في زمن الفضائيات، قد يكون من الغريب أن يستذكر المرء «الإذاعات»، خصوصا بصيغتها القديمة التقليدية لا صيغتها «الأف أم» المحدثة في الإنترنت، ولأنني من جيل عاصر الإذاعة وعاش أيامه مهووسا ببرامج معينة في بعض الإذاعات التي تيسر لنا حينها التقاطها فأجدني أستذكر الإذاعة الأردنية وهي التي تحتفل اليوم بتأسيسها منذ 57 سنة!!
ميزة إذاعات ذلك الزمن – الذي كانت فيه محطات التلفزيون محصورة بما تيسر التقاطه من محطات أرضية محدودة ساعات البث مقابل إذاعات (موجة طويلة) تبث بلا توقف – أنها كانت أهم صاعق شرارة لمخيلة المستمعين الشخصية.
كنا نتابع مسسلسلات كاملة «سماعا» على الإذاعة، وتتهدج أنفاسنا ونحن نصغي باندماج مع أداء ممثلين لا نراهم، لكن نتخيلهم.. وتصبح ساعات بث المسلسل الإذاعي مواعيد مقدسة لا يقطعها إلا الشديد القوي.
كانت الإذاعات عندي – مثل غيري من المستمعين – متنوعة حسب المزاج والذائقة، فأنا كنت من مغرمي مسلسل أسبوعي بوليسي اسمه «حكم العدالة»، كانت تبثه الإذاعة السورية كل يوم ثلاثاء ظهرا، وفي الهوس ذاته فيه كنت ممن يتابعون المسلسلات الإذاعية على إذاعة القاهرة، التي غالبا ما كان يرافقها تشويش مستمر، لكن للتباهي بالمعرفة الخبرية فقد كانت «بي بي سي» مصدر أخبار لا يمكن دحضه، ولمعرفة الشأن المحلي لأي من دول الطوق (دول الطوق مصطلح يعني الدول المحيطة بدولة الإحتلال الإسرائيلي ذات كرامة عربية)، لمعرفة أي خبر محلي لأي من دول الطوق، بل أحيانا للتأكد من إشاعة خبيرة تتعلق بأي دولة عربية تسعى جاهدة لكتمها فإننا نتوجه لإذاعة «العدو الإسرائيلي المبدعة حينها في بث أخبار محليات الدول العربية، وهي الإذاعة التي اشتهرت أيضا ببثها اليومي في ساعة مسائية محددة لأغاني أم كلثوم، تماما كساعة صباحية محددة لفيروز على إذاعة دمشق.
«مونت كارلو» كانت معيار رفاهية المراهقة، والاستماع إليها دليل على مخملية الأحاسيس، وكنا نحفظ أسماء المذيعين كنجوم السينما، والمشاركة الهاتفية في أي إذاعة عبر برامج الحوار التفاعلي كانت حدثا هاما، بل إنني أذكر أسماء أناس عاديين من أنحاء العالم العربي كانوا مشاركين يوميين في برامج إذاعات «بي بي سي» و»مونت كارلو».
في عيد الإذاعة الأردنية تحديدا، أستذكر برنامجا نوعيا، لا يمكن تكراره أو إعادة إنتاجه بأي شكل لغياب مقومات وجوده، وأقصد برنامج «رسائل شوق»، الذي دأبت الراحلة الأردنية بنت القدس كوثر النشاشيبي على تقديمه منذ بداية السبعينات حتى توقف عن البث بعد توقيع معاهدات السلام في التسعينات مع إسرائيل!
كان البرنامج المميز بأغنية وسلامي لكم للسيدة فيروز، وبصوت النشاشيبي الأكثر تميزا، شريانا بين الضفة الغريية وفلسطين عموما وباقي العالم العربي، بل والعالم كله، حيث كان البرنامج يحمل أبسط الرسائل ويوصلها عبر أثير إذاعة عمان إلى الأهل في الأرض المحتلة.
رحم الله كوثر النشاشيبي، كما نستمطر شآبيب الرحمة على زمن كنا نميز فيه العدو بوضوح لا يقبل الشك ولا الالتباس.
النائب النائبة
لكن، في زماننا الذي لا عيب فيه سوانا، فقد وصلنا إلى مرحلة يتبجح فيها كائن هلامي غير قابل للتصنيف حتى، اسمه توفيق عكاشة بأنه يقابل السفير الإسرائيلي في مسكنه، ويتفاخر وهو النائب المنتخب في مجلس الشعب المصري بهذه المقابلة عبر بث صورها والتباهي بها.
طبعا، لم يبهرني موقف النائب المصري الذي هاجم عكاشة بـ «الجزمة»، ولم أر في المشهد إلا خلطا للأوراق وإثارة زوبعة غبار مضللة للتعمية على مشاهد أكثر فظاعة، ليس أقلها تغول هذا المجلس البرلماني المصري على حقوق الشعب المصري بمناقشة زيادة رفع مستحقات أعضائه (بمن فيهم حامل الجزمة في وجه عكاشة)، ومصر تحت خط الفقر والحاجة، وهو موقف برلماني مسبوق طبعا، مثل مجلس النواب الأردني، الذي ارتكب التشريع ذاته قبل سنوات في دولة تئن تحت المديونية.
مدهش كيف تستطيع الفضائيات هذا اليوم، أن تحترف تصنيع وتجميع السياسيين من مواد تهريجية خام. ويحدث هذا في العالم العربي.. فقط.
ابنة وئام وهاب.. سر أبيها
«هيدا حكي» .. برنامج ترفيهي حواري بحضور جمهور متفاعل في الأستوديو، يقدمه نجم الكوميديا اللبنانية عادل كرم، وهو برنامج منسجم مع ذاته بصراحة، وشخصيته اللبنانية المرحة والمنفتحة تجعله منسجما مع أي ضيف يستضيفه، فحين استضاف قبل سنة تقريبا المستورة هيفاء وهبي، لم ينتقده أحد رغم الحركات «البريئة» كلها فوق 18 سنة، التي أدتها هيفاء الله يستر عليها، لكن حين استضاف محمد سعد الفاضلة ذاتها الله يسلمها، وحين حملها بين يديه، فإن الضجة لم تتوقف حتى اليوم.
آخر ضيوف عادل كرم، كان ابنة السياسي اللبناني الأكثر إثارة للجدل والمعارك، وئام وهاب، والذي أعتبره النسخة اللبنانية من مرتضى منصور، حيث استضاف رين وهاب، لاعبة كروية رياضية، أهم ما أنجزته في حياتها أنها وفي مباراة مع فريق لبناني آخر، تعرضت لبطاقة حمراء، فغضبت وضربت لاعبة منافسة بالركلات واللكمات، وتم تصوير ذلك.
المعركة المسجلة، كانت سببا لعادل كرم في استضافة ابنة أبيها، وبصراحة، شعرب بسخافة الفكرة في البداية، لكنني تابعت المقابلة حتى نهايتها، وهي مقابلة قصيرة لم تتجاوز ثلث ساعة، فإذا بي أجدني أتلقى ثلث ساعة ترفيه بصراحة، لم تزعجني ولم تجعلني أشعر بضرورة تقليب القنوات، وهذا هو بالضبط سحر الشخصية اللبنانية في عالم صناعة الترفيه.
كاتب أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة