يظل موضوع الجسد أثيرا في السينما العربية، وباعثا على مقاربات تتجاوز فكرة التابو إلى التعاطي مع مشكلات اجتماعية يكون الجنس وسيلتها التعبيرية الناجعة، والأكثر تمثلا لإشكالاتها النفسية والسياسية والأخلاقية، فضلا عن كونها الأكثر إثارة للجماليات البصرية التي يطرحها الخطاب السينمائي.
والفيلم الجديد للمخرج المصري خالد الحجر «حرام الجسد» يقع في فخاخ هذه الثيمة، وفي إشكالاتها السردية والفكرية وحتى الفنية، فالجسد هنا مجال تعبيري مفتوح للتعبير عن أزمة اجتماعية معقدة، حيث الوقوع في شرك «خطيئة الجسد»، وحيث المحاولة البصرية لاصطناع موقف نقدي مضاد من السلطة والمجتمع والطبقة والفقر.
الفيلم يحتمل قراءات متعددة، وزوايا نظر تختلف حول معالجة المخرج للفكرة، وحول توظيفه لمادة السيناريو، ولتقانات الصورة، فالأحداث تتجوهر حول الجسد، وهو ما يجعلها البؤرة المولدة للأحداث، إذ عمد المخرج إلى وضعها في سياق خاص له علاقة بمحنة الشخصيات العاطفية، وفي سياق عام من خلال تعاطيه مع مشكلات سياسية واجتماعية عميقة عاشها المجتمع المصري، لاسيما بعد أحداث 25 يناير/كانون الثاني، إذ بات هذا الزمن السياسي موضوعا عاما، تتعدد الآراء حول توصيفه الثوري والاجتماعي والقيمي، كأن المخرج أراد من خلال وظائفية الجسد أن يُلفّق أحداثا ومواقف وقراءات تتسق مع رؤيته للثورة، عبر الكشف عن»جوانيات» الشارع الذي تعيش عوالمه شرائح اجتماعية مسحوقة وحالمة بخلاص قد لا تكون له علاقة بالثورة أصلا، لكن خصوصية الفيلم هي ترحيل فكرة الشارع الضاج، إلى فكرة المزرعة المعزولة، حيث تكون الشخصيات أكثر تمثلا لمحنتها، وأكثر توقا لما يشبه «الثورة» الباعثة على الخلاص.
يرسم المخرج الحجر منذ اللحظات الأولى للفيلم وقائع تشي بتداعيات أحداث الثورة، حيث هروب السجناء بعد اقتحام الجمهور الغاضب للسجون، إذ يهرب الشاب «علي» مع الهاربين إلى المزرعة التي يملكها المهندس الثري مراد، لتبدأ ثيمة العلاقة/ الخطيئة بين علي وفاطمة زوجة إبن عمه حسن، التي تحظى باهتمام «مراد» الذي تعمل عنده العائلة، إذ يساعدهما على الحماية، وممارسة علاقاتهما، وصولا إلى ارتكاب جريمة قتل الزوج حسن بعد إعطائه جرعة زائدة من»الفياغرا» بعد افتضاح أمر علاقتهما، ليعيشا رهاب»خطيئة ماكبث» من جانب، والخضوع لسطوة مراد ولرغباته الجنسية من جانب آخر.
المادة الدرامية/ صراعية للفيلم تعيدنا إلى أجواء العزلة، وصراع الشخصيات وسط هذه العزلة، وهي ثيمة تكررت كثيرا في السينما المصرية، إذ كثيرا ما تبدو الجريمة والحرمان والرغبة عناصر درامية مهمة لتشكيل الأحداث وتصاعدها، وكأنها تختصر فكرة الخطيئة الإنسانية وتضعه أمام العقاب الإلهي، ورغم أن المخرج والمؤلف خالد الحجر وجدا في أحداث ثورة 25 يناير نوعا من السينوغرافيا لترسيم وتضخيم تمثلات وحداته الدرامية في الفيلم، وتحويل الشخصيات إلى أضحيات، والى سيمياء للحرمان السياسي، إلّا أن الأحداث تظل قريبة من أحداث معظم أفلامه السابقة، «أحلام صغيرة، قبلات مسروقة، الشوق، حب البنات»، حتى بدت سردية الحرمان العاطفي هي الجوهر النفسي الذي يشتغل عليه، وينطلق منه لتبرير الصراع والجريمة والبحث عن الحرية..
الثيمة والشخصيات
تواجه شخصيات الفيلم الأربع أزمة وجودية ونفسية، مثلما تعيش تقاطعا طبقيا، وبعض ما يتساقط من الأوهام الثورية التي بدت ملفقة إلى حدٍ ما، فالبطل «علي» التي أدّاها الممثل أحمد عبد الله محمود، الهارب من السجن بعد حكم 25 سنة بتهمة قتل «الخفير» بسبب علاقته مع حبيبته «فاطمة» يتمثل كل مظاهر الشخصية الإشكالية، فهو شخصية فارغة، هامشية وعنيفة، وسادي في علاقته الجنسية، فضلا عن أن السجن – بقيمته الرمزية- صنع منه شخصية أكثر ميلا للعنف والاستعداد للقتل بدالة مظهره، وبسلوكه وحرمانه.
وشخصية «فاطمة» التي أدّتها الممثلة ناهد السباعي تميل إلى أنموذج المرأة المحرومة، والباحثة عن إشباعات غرائزية، والتي تجد في عطالة فحولة زوجها نزوعا لهذا الاندفاع الذي يقودها للخطيئة مع «علي» والخضوع الجنسي في علاقتها مع مراد، وهو ما يضعها في سياق الشخصيات «الأضحوية» التي تدفع حياتها قربانا للرغبة والخطيئة في سردياتها التطهيرية المقدسة. شخصية المهندس الثري مراد التي أدّاها الممثل زكي فطين عبد الوهاب تُجسّد أنمودج الفساد في الشخصية البرجوازية داخل المجتمع المصري، التي وجدت في تعبير الابن الاحتجاجي بـ»أنكم من الفلول» التوصيف الدقيق عن مرجعياتها وعن خمولها وسقوطها الأخلاقي، فهي يعتدي على «فاطمة» بوصفها الشخصية التي تمثل الشريحة المسحوقة في المجتمع، مثلما هو الشخصية الاستحواذية على الأمكنة «المزرعة والفيلا». وشخصية «حسن» التي أدّاها الممثل محمود البزاوي، تحمل الكثير من التشوه الجنسي، وأن العطب في فحولتها يتحول إلى رمز سياسي من خلال توظيفها الرمزي للعديد من القوى التي تعيش أزمة وجودها الداخلي، وأزمة فرجتها المُعذَبة، وأزمة نهايتها قتلا من القوى الجديدة الشَرِهة، والمحرومة والباحثة عن إشباعات مُضلِلة.
وباقي الشخصيات لا تعدو أن تكون سوى ظلال للشخصيات الرئيسة التي تفرض هيمنتها على الأحداث، مثل شخصية الأم- الممثلة سلوى محمد علي- التي تعيش برودها الجنسي ونمطيتها الطبقية، وشخصية الابن- أحمد العدوي- الملفقة في انحيازها لفكرة الثورة، وحتى هروبها من الشباك للالتحاق بالمتظاهرين تبدو غير موفقة إلى حد كبير..
الزمن الروائي هو ذاته الزمن السياسي، والعلاقة بين الزمنين هي ذاتها العلاقة الشوهاء بين الشخصيات، فـ»سنة وثلاثة أشهر هو زمن الثورة»، لكن تحوّله إلى زمن درامي يحتاج إلى معالجة خارج هذا الزمن، إذ يمكن توظيف تقانة الفلاش باك لاستعداء أحداث معينة بوصفها مادة ميتا ـ زمنية أو ميتا ـ نصية لتشكيل مُقنِع للأحداث وتحولاتها. وحتى المكان الذي اقترحه المخرج والمؤلف خالد الحجر، انحصر بين وحدات تصويرية أراد لها أن تكون أكثر تعبيرا عن فكرته، والتي تخص محنة الشخصية التي تعيش حرمانها ومحنتها داخل عزلة المكان ومحنته، وضمن علاقات اجتماعية مسكونة بالخوف والتوحش والحرمان، وحتى فضاء الثورة لا يحتمل أن يكون إلّا شيفرة خارجية لفكرة تظهير الذات والمكان، وللبحث عن «منقذ» لهذه الأزمات التي تعيشها الشخصيات، وهو بالمناسبة الأسلوب ذاته الذي درج عليه خالد الحجر، حيث التمحور حول أزمة شخصياته السينمائية وعبر إبراز أزمات هامشيتها وحرمانها الجنسي والعاطفي.
ناقد عراقي
علي حسن الفواز