سجون الخمسة نجوم في مصر

حجم الخط
2

قطاع السجون التابع للحكومة في مصر الذي يتولى إدارة كافة السجون والمعتقلات في البلاد، أعلن عن خطة تطوير وتحسين للخدمات من شأنها الحفاظ على آدمية المساجين، ومن بين البنود اللافتة لهذه الخطة أن «عربيات الترحيلات» ستكون عبارة عن حافلات مكيفة ومجهزة بأحدث التجهيزات، من أجل توفير الراحة التامة للمعتقلين، وهم في طريقهم من المحاكم إلى السجون، أو من مراكز التوقيف والاحتجاز إلى السجون المركزية.
توفير الحافلات المكيفة للمساجين المكبلين بالقيود، بدلاً من السيارات غير الآدمية أمر مهم، وإضافة جيدة، ولا يستطيع أحد أن ينتقد أو يرفض أي تحرك إيجابي، لكن رحلة السجين من المحكمة إلى السجن لا تزيد عن ساعات معدودة في أسوأ الأحوال، بينما رحلته داخل الزنزانة تمتد لسنوات، وأحيانا تستمر حتى الممات، وهو ما يدفع إلى السؤال عما إذا كان سيتم توفير مكيفات هواء للمساجين في زنازينهم، على غرار المكيفات في سيارات الترحيلات.. أو بمعنى آخر وأدق: هل ستتم مراعاة حقوق السجناء في الزنازين أيضاً، أم أن حقوقهم ستُراعى فقط في سيارات النقل لثلاث أو أربع ساعات فقط؟
بحسب بيانات منظمة العفو الدولية، فإنه يوجد في مصر حالياً 41 ألف معتقل سياسي، من بينهم عدد كبير من الذين لم يتمتعوا بأي محاكمة ولم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم، بل بعضهم لم يتمكن من معرفة التهم الموجهة له ولا أسباب اعتقاله، وهو ما دفع المنظمة الحقوقية إلى القول إن «جيلاً كاملاً من شباب مصر أصبحوا في السجون». وخلال السنوات الثلاث الأخيرة شيدت الحكومة في مصر 17 سجناً جديداً لاستيعاب هؤلاء الآلاف من المعتقلين، ما يعني أن عدد السجون الجديدة فاق عدد الجامعات الموجودة في مصر، وكذا يتفوق على عدد الحدائق التي تم تشييدها خلال الفترة ذاتها، فضلاً عن أن الآلاف ما زالوا مسجونين خارج نطاق القضاء.
لا يحتاج السجناءُ المصريون الى حافلات مكيفة بدلا من سيارات الترحيلات، ولا يحتاجون للحفاظ على حقوقهم لمدة أربع ساعات من بين سنوات السجن الطويلة، والسجين لا يعنيه الكثير، إن كان قد تم ترحيله في حافلة مكيفة أو في سيارة ترحيلات أو حتى حمار أو حنطور أو مشياً على الأقدام، وإنما يريد حقوقه الكاملة والأساسية وأولها بكل تأكيد حق التمتع بمحاكمات عادلة، وحق الدفاع عن نفسه، وحقه في أن يزوره أهله وذووه ومحبوه، وحقه في أن يجري اتصالات هاتفية مع العالم الخارجي، ويستخدم شبكة الإنترنت، وحقه أيضاً في العلاج والرعاية وغير ذلك.
والأهم من حقوق السجناء والمعتقلين في زنازينهم، هو حقوق الانسان الأساسية قبل أن يصبح سجيناً، وفي مقدمة هذه الحقوق أن يتمكن من الكلام والتعبير عن رأيه بدون ملاحقة أو تضييق حتى لا يُصبح سجيناً أصلاً بسبب الكلام أو التعبير عن الرأي، وحتى لا نضطر لعناء المطالبة بحقوقه كسجين أو تأمين حافلات مكيفة له بدلاً من سيارات الترحيل سيئة السمعة.
خلاصة القول، هو أن الحافلات المكيفة ليست سوى بقعة النور الوحيدة في نفق طويل مظلم، وهذه البقعة لا يعودُ لها أي معنى ما دام الآلاف في السجون بدون محاكمات، أي أنهم لا يحتاجون للحافلات المكيفة أصلاً لأنه لا يتم نقلهم من وإلى المحكمة، كما أنَّ الحقوق الأخرى المطلوب توفيرها للسجناء وغيرهم من البشر أكبر بكثير من حق التنقل في حافلة مكيفة، وأول هذه الحقوق هو توفير المحاكمة العادلة وإطلاق سراح الموقوفين بدون محاكمات فوراً، وإنقاذ من يمكن إنقاذه ممن هم بحاجة للرعاية الطبية والعلاج الفوري.. هذه هي الحقوق المطلوب توفيرها أولأً.
كاتب فلسطيني

سجون الخمسة نجوم في مصر

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية