«سرديات الأمة»… نحو قراءة ثقافية للرواية المغربية المعاصرة

حجم الخط
1

يأتي كتاب «سرديات الأمة: تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة في الرواية المغربية المعاصرة» الصادر عن دار إفريقيا الشرق سنة 2017، والممتد عبر 340 صفحة، استكمالا للمسار النقدي الذي استهله الباحث المغربي إدريس الخضراوي بكتاب «الأدب موضوعا للدراسات الثقافية» (2007)، ثم تعمق فيه بكتاب «الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار» (2012). لهذا، فإن هذه الكتب الثلاثة تنهض بمشروع نقدي موحد يستمد أطره ومرجعياته النظرية انطلاقا من الاستناد إلى تياري ما بعد الكولونيالية، والدراسات الثقافية رغبةً في اجتراح مفاهيم جديدة في مقاربة النصوص السردية.

العنوان ودلالته

كان لزاما أن نقف عند العنوان الرئيسي: «سرديات الأمة» من جهة، وعند العنوان الفرعي: «تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة في الرواية المغربية المعاصرة» من جهة ثانية. ويُقصد بالسرديات (Narratologie/Narratology) تلك النظرية العلمية التي عنيت بدراسة الخطاب السردي عبر رصد القوانين التي تتحكم في اشتغاله، وهي حسب تعبير الناقد سعيد يقطين «بحث في (سردية) الخطاب السردي»، وقد أُدخل هذا المفهوم إلى دائرة التوظيف النقدي تحت تأثير المدرسة البنيوية، ويعد تودوروف أول من صاغ مصطلح «علم السرد» سنة 1969 في كتابه «قواعد الديكاميرون»، معرفا إياه بـ «علم القصة». بيد أننا هنا أمام مفهوم جديد للسرديات، خاصة حين أضيف إليها مصطلح «الأمة»، إذ لم تعد تتحدد مهمتها في استكشاف البنيات الداخلية التي تعمل في كل خطاب سردي، وإنما تتجاوز هذا المستوى اللساني الضيق إلى مستوى ثقافي وتأويلي أكثر شمولية، فالزمن تغير، وأصبح كما يقول هومي بابا «زمن الأمة»، وترمز الأمة عموما إلى النواحي الثقافية والحضارية للمجموعة الإنسانية، مثل: التاريخ، اللغة، العادات، الثقافة، الدين. ما يدل على أن الأمم، في حقيقتها، تتشكل من «سرديات ومرويات».
ويبدو أن العنوان الفرعي ما هو إلا شرح وتفصيل للعنوان الأول الأكبر، إذ يتشكل من أربعة مفاهيم تتداخل وتتلاحم في ما بينها، هي: التخييل والتاريخ والثقافة والذاكرة، فكل مفهوم يحيل إلى الآخر ويتضمنه بشكل من الأشكال، ولعل هذا ما ألمح إليه ميرلوبونتي في حديثه عن الذاكرة، حين قسمها إلى نوعين، الأولى تسجل الأحداث والصور والذكريات، والثانية «ميالة إلى الفعل ومستقرة في الحاضر ووجهتها المستقبل فحسب… هكذا، فإن إحدى هاتين الذاكرتين تتخيل والأخرى تكرر». ما يعني أن الذاكرة مركزية سواء في التخييل أو في التاريخ أو في تمثيل الثقافة، هي وعاء لكل تلك العناصر، ما دام أنه لا يمكننا تصور تاريخ ولا تخييل ولا ثقافة بدون ذاكرة.
ترتبط هذه المفاهيم بفضاء سردي/زمني تمثله الرواية المغربية المعاصرة، والمعاصرة هنا لا تحيل إلى ما هو تاريخي يتحدد في الاشتغال على نصوص روائية أنتجت في بداية الألفية الثالثة، بل يوحي أيضا إلى تلك السمات المميزة أو المهيمنة بلغة ياكوبسون التي تكسب لفظ المعاصرة «دلالة قيمية» حسب قول المؤلف، وذلك من خلال انتمائها إلى «الأفق الجديد لهذه المرحلة بأسئلته وأنساقه الاجتماعية والثقافية المغايرتين، وكذلك بما تنطوي عليه من رهانات على صعيد الكتابة والوعي الجمالي».
بهذا الفهم يمكن القول إن المؤلف يحدد مجال اشتغاله من خلال مستويين اثنين: أولهما المستوى الموضوعاتي، أي دراسة ما يتعلق بما هو ثقافي يستوعب التاريخ ماضيا كان أم حاضرا أم مستقبلا، والذاكرة بأسئلتها المختلفة، ثم التخييل في علاقته بتمثيل الذات والآخر. ثم المستوى الزمني، وهو المحدد في الفترة المعاصرة، لكن من المهم أن نشير إلى أن هذا المحدد يرتبط بتاريخ صدور الأعمال الروائية، وليس بما تحيل إليه أحداث الروايات من ارتداد إلى أزمنة ماضية (السبعينيات مثلا). ويمكن تفسير ذلك بأن الرواية المغربية المعاصرة في مجملها تظل مشدودة إلى التاريخ في بعدها الماضوي، لكي تعيد بناء الحاضر والمستقبل وفق تصور جديد يتجاوز القوى المهيمنة والمحتكرة للسرديات الكبرى، إلى خلق «سردية بديلة» تعري وتكشف عن زيف ما قُدم على أساس أنه «حقيقة» انطلاقا مما سماه إدوارد سعيد بـ»القراءة الطباقية»، المُقاوِمة لكل فكر أحادي مكرس لأطروحة ما، غالبا ما تكون «متخيلة» وواهمة.

الخلفية النظرية

إن حقبة «ما بعد الكولونيالية» قد خلقت أسئلة جديدة على الدراسات الأدبية، من خلال تسليمها بأن هناك علاقة وثيقة بين النص والعالم، بين العلامة والمرجع، فلا معنى للقراءة في بعدها النصي المغلق، على اعتبار أن الكتابة تظل منفتحة دوما على الثقافة والتاريخ واللغة. من هذا المنطلق، فإن النقد الثقافي يعد حسب المؤلف مدخلا ملائما لدراسة الرواية المغربية المعاصرة، فيقول: «إن فهم الرواية على هذا النحو، يتطلب إذن مقاربة نقدية ثقافية حوارية تبحث في علاقتها كنص بالكاتب والقارئ والبنيات الخارجية والسياقات الثقافية المؤثرة في الإنسان وتطلعاته وبحثه اللاهث عن الحقيقة». فالكتاب كما يظهر يستفيد من «نقد ما بعد الحداثة»، وينهل من تلك الخلفية الثقافية الحوارية التي تجذر النص في محيطه وسياقه، فهو بذلك يطمح إلى تقديم قراءة ثقافية في الرواية المغربية المعاصرة، بغية الكشف عن الأبعاد الفنية والجمالية والتاريخية والاجتماعية لهذه الرواية.

الآليات المنهجية

إذا تتبعنا مضامين الكتاب وفصوله أمكننا أن نميز بين مجموعة من الآليات المنهجية تبدو في ما يلي: تضمن كل فصل على مدخل وخاتمة، وهذا أمر منهجي مهم يتحقق في الكتاب، إذ يحرص مؤلفه على ذكر الأسس المعرفية العامة المتعلقة بكل فصل على حدة في مدخل عام، قبل الخوض في دراسة النصوص وتفكيكها، ليخلص إلى وضع خاتمة في نهاية كل فصل يورد فيها أهم المعطيات والاستنتاجات التي انتهى إليها. وبهذا التفكير المنظم يمضي المؤلف في كتابه إلى أن يضع خاتمة ومحاولة تركيب للكتاب أجمع. كذلك الحرص على التوثيق، فالناقد يحرص على توثيق المصادر والمراجع، منوعاً بين ضربين من الاستشهادات؛ الأول يضع فيه النص المستشهد به بين مزدوجتين، والثاني ــ وهو الغالب ــ يتمثل في أخذ المعنى والتعبير عنه بأسلوب الباحث الخاص. علاوة على ما سبق يمكن التمييز بين نوعين من المصادر والمراجع الموظفة، كمصادر ومراجع ترتبط بحقل الأدب ارتباطا وثيقا. وأخرى تحيل إلى حقول معرفية أخرى، كالفلسفة والسوسيولوجية والأنثروبولوجية. ثم اللغة النقدية التي تتجاوز اللغة العادية أو الصحافية/المقالية إلى لغة سلسة، بدون أن تحيد عن الدقة والوضوح المنهجي.

متن الدراسة

يتكون كتاب «سرديات الأمة» من ستة فصول أساسية، فضلا عن مدخل وخاتمة. يختص الفصل الأول برصد التحولات العامة التي شهدتها الرواية المغربية منذ إرهاصاتها الأولى التي كانت عبارة عن سرد ذاتي كما يتجلى في كتاب «الزاوية» للتهامي الوزاني (1942)، وكتاب «في الطفولة» لعبد المجيد بن جلون (1957) اللذين مهدا الطريق لظهور أول نص متكامل العناصر والرؤية في المغرب، وهو نص «دفنا الماضي» لعبد الكريم غلاب (1966). وعلى العموم، فإن الرهان الأساس للرواية المغربية خلال مرحلة التكون تبلور، حسب المؤلف، عبر مستويين اثنين، الأول ارتبط بالنوعية، حيث حاولت الاستفادة من التثاقف مع التجارب الروائية العربية والغربية، لإنتاج نص مغربي يتوفر على تقنيات وسمات الرواية. والثاني اقترن بمفهوم الكتابة الملتصقة بأسئلة الواقع، إذ سادت النزعة الواقعية الانتقادية، التي ترد وتقاوم بالكتابة في سعيها لتجسيد الواقع، وتمثيله وإعادة إنتاجه على مستوى النص. وقد تعمق هذا التوجه مع تطور المنجز الروائي المغربي كما وكيفا، وظهور أسماء روائية ساهمت بفعالية في هذا التطور، نذكر منها: أحمد المديني، بنسالم حميش، محمد برادة، محمد الأشعري، الميلودي شغموم، مبارك ربيع، إلخ.

التطبيقات

أما الفصول الخمسة الأخرى، فإنها تتجه إلى دراسة قضايا متنوعة، لكنها تدور في فلك البحث عن هواجس الذات في علاقتها بالذاكرة والتاريخ والهوية من زاوية أولى، وفي تعالقها وتناظرها مع الآخر من زاوية ثانية، عبر تقديم قراءة في إحدى عشرة رواية مغربية، هي .. «طائر أزرق نادر يحلق معي ليوسف فاضل، الناجون لزهرة الرميج، هذا الأندلسي لبنسالم حميش، أبو حيان في طنجة لبهاء الطود، الضوء الهارب لمحمد برادة، امرأة النسيان لمحمد برادة، جيرترود لحسن نجمي، تغريبة العبدي لعبد الرحيم حبيبي، عزوزة لزهرة الرميج، والد وما ولد لأحمد التوفيق، وذاكرة مستعادة لأحمد اليابوري». إن كل روايتين من هذه الروايات ترتبط بشكل عضوي بثيمة معينة، فالرواية الأولى والثانية تتعلقان بموضوع السرد وثقافة الذاكرة، لأنهما تستحضران سنوات السبعينيات، وما كان يمارس فيهما من قمع وتعذيب. والرواية الثالثة والرابعة تستثمران التخييل التاريخي، من خلال الاشتغال على شخصيات تراثية تاريخية. أما الروايتان الخامسة والسادسة فتثيران إشكالية الهوية بواسطة استحضار الآخر أمام مرآة الذات.
وتتجه الروايتان السابعة والثامنة إلى كتابة وتمثيل الهامش الاجتماعي، والغوص في الثقافة الشعبية المغربية. بينما تعالج الروايتان التاسعة والعاشرة قضية الذات في بعدها الأنطولوجي. ولئن كان الناقد قد طبق بعض مفاهيم النقد الثقافي، فإنه بذلك قد تأثر برواد هذا الاتجاه، خاصة إدوارد سعيد في كتابيه «الاستشراق» و»الثقافة والإمبريالية»، وهومي بابا في كتابه «موقع الثقافة»، وبيل أشكروف في كتابه المشترك مع غاريث غريفيث وهيلين تيفن «الرد بالكتابة». بذلك، فإن كتاب «سرديات الأمة» للباحث أدريس الخضراوي يسعى إلى استثمار هذه الخلفية النظرية في نقد الرواية المغربية المعاصرة، موظفاً بذلك مفاهيم النقد الثقافي بمرونة تستجيب للمعطيات الداخلية للنصوص الروائية نفسها، ولا تتعالى عليها. غير أنه يلاحظ أن النصوص المختارة قد غلب عليها الروائيون، في حين أنه لم تحضر بينهم إلا روائية واحدة هي زهرة رميج. وهذا الأمر يثير أكثر من تساؤل عن تمثيلية الكتابة النسائية من جهة، وعن الأدب النسائي بشكل عام من جهة أخرى.

الصوت الروائي الأنثوي

يحضر صوت المرأة في كتاب «سرديات الأمة» من خلال روايتين لزهرة رميج، رواية «الناجون» ورواية «عزوزة»، في مقابل حضور تسعة نصوص روائية لكتاب آخرين، وهذا يدل على أن الرواية المغربية المعاصرة بقدر ما تسعى إلى طَرْق مواضيـــــع وتجريــب أشكال جديدة في الكتابة، فإنها تحتاج في الوقت الراهن إلى روائيات قادرات على ارتياد عالم الكتابة الروائية بوعي وتبصر وقدرة على إنتاج نصوص تضاهي، بل وتتفوق على ما ينتجه الرجال.

٭ باحث مغربي

«سرديات الأمة»… نحو قراءة ثقافية للرواية المغربية المعاصرة

سعيد الفلاق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية