في سنة 1996 أصدر الشاعر الفلسطيني سامر أبو هواش مجموعته الشعرية الأولى، تحت عنوان «الحياة تُطبع في نيويورك»، وتعاقبت مجموعاته بعدئذ: «»تحية الرجل المحترم»، «تذكّر فالنتينا»، «جورنال اللطائف المصورة»، «نُزل مضاء بيافطات بيض»، وسواها. وهكذا تمكن أبو هواش من تشكيل صوت شخصي خاصّ، اكتسب تدريجياً صفة مساهمة نوعية فارقة في مشهد قصيدة النثر العربية أواخر التسعينيات. من حيث موضوعات القصائد، أولاً، في أنها تنبش ـ حرفياً، كما يصحّ القول ـ العميق من بواطن الحياة اليومية، المادية والوقائعية والشعورية، لكنها تتقصد توزيع هذا العمق على خلاصات عَرَضية، ومجازات مقتصَدة رغم نزوعها إلى التصوير السوريالي، ولغة متقشفة، ومزاج ساخر لا تغيب عنه المرارة. كذلك كان النثر عنده يتحرر، على نقيض عدد غير قليل من تجارب مجايليه، من قيود الإلحاح على «تفجير» المعجم، أو «تكثيف» التعبير، أو توليد «الإيقاع الداخلي»؛ وما إلى هذا أو ذاك من استيهامات شاعت حول قصيدة النثر في تلك الحقبة.
هنا قصيدة «بعد بوب ديلان»، من المجموعة الجديدة، وهي نموذج على نصّ الكتلة والخطّ السردي: «شاهدتُ رجلاً يجرّ منزلاً قال إنه يريد أن يضعه على حافة البحر، وامرأة جميلة تعرج جارّة وراءها شعباً من الأطفال العرج. وكلمات تنبح، ومستويات مختلفة من الصمت، تجرّها الخيول. شاهدت أكياس نايلون سوداء تطير في الصحراء، وشقراء بشعر طويل، ترفع نهدها إلى الله، وتبكي. شاهدت المطر أيضاً. شاهدت قطارات تقتحم غرف نوم، ومرايا براقة تحطمها النظرات. ونظرات تتحطم وحدها. وكان صبيّ بالشورت يقفز؛ ليلمس فراشة يحسبها غيمة. وكان عجائز سود يتدربون على «الراب» بالكزّ المستمر على أسنانهم. وكان فلاسفة يحاولون عبثاً تفسير جوز الهند. شاهدت طيناً ينصب خيمة، ووحلاً يحفر سراديب سرية. شاهدت الستينيات تتقدم نحوي مادّة ذراعيها، وعلى كتفيها غرابان أسودان. شاهدت السعادة عارية تقفز بالحبل. شاهدت جدّتي تسبح في كاس. شاهدت أبي ينمو على جدار. شاهدت التسعينيات طائرة ورقية تذوب في الضباب».
منشورات المتوسط، ميلانو 2017