لقد درج على النظر إلى اليسار الإسرائيلي في عصرنا بنظرة شفقة. وثمة في هذا قدر كبير من الحق: فهو صغير، منقسم، فقاعي وينشغل بشكل مهووس في نبش جراحه وفي الشقاقات الداخلية. اما اليمين الإسرائيلي بالمقابل فيبث وحدة وولاء أعمى. ولكن نظرة مدققة إلى كوامن اليمين تبين انه أكثر انشقاقا بكثير مما يبدو للعيان. فالانقسامات في داخله تبدأ بالظهور في الخارج، ومسألة متى ستهزمه سياسيا هي مسألة وقت فقط.
مثل اليمين الأمريكي، يضم اليمين الإسرائيلي في داخله ثلاث مجموعات أساسية: الاولى هي مجموعة اليمين الايديولوجي ـ الليبرالي. هذا يمين يؤمن بالسوق الحرة، بالنزعة الامنية، باهمية المستوطنات الكبرى لتقاليد إسرائيل وأمنها. وفي نفس الوقت فان هذا يمين يعتبر سلطة القانون، حقوق الانسان، استقلالية المحكمة العليا وحرية التعبير عزيزة عليه جدا. معظم اليمينيين الذين ينتمون إلى هذه المجموعة يوجدون اليوم خارج السياسية، وبعضهم ينتظر الفرصة المناسبة للقفز اليها: جدعون ساعر، بوجي يعلون، دان مريدور وليمور لفنات. اما السياسيون العاملون اليوم ويتبنون هذه الاراء فهم موشيه كحلون، بيني بيغن وغيلا جمليئيل، ولكن صوت هؤلاء يسمع بهمس.
المجموعة الثانية من اليمين تتشكل من اصحاب الايديولوجيا القومية ـ الدينية، والتي تميل في اجزاء متزايدة منها نحو التطرف القومي الديني. هذه المجموعة تعطي أولوية قيمية وعملية ليهودية الدولة على قيمها الديمقراطية. مشاريع قوانين مثل قانون التسوية، تغيير طريقة اختيار القضاة للمحكمة العليا ومحاولة التضييق على خطى الجمعيات التي تراقب الديمقراطية الإسرائيلية هي أمثلة راهنة على الشكل الذي تحاول فيه هذه المجموعة اخضاع مباديء الديمقراطية لمبادىء اليهودية القومية.
يمثل هذه المجموعة بالاساس اعضاء حزب البيت اليهودي، ولكن يمكن أن نجد لها ريح اسناد ايضا في اوساط نواب من الليكود، مثل يولي ادلشتاين ويريف لفين. النائب بتسليئيل سموتريتش هو الرمز المتطرف في هذه المجموعة، ولكنه شريك بين الحين والاخر في المجموعة التالية ايضا.
المجموعة الثالثة هي مجموعة غير أيديولوجية، بل احبولوجية. فهي تحوم فوق المجموعتين الاخريتين وتستمد منهما المواد لخلق عواصف سياسية، ليس وراءها مذهب فكري مبدئي. والاحابيل التي تحدثها تستهدف جمهور الناخبين (مركز الليكود، مصوتي الليكود، مصوتي تكوما) او ضمان بقاء رئيس الوزراء. وعلى الطريق تمس هذه المجموعة دون أن يرف لها جفن بقيم التعددية، بمباديء الصحافة الحرة وبقيم المساواة وذلك من خلال استخدام الحقيقة ككذب والكذب كحقيقة.
التوترات بين هذه المجموعات الثلاثة تحتدم. المجموعة الاكثر خطرا على استمرار حكم اليمين هي مجموعة الاحبولوجيا. يعقوب احيمئير وليمور لفنات غردا على التويتر بأنهما يخجلان من أن يكون النائب دافيد بيتان فحص بوستات صحافيي الهيئة. نفتالي بينيت انتقد في مقابلة مع صوت الجيش هو ايضا خطوة اغلاق الهيئة. وفي الاحاديث المغلقة ينتقد سياسيون يمينيون سلوك النواب الذين ينتمون إلى المجموعة الثالثة.
أفاد استطلاع اجرته القناة 2 بأن اكثر من 60 في المئة من الجمهور يعتقدون بأن مبادرة الغاء الهيئة تنبع من اعتبارات سياسية. اغلبية مشابهة تعتقد هكذا بالنسبة لازمة اشغال القطار. ورئيس الوزراء يندفع على ظهر اعضاء المجموعة الثالثة وفي نفس الوقت يتراوح بين المجموعتين الاخريين. ولكن قوله للنائب بيتان «انت تساعدني اكثر مما ينبغي» تبدأ بالتسلل إلى دوائر لا تكف عن التوسع.
معاريف 7/11/2016