ابتليً العراقيون بأشخاص امتهنوا السياسة وهم لا يعرفون عنها الا اسمها اصطلح على تسميتهم بسياسيي الصدفة وبعضهم بل الكثير منهم وجدوا فيها فرصة لتحقيق مكاسب مادية سريعة أو صعود سريع يهيئ لهم مكانة اجتماعية مرموقة في المجتمع ونسوا أو تناسوا أو ربما لا يعرفون ان السياسة في اصلها تكليف وليس تشريفا، وهي للسهر على راحة المواطن والتعامل مع الأحداث والمشاكل السياسية بطريقة سلمية وتشريعا للقوانين وتأمينا للخدمات التي توفر الحياة الكريمة للمواطن .
كما ان بعضهم حصل على مقعده في البرلمان ولم تسمعه طالب مرة ولو اعلاميا بحقوق المواطنين وعبر ولو كلاميا عن تطلعاتهم تابعا لكتلته وحزبه خانعا لأوامرهم، إذا قيل له صوت رفع يده وقبل وإذا قيل له عارض خنع وامتثل، يجلس في آخر القاعة يطالع هاتفه الذكي فتارة يلعب الألعاب وتارة يتصفح النت، وعندما ترفع الجلسة يذهب إلى بيته، وهذا حاله لدورة انتخابية تنقضي وينقضي معها عمره السياسي، بعد ان حقق ما يصبو اليه من مكاسب مادية وحياة مترفة وراتب تقاعدي مغر، أي أن الذي حققه في أربع سنوات لا يستطيع تحقيقه في ثلاثة عقود على الاقل فيما لو بقي في وظيفته السابقة قبل دخوله قبة البرلمان .
وبعضهم يعارض من أجل المعارضة وكأنه خلق ليعترض أو انه وجد في الاعتراض وسيلة للظهور الاعلامي متبعا في ذلك القول المعروف ( خالف تعرف ) حتى وان كان المشروع فيه مصلحة للمواطن ويعود بالنفع والخير للوطن تجده يقف بالضد منه اما لكونه لم يحقق مكسبا ماديا أو سياسيا من ورائه أو ان الذي قدم المشروع ليس من كتلته وحزبه .
كما يوجد انموذج من السياسيين كالطير، كل حين تراه على غصن، فتارة تجده مع القائمة الفلانية ومع الكتلة الفلانية تارة اخرى واحياناً تجده مستقلاً ّ؛ صحيح أن هذا الأمر موجود في الأعراف السياسية ولكن هذا التلون يتبعه قدح وذم وتسقيط سياسي من قبل النائب للكتلة التي كان فيها ومدح وتمجيد وتبجيل للكتلة الجديدة والغرض من ذلك المصلحة الشخصية والمزايدة السياسية على حساب الوطن والمواطن.
ان بعض السياسيين الكبار عندما تسلم منصبا في الدولة لم تسمع له تصريحا يطالب فيه بحقوق الشعب ولم يقدم شيئا للمواطن الفقير طيلة فترة بقائه في منصبه وعندما اقيل أو خسر منصبه لأي سبب كان، تجده أقام الدنيا ولم يقعدها بتصريحاته وخطبه الرنانة وظهوره على وسائل الاعلام ينتقد السلطة التنفيذية واجراءاتها التعسفية وسوء ادارتها للدولة ويصف العملية السياسية التي هو جزء منها ولكتلته وزراء فيها بالكثير من الأوصاف ( كالبائسة والعرجاء )، فاين كنت من قبل وكيف ترضى ان تكون جزءاً عملية سياسية لا تلبي الرغبات الجماهيرية؟ هل المنصب ومكاسبه ومنافعه الاجتماعية مغرية إلى هذا الحد ؟!
يضاف إلى ما تقدم مجموعة من السياسيين نصبوا انفسهم مدافعين وبكل ضراوة عن دول ومشاريع واجندات خارجية اقليمية وكأن انتماءه لتلك الدول وليس للعراق مدفوع بدافع المذهب أو المصلحة أو رداً لجميل تلك الدولة لكونها سببا في وصوله وارتقائه لمنصبه .
ان مشكلة السياسيين الفاسدين يتحمل وزرها أو جزءا كبيرا منها الشعب العراقي لأنه هو من اختارهم وجاء بهم وأوصلهم إلى مناصبهم عن طريق الانتخابات وحتى السياسي الذي أفل نجمه وكشفت أوراقه للشعب يستطيع ان يعيد تسويق نفسه سياسيا والعودة إلى الواجهة من جديد من خلال تصريح واحد يدغدغ فيه مشاعر بعض الأطراف عندها سوف ينسى الشعب أو يتناسى جميع الهذيان الذي هذاه ذلك السياسي.
ومن باب الانصاف يجب ان لا ننسى عددا من السياسيين الذين لديهم حب وانتماء للأرض والوطن يعملون جاهدين من اجل رقيه وارتقائه ولكنهم قلة قليلة لا تستطيع الصمود بوجه تيار جارف من الفاسدين والمفسدين الذين يقتاتون ويعتاشون على المشاكل والفتن لكي يحققوا مآربهم الخبيثة وينتفعوا من السحت الحرام .
مما تقدم يتضح للقارئ ان اغلب السياسيين قد قدموا مصالحهم الشخصية على حساب الوطن و المصلحة العامة بدلاً من العمل على تطوير البلد والعمل على رفع شأنه عربياً وعالمياً وعلى العكس من ذلك تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والخدمي في عموم البلاد .
وكرد فعل على استشراء الفساد في اغلب مفاصل الدولة ومؤسساتها فقد خرجت بعض فئات الشعب العراقي سيما المثقفين منهم في بغداد وبعض المحافظات في مظاهرات سلمية مطالبين رئيس الوزراء بإجراء اصلاحات فورية والقضاء على الفساد ومحاربة المفسدين من السياسيين والمحسوبين عليهم وإعادة اموال الشعب المنهوبة والمهربة خارج البلاد وتقديم سراقها إلى القضاء .
فهل المظاهرات والاعتصامات هي الحل والسبيل للخلاص من الفساد ومن السياسيين الفاسدين ؟ ام أن لهذه الاعتصامات نتائج سيكون لها مردود سلبي على مجمل الأوضاع العامة في العراق ؟ وهل ستركب موجة التظاهرات بعض الفئات لتحقيق مآرب خاصة بها ؟ هذا ما ستكشفه لنا الايام فالأيام حبالى ويلدن عجائب !
عبدالوهاب جاسم الجرجري