سجينات يعبرن عن آمال وأحلام رغم القضبان : «حقائب سارة» تغزو العالم بدءاً من سجن بعبدا للنساء

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: رب صدفة خير من ألف ميعاد. فكيف إذا كانت صدفة نافعة وتبدل مجرى الحياة؟ إنه حال سارة بيضون بالتمام. كانت طالبة تدرس العلوم الاجتماعية، حين ذهبت إلى سجن النساء في بعبدا ـ جبل لبنان ـ لمتابعة بحثها الجامعي، وبالتعاون مع جمعية دار «الأمل» هناك لمعت في خاطرها فكرة إيجاد عمل لتلك النسوة المسجونات، واللواتي يقتلن الوقت دون جدوى. وكانت فكرة الصناعة اليدوية للحقائب. صارت الفكرة حقيقة في سنة 2000. حققت شهرة. وصار لها تعريفها التجاري «Sarah’s Bag ». حالياً لها حضورها في عواصم الموضة، وتعمل للمزيد من التوسع. كان ذلك قبل 15 سنة. لمع نجم تلك الحقائب لشغلها اليدوي الجميل، ولأنها على الموضة «ستايلش». بدأ العمل مع ثلاث سجينات. وتوسع سريعاً. الفكرة وجدت اقبالاً. وصارت الحقائب التي تحمل صور المشاهير من لبنان والعالم مطلوبة. ووجدت سارة بيضون أنها تحب الإبداع والإبتكار، وعلم الاجتماع فتح لها بابه. طورت سارة عملها، وأنتجت مجموعات متناسقة. تقول: توسع حضورنا من بيروت إلى دول الخليج، وبعد تسع سنوات كان لنا السوق الاوروبي. تمّ ذلك عندما وضعت نفسي أمام السؤال التحدي: هل لي بإدخال تلك الصناعات اليدوية النسائية إلى السوق الأوروبي ومن ثم العالمي؟ وكانت الخطوة الأولى في أسبوع الموضة في باريس والذي يستقطب مصممين من كافة أنحاء العالم سنة 2009، وحالياً صار لنا 35 نقطة بيع في العالم من خلال محال معروفة تعرض صناعتنا. السيدات اللواتي تحررن من السجن والفرق التي شكلنها من نساء القرية أو الأقارب، هنّ من ينفذن الطلبات الخارجية، لأنها مرتبطة بزمن. في حين أن عمل السجينات مرتبط بظروفهن النفسية.
مع سارة بيضون كانت جولة في المعرض الذي أقيم في الأشرفية. تشرح لنا آلية العمل مع السجينات: نعطيهن المواد الأولية والتصميم، ويتولين التنفيذ، وذلك بعد التدريب على تقنيات عمل مختلفة. هذا العام كان القرار بأن نترك للسجينات حرية التعبير عن كل ما يراودهن من أفكار وأحلام، وبالطبع ما يزعجهن. هذا الإنتاج أعدّ خصيصاً للمعرض الذي نقيمه سنوياً. أن نترك للإنسان حرية التعبير فهذا قمة الفن. سبق بدء التنفيذ جلسات حوار لتحديد هدف كل امرأة. بعد عدة جلسات تم التوافق على جملة مواضيع.
في التجوال على المعرض الذي يغطي قسماً من الجدران بأناقة، كما يفترش وسط الغرف، نتوقف برفقة سارة، عند لوحة كتب عليها: «حلمي نام شي ليلة»؟ من لا يعرف تفاصيل حياة السجينات لن يصل إلى الحافز لهذا التمني الإنساني البسيط. تقول سارة: النزيلات كثيرات في الغرفة الواحدة ويصل عددهن لحدود العشرين. الجميع يشتاق للنوم العميق. هذه البداية. أما بقية الحلم فيذهب نحو أغطية مهفهفة ونظيفة، ووسادة مريحة.
لوحة أخرى تحمل عنوان الإكتظاظ؟ السجينات المحكومات لسنوات يعرفن أنه من شهر حزيران/يونيو وحتى منتصف تموز/يوليو هو موعد العطلة القضائية، ومن تدخل السجن من الجديدات لن تكون لها جلسة محاكمة. لهذه يزداد الاكتظاظ في سجن النساء. ويتضاعف عدد السجينات. وهن يتقاسمن دورة المياه، وفي أحيان السرير.
شباك سجن بعبدا. له مكانة خاصة في نفوس السجينات جميعهن؟ تجسده إحداهنّ في لوحة. يتقاسمن التمتع بالوقوف إليه خلال النزهة. إنه البحر وكل بيروت وضاحيتها. تقول سارة: يبدأ نسج الحكايات لدى الوقوف إلى هذا الشباك. منهن من تفكر بذويها وأين هم. ومنهن من تفكر في مستقبلها في تلك المدينة الكبيرة. الشبّاك هو الوحيد الذي يسمح للسجينات بمغادرة السجن عبر العين ولحين. ومن التقاسيم التي عزفتها السجينات معزوفة في غاية الشفافية لعبير. من بين قضبان السجن دق الغرام قلبها. هو شاب يواظب كل ثلاثاء على زيارة ابنة عمه. الغرام شغلهما من خلال الهاتف. لمسة اليد من تحت الحاجز الفاصل. تبادل رسائل مكتوبة. دام الحال لأربع سنوات. في حساب عبير مرّت وكأنها عام. إلى أن حلّ ثلاثاء قاحل. استوعبت عبير جيداً موقف حبيبها، فعشر سنوات لا تزال تنتظرها في السجن. مشاعرها الشفافة تلك ظهرت في قلب أحمر قان يمتلك كافة الأوردة، قلب يتشوق كي ينبض بالحب.
السيدة مريم شفيعة السجينات جميعهن. بينهن أمهات يفتقدن أطفالهن، والسيدة مريم فقدت ابنها. هي مجسدة في أشغال الكثيرات. لنيبال تضرع خاص من السيدة مريم. رسمتها برجاء مساعدتها لإعادة فتح ملفها. قضت محكوميتها لأربع سنوات وزادت عليهما اثنتان، ولا تزال تنتظر فتح ملفها. تحتاج لمحام. بيعت لوحتها وثمنها سيفي بالغرض قريباً. من الأعمال الفنية التي تستوقف العين تلك التي عبّرت عن الخروج إلى النزهة. مساحة النزهة محدودة وفي سقفها فتحة صغيرة. هي فسحة الأمل الوحيدة التي تتيح للسجينات مساحة من الحلم. وكان التعبير بالأزهار والورود المشغولة بالابرة.
ماري لويز سيدة برازيلية تقبع في السجن اللبناني. التواصل معها مقطوع، تتقن لغة بلدها. والعاملات في حقائب سارة يتفاهمن معها بلغة الإشارة. تعبر عن نفسها عبر عملها اليدوي منذ ثلاث سنوات. وكما غالبية الشعب البرازيلي تتميز ماري لويز بالفرح الدافق من مقلتيها. مشروعها للمعرض ظهر في لوحة كلها أسماك. إلى لوحة أخرى هي شمس الحرية. حرية مشبوكة بالدبابيس. لوحة لسيدة خرجت إلى الحرية، فالدبابيس من الممنوعات في السجون. 8000 دبوس جسدت شمس الحرية. وتلك السيدة بحسب سارة بيضون تدير فريقاً من السيدات النشيطات اللواتي يعملن مع حقائب سارة. وتضيف: كل امرأة تظهر نشاطاً في السجن ندربها جيداً بعد خروجها، وبدورها تعمل لتدريب كل امرأة ترغب في العمل في الأشغال التي نطلبها. لدينا تسعة من فرق العمل النسائية خارج السجن. ويتراوح فريق العمل بين ثلاثين وخمس سيدات.
تشرح سارة بيضون حال السجن الذي يمكنه أن يضم نساء مسحوقات على كافة المستويات، وأخريات يمتلكن ثقافة. وتشير إلى لوحة تحمل أفكاراً عن السجن والحرية والحياة، مطرزة بشكل جميل وباللغة الانكليزية. وتشير إلى صاحبة تلك الكلمات. هي فتاة لبنانية استرالية. لم أطلع على ملفها، أخبرتنا بأنها وجدت في مكان خاطئ، وفي لحظة خاطئة جداً، وها هي في السجن. ولأنها ذات مستوى علمي جيد ساعدتنا في تنظيم العمل في السجن. ولوحاتها توقف عندها كثيرون.
نستدير نحو لوحة أخرى تحمل عنوان الممنوعات. هي ممنوعات السجن من الأدوات المختلفة. عندما طلبنا من السجينات تجسيد ما يرغبن في التعبير عنه ضمن لوحة كانت تلك الممنوعات، تقول سارة بيضون: ليس للسجينات حق معرفة الوقت. وفي اللوحة ساعة. الشابات من السجينات طالبن بالفيسبوك. اللواتي في العمر الثالث يرغبن بالبوتوكس. حتى في السجن لا تتخلى النساء عن الاهتمام بمظهرهن الخارجي. وفي قائمة الممنوعات شاربان وقوران. فالرجال من الممنوعات في سجن النساء. وجود التنورة في قائمة الممنوعات يثير السؤال؟ نعم تقول بيضون: ممنوع إدخال ملابس نسائية كالتنورة والفستان، وطبعاً قميص النوم. السجن يجرد المرأة من أنوثتها. وليس لها أن ترى نفسها في المرآة، لأنها من الممنوعات. أما يوم الأحد من كل أسبوع فمتاح لتجميل الذات. فيه تقص السجينات شعرهن، تصبغنه ويتجملن.
معرض السجينات وكذلك النساء اللواتي نلن الحرية سجل تطوراً إبداعياً ملحوظاً جداً، تمثل في تطوير كبير للحقيبة، وتالياً الخروج من أسرها، نحو إنتاج لوحات آسرة. توافق سارة بيضون على النقلة النوعية التي اختبرت التطريز كفن قائم بذاته وليس فقط من خلال الحقائب. وحتى الحقيبة نفسها صار لها دور ورسالة تمثلت في مجموعة حقائب تحمل شعارات حقوق الإنسان. مجموعة لاقت رواجاً كبيراً، بحسب سارة.
تعلن سارة بيضون ثقتها في فريق العمل الذي تتعاون معه. أعرف مسؤوليتي حيال الاسم التجاري الذي نعمل من خلاله. وتضيف: أدرس خطواتي جيداً. فـ 200 سيدة يعملن لتنفيذ الطلبات التجارية في لبنان والخارج. ولديهن مسؤوليات أسرية. لهذا نعتبر مسؤولياتنا الاجتماعية محركاً فاعلاً جداً لمسؤولياتنا التجارية.
وفي كل موسم نقدم تصاميم جديدة لكل فريق عمل، وبحسب اختصاصه «خرز أو شعل أبرة» ليستمر في العطاء وبحيوية. نثق في قدرتنا على تقديم الجديد والمميز، وهذا ناتج من ثقتنا بفريق العمل. وكذلك ناتج من متابعتنا للسيدات اللواتي يغادرن أسوار السجن. حيث تنتظرهن المعاناة مع المجتمع والأسرة. عمل تلك السيدات مع حقائب سارة يعيد لهن الأمل بالحياة. يؤمن لهن الاستقلالية. يعيد بناء ثقتهن بذواتهن بعد طول انسحاق نفسي وإنساني. تمكين المرأة بهذا الشكل يفرحنا.
هل لهؤلاء النساء العاملات على انجاز طلبات حقائب سارة مقابل مادي يؤمن لهن حياة لائقة؟ تقول سارة: نعم والدليل أن السيدات اللواتي تمّ اختيارهن لمتابعة العمل بعد الخروج من السجن توسع فريقهن. وجميعنا احتفلنا مع سيدة اشترت غسالة ملابس وارتاحت من الغسيل اليدوي. وفي وقت لاحق صارت لها مساعدة منزلية. وهكذا تفرغت لمزيد من الإنتاج. وحيث تعيش السيدات اللواتي مررن بتجربة السجن، ويعملن معنا، ينظر إليهن الناس بكل احترام وتقدير.
في هذا المعرض ريع كل لوحة كبيرة لمن نفذتها. وثمن اللوحات الصغيرة يعود لجمعية دار «الأمل» التي تعــمل على تحسين وضع السجن عبر تحديث تجهيزاته. ولجميع المشاركات في المعرض بدل اتعابهن.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية