من دراساتي في مرحلة التعليم الثانوي، تظل دروس تاريخ المرحلة النهائية، مرحلة الإعداد لامتحان البكالوريا، من أكثر الذكريات تعلقا بذاكرتي. والأمر كذلك لأن أستاذنا آنذاك عرف كيف يمرر لنا فكرة أن فرنسا ليست أي بلد، وأن الشعب الفرنسي ليس أي شعب. لم تأت الفكرة بهذه الصياغة التي قد يستشف فيها شيء من الغطرسة والاستعلاء، وأنا أسارع إلى التشديد بأن أمرا مماثلا ليس قصدي، بل هو بعيد كل البعد عن أن يكون كذلك.
بهذه العبارة المختصرة ولعل المختزلة بصورة مبالغ فيها نسبيا، أسعى إلى تثبيت نبرة معاكسة تماما، فأوجه تفكيري نحو قدرة فرنسا الطبيعية، إن لم أقل الفطرية، على الالتفات إلى معاناة الآخرين، بقية الدول بلغة دبلوماسية، للعمل بمنطق مصائب قوم عند قوم ليست فوائد.
يلخص هذا المبدأ عين ما حمله وزير الخارجية الفرنسي في جعبته عندما توجه إلى الدوحة في تدخل لافت على خط مساعي التسوية لأزمة الخليج الحالية، معيدا إلى الواجهة دعائم الفكر الدبلوماسي الفرنسي، المؤمن بفعالية الحلول التوفيقية في فض النزاعات، في سياق قائم على النهج الواقعي وتصور مبني على الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المنخرطة، بالتزامن مع ثقة راسخة في قابلية مثل هذا النهج للمضي بالأمور قدما.
عرف أستاذي في مرحلة التعليم الثانوي أن يلقننا كيف أرست فرنسا هذه الثوابت على أرضية لا تقبل دبلوماسيتها أن يصبح الثابت فيها متحولا. لكن الصحيح أيضا أن فرنسا شهدت في تاريخها ولا تزال تأرجحا بين الثابت والمتحول على مستوى التطبيق الميداني لنظرياتها الدبلوماسية السامية. فباستثناء حضور فرنسي لافت في منطقة الساحل لقي شبه إجماع في التأييد، ليس ممكنا الإقرار بأن ولاية فرانسوا أولاند الدبلوماسية سجلت نقاطا ترقى إلى مستوى العلامة الفارقة، وربما قال البعض بامتعاض نتفهمه، إلى مستوى فرنسا.
أين نحن من تحركات جاك شيراك الذي ما فتئ يشمر عن ساعده للتوصل إلى حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني؟ أين نحن من «ضربة المعلم» التي يتذكرها الجميع وشيراك يسير في أزقة مدينة القدس القديمة الضيقة، متوعدا أفراد قوات الأمن الإسرائيلية بالعودة إلى بلده ما لم تتركه يصافح أهل المدينة على الرحب والسعة؟ أين نحن من ردود الفعل الفرنسية الفورية التي تعود العالم عليها، على مر سنين من العمل بمبدأ المبادرة الفردية الذي أوجزه شارل ديغول في عبارة «عظمة واستقلال وطني”، بدءا بمغادرة فرنسا القيادة العليا لمنظمة حلف الشمال الأطلسي قبل العودة إليها لاحقا؟
قد يقول قائل إن المعطيات الجيوسياسية الدولية تغيرت بما لا يترك مجالا للظهور في شكل نسخة طبق أصل لما فاتنا. أجل، الكلام فيه ما فيه من الوجاهة، لكن اتخاذه مبررا لإضعاف نفوذ فرنسا في العالم وتسويق تضعضع شأنها الدبلوماسي، توجه يقوم على مغالطة تتغاضى عن واقع فرض نفسه. والواقع أن المشهد الدبلوماسي أصبح مختلفا عما سبق في عالم يفرض تعدد أقطابه تعاضدا بين البلدان لم يسبق له مثيل. هل يعني الأمر من الآن فصاعدا ألا تصور يمكن لفرنسا ان ترسمه، ولا أسلوب في مقدورها أن تفرضه، من دون أن يذوب فوريا في مجموعة أوروبية يصعب عليها التحدث بصوت واحد؟ ليس هكذا يرتسم المشهد.
وهذا ما أدركه الرئيس إيمانوئيل ماكرون جيدا. فالمبادرة الفرنسية الأخيرة في الخليج تنم عن تصور انطلاقة جديدة لمساعي الدبلوماسية الفرنسية بوجه عام، تقوم على أخذ زمام المبادرة وليس بالضرورة تصور المضي بها قدما بشكل انفرادي من ألفها إلى يائها. لقد ادخل الثابت متحولا في الحسبان يضع في الاعتبار أن وزن فرنسا الاقتصادي، وبالتالي السياسي مرتبط بجيرانها الدول الأوروبية ومرتهن اساسا بالثنائي الفرنسي الألماني. لكن تأويلا لهذا الارتباط ينقل ضرورة انسجام الثنائي الفرنسي الألماني للنهوض بتنافسية المجموعة الأوروبية، إلى ارتهان المبادرات بتشاورات مسبقة وتداولات يحكمها الركوع والرضوخ لصوت الأقوى، منحى أصبح الآن في فرنسا في خبر كان.
فقد رأينا كيف عبّر الرئيس ماكرون عن اختلافه مع الرئيس دونالد ترامب بخصوص اتفاق المناخ، ورأينا أيضا، في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع نظيره الأمريكي المدعو لحضور مراسيم الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، كيف عبر إيمانويل ماكرون عن هذا الاختلاف بشيء من البراعة جعلته يؤمن، من باب المنطق، على ضرورة تمسك ترامب بموقفه بوصفه متطابقا مع منتظرات شعبه، ولكنها جعلته أيضا، في المقابل، يوازن الفكرة ذاتها معتمدا على عنصر المصلحة المشتركة التي تقضي بالغوص عميقا في ما تبقى من نقاط قابلة للتفاوض، مثل الاعتماد على قدر أدنى من الطاقات الأحفورية ضمن حزمة الطاقات البديلة.
مبدأ إسماع صوت فرنسا ذاته قاد الوزير جان إيف لودريان في رحلته الخليجية الأخيرة. تخللت الرحلة عبارات تنتمي إلى القاموس الدبلوماسي الفرنسي، الذي كنا فقدناه وافتقدناه ويبدو اننا عدنا إلى اتخاذه مرجعا. فعبارات من قبيل «نأسف للتدهور العنيف للعلاقات هذا» (بين قطر والدول الأربعة المقاطعة له)، ”لا يخدم الموقف مصلحة أحد»، «لا بد ان تجد الأمور طريقها إلى التهدئة”، تمثل التوجهات الفرنسية التقليدية القائمة على البحث أولا عن الممكن من السبل لإصلاح ذات البين، وهو ثانيا أسلوب ينطلق من الاستماع إلى كل الأطراف المنخرطة دون استثناء، ثم هواسلوب يبحث أساسا عن أطراف مؤيدة للوساطات. (ترحيب الوساطة الكويتية هنا)
وأخيرا وليس آخرا هو أسلوب مبني على التنقيب في حلول إدماجية لا تترك أي طرف على قارعة الطريق لصناعة غد لا تدري نفس فيه ما تكسب. لقد باتت فرنسا الآن تواجه تحديها العريض وهو الآتي:
إلى أي مدى سيكون الرئيس الفرنسي الجديد قادرا على الاستجابة لالتماس يحمل عنوان: سجل: أنا فرنسي.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيير لوي ريمون