتساح الانتخابات الرئاسية في حال انسحاب فيون الذي اختير على أساس برنامج ليبيرالي، ولأنه محافظ جدا» في إشارة إلى تفضيل عدد كبير من ناخبي اليمين المحافظ التصويت لمارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف، ورفضهم التصويت لألان جوبيه في حال عودته لتمثيل عائلة اليمين والوسط في الانتخابات الرئاسية.
فبعد أن التف حزب اليمين حول مرشح حزب «الجمهوريين» فرانسوا فيون، بعد فوزه الكبير في الانتخابات التمهيدية، على منافسه ألان جوبيه، وكان فوزه في الانتخابات الرئاسية شبه مؤكد حسب استطلاعات الرأي، لكن فضيحة الوظائف الوهمية، قلبت كل الرهانات وتراجع فيون إلى المرتبة الثالثة بعد كل من المرشح المستقل إمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان.
«ماكرون» الرابح الأكبر
وجاء استطلاع الرأي الأخير في الثالث من شهر آذار/مارس الحالي، الذي أنجزته مؤسسة «ايلاب» ليقطع الشك باليقين، حول تلاشي كل الحظوظ بعودة اليمين المحافظ للحكم من جديد في أيار/مايو المقبل، بمعية مرشحه فيون، الذي بات مرفوضا من طرف الناخبين. وأظهر الاستطلاع أنه وللمرة الأولى، لن يكون هناك حضور، لا للمرشح اليميني ولا الاشتراكي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وحل فراسوا فيون ثالثا بنسبة 19 في المئة في الجولة الأولى، خلف ماكرون الذي حصل على نسبة 24 في المئة، في حين تواصل لوبان تصدرها الترتيب بنسبة 27 في المئة. وأظهر الاستطلاع الدينامية التي تتمتع بها الشخصية القيادية لوزير الاقتصاد السابق إمانويل ماكرون، الذي بات يقارع مارين لوبان بنسبة النقاط، بعد أن أعلن قبل أيام زعيم حزب الوسط اليميني، فرانسوا بايرو تحالفه معه، بدل دعم مرشح اليمين المحافظ. كما أظهر الاستطلاع القوة المتصاعدة لمرشحة اليمين المتطرف، التي باتت متأكدة من مرورها للجولة الثانية، رغم استدعائها بدورها من طرف القضاء للإدلاء بشهادتها حول احتمال تورطها في قضايا وظائف وهمية لمساعديها، في البرلمان الأوروبي.
ويبقى المستفيد الأكبر إذا استمرت الأمور على ما هي عليه هو إمانويل ماكرون، الذي إن تمكن من عبور الجولة الأولى، فسيحصد أصوات الناخبين الاشتراكيين واليمينيين في الجولة الثانية، وسيفوز في مواجهة مارين لوبان بأغلبية ساحقة. لكن في حال عودة ألان جوبيه فإن موازين القوى ستنقلب رأسا على عقب. وأكد استطلاع للرأي أجري يوم أول أمس، أنه في حال ترشح رئيس الوزراء الأسبق مكان فرانسوا فيون فإنه سيقلب موازين القوى وستتغير بشكل جذري لصالحه. بحيث أشار الاستطلاع أن جوبيه سيتصدر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، بنسبة 26.5 في المئة، وسيحل إمانويل ماكرون في المرتبة الثانية بنسبة 25 في المئة، وستتراجع ولأول مرة منذ نحو شهرين، زعيمة اليمين المتطرف للمرتبة الثالثة، بنسبة 24 في المئة.
هكذا هي الأوضاع حاليا في صفوف اليمين المحافظ، استقالات وانشقاقات بالجملة، وإقصاء مبكر وشبه مؤكد للمرشح فرانسوا فيون منذ الجولة الأولى في حال قرر عدم الانسحاب، وقلب لموازين القوى في حال عودة رئيس الوزراء الأسبق ألان جوبيه. ويرى مراقبون أن مسألة انسحاب فرانسوا فيون أصبحت مسألة وقت فقط، لأن أغلب القيادات، خصوصا تلك التي صنعت فوزه الكبير في الانتخابات التمهيدية، قررت الاستقالة، وسحب دعمها منه، وبلغ عددها نحو 194 شخصية يمينية، لأنها تعرف جيدا بأنه لم يعد له أي حظوظ للمرور للدور الثاني في الانتخابات الرئاسية المقررة في أقل من شهرين.
هشام حصحاص