لعل قصة القضية الفلسطينية برمتها هي قصة «استقلالية القرار السياسي» تحديدا؛ هذا الترابط المصيري حتّمته الهجرة والشتات الذي تعرض له الشعب الفلسطيني منذ زرع المستوطنين الصهاينة في أرضه، إبان الانتداب البريطاني البغيض.
ولكن ما الذي يدفع بنا إلى استذكار هذه السرديات الأليمة اليوم؟ أما تزال القضية الفلسطينية محل تجاذب قوى وأطراف مختلفة المصالح والأهداف؟ الواقع أن الوضعية لم تتغير يوما واحدا، وما يتغير هم الممثلون وساحات التمثيل لا غير؛ لا يزال الطبق الفلسطيني شهيا منذ طبخه أول مرة في ردهات الأمم المتحدة، تتجاذبه الأيدي والأفواه بتسميات وشرعيات شتى، من الأممية إلى القومية إلى الوطنية إلى التاريخ إلى الجغرافيا إلخ..
اليوم تتقاذف المصير الفلسطيني دوائر ومحاور تغدق المال وتشتري الذمم وتطوّع المواقف وتدوّر الزوايا والاختلافات في كل اتجاه، وصوبَ كل غرض؛ ولأن المرحلة عنوانها التطبيع فقد رُحّل المشروعُ من الأدبيات الصهيونية وخطاباتها لكونها مرفوضة عقديا لدى الشعوب العربية والمسلمة وعقيمة النتائج منذ «كامب دافيد» و«وادي عربة» و«واي ريفر» وأخواتها الخفية، واستنبت له خطاب سياسي وإعلامي عربيان، وخطباء ومروّجون عرب لا تنقصهم البلاغة ولا المال للإشهار والبيع الفاخر.
ولأن أخطر ما في التطبيع هو تليين العرائك وتشذيب الخشونة وتطرية الملامح و«تحسين النوايا»، فقد أصبحت الإقامات الفخمة والاستراحات الحالمة جزءا من «أعراس» المرحلة و«أفراحها»؛ ولا أجد في مرحلة التاريخ الفلسطيني مشهدا أشد تعبيرا عن الصمود الرائع في وجه التطبيع الشرس من مشهد الرئيس أبو عمار في المقاطعة يتحدى صلف شارون على أن يخرج سالما إلى محمية سياسية جديدة تضيع معها شظايا جديدة من فلسطين؛ كيف لا وهو الذي جرّب المنافي القريبة والبعيدة وأدرك بالخبرة والعيان كم تضيق حدود الحركة وهو بين مخالب نظام يزمجر في «المنابر» و»يبيع لكل عابر».
ولمن يستبعدون دورات التاريخ نقول: يكاد التاريخ يعيد نفسه، ويكاد تجار التطبيع أن يفصحوا عن أثمان لمن يريد شراء مواقع مريحة مع تنازلات مريبة قبيحة؛ ولأن الكيّس من اعتبر بغيره، فإن على الزعامات الفلسطينية أن تبطل سحر السحرة بالعودة العجلى إلى الخنادق، وترمم شتاتها بعد تراشق طال أمده وليس في أسبابه غير ولاءات «فندقية» و»سياحية»!!!
ليحزم القوم أمتعتهم ويغادروا الإقامات «الملغمة» ويمجّوا «اللقيمات المسمومة» ومن لم يجد العوض فعليه تحرير القضية من تبعة ضعفه وانكساره، فلا قيمة لملايين لا تقبض إلا ليكون المقابل ضعفا في الصف وهشاشة في الموقف وانشقاقات تتوالد كحـبوب «الأرز»!
وليكن عرفات وأحمد ياسين وكل من استبسل في خنادق فلسطين معْلَمًا للقيادة ورائدا للزعامة، فليس أشد على العدو من مقاومة حرة القرار طليقة اللسان؛ وليس هذا بالمستحيل إذا تجردت الأنفس للقضية، وجعلت البندقية خالصة للتحرير، والمواقف بريئة من كل وليّ إلا لله ثم الوطن.
كاتب من الجزائر
د. جمال حضري