رسائل البريد الالكتروني الشخصية التي اضطرت هيلاري كلينتون لاطلاقها في الاسبوع الماضي شملت بريدين الكترونيين يتعلقان برئيس حكومة اسرائيل.
هذه الوثائق تفتح العيون: إنها لا تُعرفنا ببنيامين نتنياهو، قوته وضعفه، بقدر ما تُعرفنا بالطريقة التي يبلور فيها الزعماء الأمريكيون موقفهم من اسرائيل. يجب قراءتها بنظرة مستقبلية، اليوم الذي يلي انتصار الرئيس اوباما في معركة الموافقة على الاتفاق النووي مع إيران.
هذه الرسائل كتبت في 2010، عندما كانت هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية. وكتبها اثنان كان لهما دور سياسي رفيع في الحكومات الديمقراطية: ساندي بيرغر، مستشار الأمن القومي في ادارة بيل كلينتون، ومارتن اينديك، الوزير في اسرائيل ومساعد وزير الخارجية، وفي 2013 ـ 2014 كان مبعوثا خاصا لوزير الخارجية كيري في المفاوضات مع الفلسطينيين. هذان الشخصان يهوديان وهما مقربان من كلينتون، وعند كتابة الرسائل كانا خارج الادارة.
«هناك علامة استفهام حقيقية تحلق فوق سياسة بيبي.. فوق رأسه وقلبه»، كتب بيرغر في آب / اغسطس 2010، في رسالة بالبريد الالكتروني تحلل فرص تقدم المفاوضات مع أبو مازن. «اعتقد أن العامل المهم هو ما الذي نتنياهو مستعد لفعله»، كتب بيرغر.
الفلسطينيون يستطيعون أن يكونوا متشددين في المفاوضات، ولكن «لديهم فكرة عن مواقفهم في الامور المختلف عليها». ونتنياهو في المقابل «إما أنه لا يعرف ما يريد وإما أنه غير مستعد لاشراك الآخرين في موقفه. فهو لا يعترف بضرورة التوصل إلى اتفاق في أسرع وقت ممكن، ولا يشعر بعدم الراحة من استمرار الوضع الراهن».
اينديك أرسل رسالته في 30 أيلول / سبتمبر. وهذه الرسالة تم ارسالها إلى جورج ميتشل، المبعوث الخاص في حينه، وايضا نسخة إلى كلينتون. «نتنياهو مقتنع بأنه عملاق في ادارة المفاوضات وأنه يعمل جيدا في البازار الشرق اوسطي».. هكذا كتب اينديك الذي مضى يقول: «إنه يضخم مطالبه بطريقة غير منطقية على اعتبار أن هذه هي الطريقة الافضل للحصول على الثمن الاكبر».
أنانية نتنياهو وغياب ثقته بنفسه يسيطران على المفاوضات، كما حذر اينديك. «العملية المطلوبة لجعله يقدم مطالب معقولة تحتاج إلى كثير من الطاقة والنية الحسنة. انه يُهين الشركاء الفلسطينيين في المحادثات ويشكك بجديتهم. وفي نهاية المطاف، تحت الضغط من كل الاتجاهات، يقدم التنازل النهائي بعد اضاعة الكثير من الوقت واغضاب الجميع ومنع مؤيديه وشركائه في المفاوضات من تقديم الاعتماد له. وفي أعماق قلبه هو غير سخي ويخاف من الظهور كأمعة امام جمهوره، مما يخلق مشكلة حقيقية».
هذا التحليل يجب ألا يفاجيء القاريء الاسرائيلي. المفاجأة كامنة في التوصيات التي قدمها بيرغر واينديك لهيلاري كلينتون. ميتشل يوصي اينديك بأن يحضنه، ويطلب من كلينتون أن تُهدئه.
ونتنياهو سيوقع على السلام فقط عندما يشعر بالثقة تجاه الادارة الأمريكية، وأن الاتفاق يجيب مطالبه، وأنه بمساعدة الأمريكيين يستطيع تسويق الاتفاق لناخبيه والبقاء، بل الازدهار سياسيا.
قداسة الاقداس
خلال السنوات الخمسة الماضية انتهت المفاوضات مع الفلسطينيين بدون نتيجة. والمفاوضات مع إيران، في المقابل، نتج عنها اتفاق. وعدم الثقة الذي اظهره نتنياهو في الماضي خلال احتكاكه مع زعماء أمريكيين تحول إلى ثقة زائدة.. الغضب الذي أثاره لديهم تحول إلى احتقار. يمكن الافتراض أنه لو طُلب من بيرغر واينديك اعطاء توصياتهما اليوم، لكانا تجاهلا موضوع العناق.
في محيط اوباما هناك من يريد تلقين نتنياهو درسا مرة و إلى الأبد. والتحدي هو معاقبة نتنياهو بدون معاقبة اسرائيل، وكما سنرى في السياق فإن هذا ليس سهلا.
ظاهريا، لا تستطيع الادارة معاقبة نتنياهو بتقليص التعويض الامني الذي يفترض أن تحصل عليه اسرائيل بسبب الاتفاق مع إيران. هذا لن يحدث، لأن اوباما مقتنع بأن اسرائيل تستحق التعويض، لا سيما أنه تعهد بذلك أمام اعضاء الكونغرس الديمقراطيين.
وفي رسالة بعثها وزير الخارجية كيري إلى اعضاء الكونغرس الاسبوع الماضي قال إنه من ناحية الادارة «إن أمن اسرائيل هو قداسة الاقداس»، وليس أقل من ذلك.
وقد وعد بأن يبلور مع اصدقاء اسرائيل في الكونغرس رزمة مساعدات جديدة. «عندما تنتصر، كُن سخيا».. هكذا قال ونستون تشرتشل. وسخاء اوباما هو سخاء المنتصرين.
وقالت شخصية رفيعة في البيت الابيض هذا الاسبوع في نقاش مغلق إن الادارة تنتظر بدء المفاوضات الامنية مع اسرائيل منذ نيسان / ابريل. والرزمة التي سيتم تقديمها لاسرائيل سخية. ولم نقدمها بعد لأن اسرائيل ما زالت تدير ظهرها لنا.
الادعاء الاسرائيلي بأن إيران ستعطي التنظيمات الإرهابية مليارات الدولارات نتيجة الاتفاق، لم يجعله يسقط عن الكرسي. وقالت الشخصية الرفيعة: «نعتقد أن الاموال التي ستدخل إلى إيران بعد رفع العقوبات أقل بكثير مما جاء في وسائل الإعلام. في السنوات الاولى على الاقل ستستثمر الاموال في الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من ركود خطير، وليس للتنظيمات الإرهابية.
لقد ادعى أن الإيرانيين لا يعملون بهذه الطريقة. «خبراء في الادارة حللوا مساعدة إيران لحزب الله، ووجدوا أن الدعم الإيراني لحزب الله على مدى السنوات لم يكن متعلقا بالوضع الاقتصادي في إيران. لقد ارتفع وهبط بناءً على اعتبارات مختلفة».
وبدون أي صلة بهذا التحفظ، ستُقدم لاسرائيل رزمة سخية، اضافة إلى زيادة اموال المساعدة، الامر الذي يمكن أن ينهي الجدل في اسرائيل حول ميزانية الامن. نتنياهو يستطيع القول أمام الاسرائيليين إن المواجهة التي بادر اليها لم تضر بل كانت لها فائدة: ادارة اوباما ستضطر إلى دفع اموال أكثر مما خططت له في البداية. وسيقول نتنياهو إنه على حق. ولن تكون طريقة لتأكيد أو نفي كلامه، إلا إذا قرر الاستمرار في حملته ضد الاتفاق بعد المصادقة عليه. فهو يستطيع مثلا تشجيع اعضاء جمهوريين من الكونغرس على تقديم اقتراحات لاعادة العقوبات على إيران. وسيقوم الرئيس بافشالها، وإيران لن تتضرر، لكن الجمهوريين سيحتفلون. ويستطيع اوباما أن يهاجم بشكل مباشر في خطابه في الأمم المتحدة. وليس صدفة أنه لم يتحدد بعد لقاء بين الاثنين عند سفر نتنياهو إلى جلسة الأمم المتحدة في نهاية الشهر. في السابق كانت الجلسة في الأمم المتحدة بين رئيس حكومة اسرائيل وبين الرئيس الأمريكي، جزءا من البروتوكول.
ذاهب إلى المكتبة
يستطيع اوباما أن يفرض على نتنياهو تحديا في الموضوع الفلسطيني. فبدل رفع الفيتو بشكل تلقائي في مجلس الامن، تمتنع الولايات المتحدة أو تؤيد اقتراح فرنسا أو نيوزلندا الذي يطالب بانسحاب اسرائيل إلى حدود 1967. أو تقوم الولايات المتحدة بتقديم اقتراح خاص بها. إن قرار مجلس الأمن سيُدخل اسرائيل في مشكلات كبيرة في الساحة الدولية.
فهل ان خطوة كهذه ستكون في مصلحة السياسة الأمريكية الخارجية؟ ليس مؤكدا. هل سيتسق ذلك مع مصالح المرشحين الديمقراطيين قبل الانتخابات الرئاسية بسنة؟ ليس صدفة أن هيلاري كلينتون المرشحة المؤكدة تقريبا للديمقراطيين أرسلت في هذا الاسبوع عناقا دافئا لنتنياهو كعزاء على هزيمته في الكونغرس.
هل خطوة كهذه جيدة لاوباما؟ في هذه المرحلة من الولاية، وقبل النهاية بـ 17 شهرا، كثير من الرؤساء يفكرون بإرثهم. واوباما يفهم أنه لا حاجة إلى استئناف المفاوضات من اجل المفاوضات. ومبادرة كيري لن تعود، كما يقولون في البيت الابيض. ومع ذلك فإن اوباما ما زال يبحث عن طريقة لترك بصماته.
بيل كلينتون حظي باتفاق اوسلو والسلام مع الاردن.. وجورج بوش جلب العالم العربي إلى أنابوليس… وعلى اوباما أن يفعل شيئا.
أحد زعماء الجالية اليهودية في أمريكا جاء إلى هنا هذا الاسبوع وقال لي إن سلم الاولويات سيحسم في النهاية. يريد اوباما اقامة مكتبة رئاسية في جنوب شيكاغو وصندوق ضخم للتبرع يحمل اسمه. والمبلغ المذكور هو مليار دولار ـ وهذا ضعف المبلغ الذي جمعه بوش لمكتبته. نصف المتبرعين من اليهود. «الفلسطينيون»، قال مبتسما، «هم مسألة غير مؤكدة. المكتبة أمر مؤكد. وهو سيذهب وراء المكتبة».
اجراء الجار
عشية السنة الجديدة قرر نبيل البواب فعل شيء. لقد قام بإرسال باقة ورود كبيرة إلى معبر ايرز وأرفق بها بطاقة تقول: «مؤيدو السلام في غزة يتمنون لجيراننا في اسرائيل البركات الخاصة في السنة الجديدة: أن تكون أفضل من سابقتها، جيدة وجميلة. سنة أيامها جيدة، فيها سلام وأمل». البواب (54 سنة) كان من كبار الصناعيين في غزة. وكانت له اربعة مصانع للنسيج في المنطقة الصناعية في كارني. وفي 2007 عندما سيطرت حماس على غزة، قام البواب بنقل مصانعه إلى مصر. وقبل وقت قصير افتتح مصنعا آخر في مدينة الزرقاء في الاردن. شلومي فوغل، من اصحاب شركة «إمبا» الاسرائيلية هو صديقه المقرب، وهو شريك في ملكية مصانع ومحلات في اسرائيل. والداه واخوته يعيشون في غزة. «غزة اليوم ليست لي».. هكذا قال.
تحدثنا في القاهرة بالهاتف فقال: «اعتقد أنه حان الوقت لاحداث تغيير في وعينا. بدل البحث طول الوقت عن من المذنب، يجب البحث عن الذي يمد يده. وبدل تصعيب الامر يجب تسهيله.. ضغط أقل.. كراهية أقل.. حب أكثر».
مدير معبر ايرز، شلوم تسبان، يعرف البواب منذ سنين. فقال: «إنه صهيوني أكثر من الصهاينة». يوم الخميس وضع تسبان باقة الورود في قاعة العابرين في ايرز. وقال البواب: «ليعرف الجميع في غزة أن هذا هو الوقت الذي ننتظره، العيش بهدوء وسلام مع جيراننا الاسرائيليين».
يديعوت ـ 11/9/2015
ناحوم برنياع