سحر ورُبى وكروان

حجم الخط
4

لا أظنك ستجد نهاية حدثت لمطربة أكثر بشاعة ومأساوية من هذه النهاية.
حدث ذلك في مسرح ملهى سميرأميس في دمشق، في يوم من أيام عام 1981، حين كانت المطربة المتألقة وقتها سحر تؤدي وصلتها الغنائية، فتقدم نحوها معجب صاخب الصوت كان قد شرب حتى الثمالة، لم يتدخل لإيقافه أو ردعه أحد، فقد كان معروفا في المكان لأنه كان جنديا في ميليشيا سرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري المزمن حافظ الأسد. طلب السكران من سحر التوقف عن الغناء، لكي تغني أغنية معينة حددها بالاسم، فتجاهلته وواصلت الغناء، ليفاجأ الجميع به وقد أخرج من حزامه قنبلتين يدويتين، وطالبها بالتوقف لتغني الأغنية التي طلبها، وإلا قام بتفجير القنبلتين. كان كل من في الملهى يتفرج على المشهد بصمت، ظنا منهم أن تجاهله قد يؤدي إلى مرور الزوبعة التي يثيرها، لكنه للأسف قام بنزع صاعقي القنبلتين، ورماهما على المسرح والجمهور، ليقتل المطربة المسكينة ويمزق جسدها، ويقتل معها ما يقرب من 20 شخصا، ويصيب 27 آخرين في مجزرة مروعة لا أذكر أني قرأت لها مثيلا في تاريخ الجرائم المرتبطة بالفن والفنانين.
يروي الكاتب محمد منصور هذه القصة في كتابه الذي استعرض فيه فصولا تراجيدية في حياة مطربات بلاد الشام، اللواتي نعرف الكثير عن بعضهن مثل فيروز وأسمهان وسعاد محمد وفايزة أحمد، ولا نعرف شيئا عن بعضهن الآخر، مثل سحر التي اعتمد محمد في رواية قصته على بعض من عاصروا الواقعة، كالروائي الكبير خيري الذهبي ورجل الأعمال غسان عبود والكاتبة حذام زهور عدي، مكملا فصول المأساة التي استمرت حين قامت الصحافة باختراع قصة عشق وخيانة، لكي تغطي على الجريمة الجنائية المرتبطة بأحد رجال السلطة، الذي لم يكن ليجرؤ أحد حراسه على منعه من الدخول مدججا بالسلاح إلى ملهى ليلي. لم تذكر الصحف التي نشرت القصة المفبركة أي كلام عن الانتماء الأمني للقاتل، الذي تم تصويره كعاشق مخدوع قررت المطربة نهب أمواله، فقام بالانتقام منها، مع أن سحر المشهورة بحلاوة الصوت، لم تكن في حاجة للنصب على أحد، فقد بدأت مشوارها الفني منذ ربع قرن، وكان لها حفلات تدر عليها دخلا جيدا، كما أنها تزوجت قبل مقتلها بسنوات من الممثل السوري البارع خالد تاجا، الذي عاش بعد موتها سنوات من الاعتزال الفني، قبل أن يعود إلى التمثيل عام 1984، ولم يكن بمقدوره هو أو أحد من أصدقائها وزملائها أن يكذب الإشاعات التي تبنتها الصحافة الرسمية، فضلا عن مطالبته بالتحقيق في أسباب ذلك الموت المتوحش الغادر، الذي ما كان له أن يتم لولا ارتباطه بسطوة الميليشيات الأمنية والعسكرية التي حكمت سوريا ولا تزال.
في فصل آخر يحكي محمد منصور عن تراجيديا من نوع آخر، ساهمت في قتل صوت غنائي سوري جميل، هو صوت المطربة رُبى الجمال، التي كانت من أصل أرمني وكان اسمها الحقيقي زوفينار قربتيان، والتي اتفقت مع التلفزيون السوري على إحياء حفل ساهر في مارس/آذار 2005 لتغني فيه أربع أغنيات جديدة، وكانت تعلق على ذلك الحفل آمالا عريضة لتتويج نجاحها الذي شهدته مدن عربية عدة في السنوات السابقة، والذي جعل الكثيرين يعدونها أملا لسوريا في الغناء، بعد أن توقفت لفترة عن إنتاج أصوات غنائية مهمة، لتفاجأ ربى الجمال وجمهورها بالإهمال الشنيع الذي رافق تنظيم الحفلة، مما جعل الفرقة الموسيقية تعجز عن مواكبة أدائها الغنائي، لدرجة دفعتها للتوقف عن الغناء، وإعلان احتجاجها أمام الملأ على قيام الفرقة بتطيير سلطنتها، برغم تحذيرها لهم خلال البروفات بضرورة الإعداد الجيد، ليفاجأ الجميع بأحد العازفين يحمل آلته الموسيقية وينصرف مغادرا المسرح، فتتوقف ربى الجمال عن الغناء، وتتوجه إلى غرفتها، وتجري محاولات لاسترضائها لكي تعود للغناء، وحين قبلت بعد جهد أن تعود، وجدت الصالة فارغة من الجمهور ومن الفرقة الموسيقية، فأصيبت بنوبة هستيرية، ليتم نقلها إلى مستشفى لتهدئتها، لكن الجهود الطبية لم تفلح وبقيت في حالة هياج عصبي لساعات طويلة.
بعد فترة من العلاج نقلت ربى الجمال إلى بيتها في ضاحية قدسيا قرب دمشق، لتدخل حالة اكتئاب شديدة، وبعد يومين من عزلتها أصيبت بجلطة دماغية نقلت على إثرها إلى مستشفى دمشقي، في حين كان أصدقاؤها يتفاوضون مع نقابة الفنانين على تقديم المساعدة المالية لها، وهو ما كان أعضاء مجلس النقابة متحفظين عليه بوصفها غير نقابية، ليتم إخراجها من المستشفى ذي المصاريف المرتفعة، ويتم نقلها إلى مستشفى متواضع التكاليف والإمكانيات، فتصاب بنزيف دماغي يودي بحياتها بعد أيام، ويتم تسليم الجثة لجمعية أرمنية خيرية لتقوم بدفنها في قبر مجاني خصصته الجمعية للغرباء، ويسير في جنازتها عشرون شخصا بينهم شقيقتها وابنها الوحيد الذي لم يتجاوز وقتها الخمس عشرة سنة، وبدلا من أن تناقش الصحافة تفاصيل الإهمال الذي تسببت فيه أجهزة حكومية تصرف عليها المبالغ الطائلة، انشغل الكل بإشاعات حول إدمانها المهدئات ومزاجها العصبي، قبل أن يتم تكريمها بعد فوات الأوان بتكرار إذاعة حفلاتها وبعض أغانيها.
موهبة ثالثة جنى عليها الإهمال الحكومي، وقضى على نجاحها تأميم الفن والثقافة، وتركه لإدارة ضباط الأمن وقادة البعث، هي موهبة المطربة كروان التي يصفها محمد منصور بأنها سيدة الأغنية الشعبية الشامية، والتي حققت نجاحا صنعه ملحنون مثل مصطفى هلال وعدنان قريش ومحمد محسن، وتخطى نجاحها حدود سوريا، ووصل إلى لبنان والأردن ومصر والجاليات المهاجرة في الأمريكتين، ولحن لها بليغ حمدي وفيلمون وهبي، وغنت مع الأخوين رحباني في عدة اسكتشات سجلوها لإذاعة دمشق، وبعد أن قدمت أكثر من خمسمئة أغنية، وقامت بعمل عملية تجميل لأنفها الذي كان يجلب لها سخرية البعض، وظنت أنها ستواصل تألقها ونجوميتها، فوجئت بتغير الطريقة التي تدار بها الإذاعة والتلفزيون، «بعد أن صار النظام البعثي هو الآمر الناهي في كل شيء، فأهمل الإنتاج الغنائي الراقي الذي كانت تقدمه إذاعتا دمشق وحلب ثم توقف نهائيا».
كما يقول محمد منصور، فرضت طبقة العسكر الجدد ذوقها، «فسرعان ما استبدلت الوجوه والكلمات والألحان، لتجاري ذائقة سكارى يجمعون بين مرجعيات سلطوية وأمنية ومرجعيات اجتماعية هجينة في قيمها، فبدت الأغنية الشعبية الشامية مثار سخرية بتحفظها العاطفي ورقي تعبيرها الشعري»، وصار القبول في نقابة الفنانين بقرار حزبي أو أمني، فتصدرت الأصوات المتواضعة المشهد، وغابت كروان كما غاب كبار نجوم جيلها وهم على قيد الحياة، وأهمل بث أغانيها في الإذاعة، وصار ظهور تسجيلاتها التلفزيوني نادرا جدا. وحتى حين تم تكريمها قبل رحيلها بعامين، لم تتح لها الفرصة للغناء، بل تم إحضار مطربين شباب ليغنوا أغانيها، لترحل بعد أن عاشت حياة فقيرة على راتبها التقاعدي من إذاعة دمشق، وهو ما لم يكن سيحدث لو تبناها مسؤول أمني أو عسكري، كما حدث لغيرها من المطربين والمطربات الذين عرفوا أن الصوت الجميل لن تكون له أبدا أهمية العلاقات والمحسوبيات في بلد حكمته الغلظة والفظاظة في شتى المجالات، فأوصلته إلى هذا المصير الذي يدمي قلوب أبنائه ومحبيه.

ـ مطربات بلاد الشام: تراجيديا الفن والحياة ـ محمد منصور ـ رياض الريس للكتب والنشر.

٭ كاتب مصري

سحر ورُبى وكروان

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية