سرديات الهوية واغتراب الشخصية عند الكويتي عبد الله البصيّص

حجم الخط
0

يفترض الروائي الكويتي عبد الله البصيّص فضاء استعاريا مفتوحا لسردياته، إذ يلجأ عبر هذا الفضى إلى مخاتلة الواقع، كاشفا عن مقموعاته وسرائره، وعن استثمار طاقة السرد لتعرية ذلك الواقع، تمثلا لحيواته الملتبسة والمشغولة بالبحث عن معنىً لوجودها، ولما يضج فيها من صراعات واشتباكات واستلابات.
في روايته الجديدة «ذكريات ضالة» الصادرة عن المنتدى الثقافي/ بيروت 2015 يتوسع مستوى الحكي ليكون أشبه باللعبة التي تقود الأحداث إلى المغامرة، حيث كشف ما هو خبيءٌ خلف حُجب اجتماعية وسياسية، إذ تتبدى التحولات والإلماحات من خلال ما تعيشه شخصياتها المفجوعة والمُعوَقة، مثلما تتبدى عوالمها السرية من خلال منظورها السيميائي الذي يؤدي وظائف الكشف عن مفارقاتها على مستوى الوصف والتعبير، فكل ما يجسد تلك العوالم يتراءى بوصفه علامات تتمثلها ثيمات التحول والصراع، وتجسّد مظاهرها الصراعية عبر تجليات المكان والشخصية، وعبر ما تعيشه من تقوضات تمسّ وجودها ومصائرها..
العتبة الروائية تبدأ من العنوان المخاتل – الذكريات الضالة-، ومن عتبة المقدمة التي كتبها الروائي نفسه- بقلم الكاتب عبد الله البصيّص- إذ تبدو شيفرة الذكريات أكثر إثارة حين تقترن بالضلال، الذي تعيش اسقاطاته الشخصية الروائية، مثلما تجسد المقدمة نصا آخر يستلهم تقانة التواصل الاجتماعي/عبر تغريدات تويتر مع شخصية غامضة تحمل اسم (المُعذّب) الذي تسلّمه رواية مكتوبة، يقول عنها بأنها روايته الحقيقية، وأنها تقوم على ثيمة الاعتراف والتطهير من عذاباته وصراعته التي عاش نقائضها، لغرض طبعها، من دون إشارة لاسم كاتبها، حيث يتحول هذا النص/ الرواية – مجهول الاسم- إلى موجّهٍ سردي يقود الأحداث، ويُعرّي عوالم الشخصيات التي تتبلسها أوهام وأقنعة وجودية وهوياتية، مثلما يضعها في السياق الروائي بوصفها تمثلات لشخصيات/ أضحيات لهذا الضلال..
تقانة (الميتاسرد) التي اعتمد توظيفها الروائي في بداية الرواية بدتْ وكأنها محاولة مراوغة لاقتراح مؤلف آخر للرواية، إذ يمكنه كتابة شهادته من دون رقيب، والأكثر تعبيرا عن مواقفه الساخطة والرافضة، فضلا عن كونها الأكثر تورية لوجود الروائي الأصلي، بعيدا عن المباشرة، ونزوعا لاعتماد التمويه حتى لا تنفلت الأحداث، ولا تكون تداعياتها تعبيرا عن تعرية ما يتساقط من عوالم تلك الشخصيات المسكونة بالواقع، ولكي تضع قارئها أمام بؤر تُحفّز وعيه للتعرّف على مستويات الحكي المخضبّ بشيفرات الوجع والفقد، وأمام مبنى سردي تتمثل وحداته التعبيرية والدلالية إلى ما يشبه صياغة نص في الاعتراف العيادي، بالمعنى النفسي، إذ يمارس الراوي صاحب المخطوطة/ الرواية عبر هذا النص وظيفة السارد الموضوعي المُعذَب فعلا، الذي يحاول جرّ الأحداث والصراعات إلى فضاء سرده الشخصي، وإلى لعبة تعرية واقع المجتمع الكويتي ما بعد أحداث غزو الكويت عام 1990…
رواية «ذكريات ضالة» تدور حول ما ترويه الشخصية الرئيسية (الملازم سلمان بدر الراجي) من أحداث فيها الكثير من الجرأة والمفارقة والسخرية، فهي لا تروي تاريخا عموميا، بقدر ما تكشف عن عوالم سرية وشخصية وإنسانية، وعن وقائع جوانية للحياة العميقة في المجتمع ونقائضها، فهو ضابط في المؤسسة الأمنية ومَعْنيٌ بكشف الجرائم الأخلاقية والجنائية، لكنه يصطدم بعالم سري/ مسكوت عنه، وحياة تضج بالكثير من المفارقات داخل عوالم المدينة «اصطدنا الكثير من مهربي المخدرات، ونبشنا العديد من شبكات الدعارة بقواديها المرموقين، وقواداتها الشمطاوات الداعرات، وعثرنا على مشعوذين بصورة رجال دين مطمئنين بالإيمان، ضبطنا سيارات مسروقة، عقاقير مخدرة، اكتشفنا مصانع خمور تقليدية، صادفنا عاهرات مُسنّات وشبابا صغارا يتعاطون أخلاطا غريبة ويمارسون الشذوذ، وفتيات مثل قطرات المطر ينغمسنّ في الوحل، ربات بيوت عشيقات، وآباء سكارى، نساء يرغبنّ بالنساء، كنّا نجد كل يوم شكلا قبيحا للحياة، منظرا كئيبا للعالم البشري». مثلما يصطدم أيضا بسرائر عالمه المؤسسي، وعوالم شخصياته التي تمثل برمزيتها علامة على السلطة والقوة والصيانة، فهو يجدها أكثر تناقضا، وأكثر نزوعا لخرق المركز السيميائي الذي كان يهابه ويخشاه ويحتفي به «استغربت لدى رؤيتي كؤوس الخمر تلمع بين أصابعهم، الخمر ممنوع في الكويت، ويُعاقب عليه القانون، وهؤلاء رقباء القانون ومُطبّقوه، ينتهكونه، انتبه العقيد إبراهيم لتردد نظراتي المستغربة على كؤوسهم، وقال مازحا: لا تكن مثاليا يا فضيلة الشيخ سلمان».
الثيمة الصراعية للرواية ذات العتبة (البوليسية) تبدأ بعد اعتقال المجرم سارق المصارف الشهير باسم (المنشار) الذي «سرق ذهب زوجة القائد العام للشرطة» وسرقة سيارة ابنه المدلل، لكنه يعيش صدمة المفاجئة حين يجد أن السارق (المنشار) هو صديقه القديم (حميد شاكر) لتتداعى الأحداث، ويعيش معها تصاعد هواجس الداخلية وانثيالات عالمه الخاص، عبر الكشف عن صفحات من طفولته المشوهة داخل عائلته وصراعه مع الأب الغرائبي السلوك، الذي يكره أمه، حيث يلجأ إلى ما يمكن تسميته بالعنف التعويضي/الرمزي عبر قتل الكلاب الضالة بطريقة مرعبة، تلك التي امتدت إلى سلوكه العنيف في تعامله مع المعتقلين، أو عبر توظيفه لشخصيات أكثر رعبا، مثل الرقيب نصار و(الصهيوني) في انتزاع الاعترافات من السجناء والمعتقلين..
اعتقال (المنشار) أو (حميد شاكر) هي المفارقة السردية في المجرى الروائي، فهو شخصية لا تملك تاريخا جُرميا، بل شخصيته المتزنة تعكس انضباطه وتهذيبه، فهو ابن ضابط في الجيش الكويتي، وأنّ سكنهم الجديد قرب بيت سلمان أعطى لحياته ايقاعا آخر، إذ بعث سلوكه على الكثير من الأعجاب بشخصيته، مثلما كانت (شقيقته/ صفاء) هي حبيبه الأولى، كما أن شخصية والدته الجميلة أبهرته بحضورها وجمالها ورقتها..
اصطنع الروائي لشخصية حميد شاكر بعدا أخلاقيا في رمزيتها، إذ قدّمها بوصفها شخصية مثيرة في حضورها وأناقتها، فضلا عن كونها شخصية قوية أيضا، منعت عنه الاعتداء الجنسي في الحمام من قبل (فهد الفرج ومرزوق المغربية) وأنقذته بعد أحداث الغزو حين أبعده حميد عن طريق الدبابة، مثلما كان لها تأثير نفسي في تغيير طباعه العنفية وعادته السيئة في قتل الكلاب الضالة، لكن الروائي بالمقابل وضع شخصية حميد في سياق اغترابي، إذ هي تعيش محنة الحرمان من الحقوق والهوية والشك بولائها، فهو من (البدون) وهم فئة تعيش بنوع من الهامشية، وليس بوسعها القيام بأي عمل لتغيير وضعها، وربما كان تمردها وسلوكها الجنائي يأتي ضمن سياق التعبير عن هذا الإحباط الاستلاب..
يمكن وصف هذه الرواية بأنها رواية شخصيات وأحداث، فالشخصية تتشكل داخل الحدث، تتلبس بلبوسه وترسم لها بعدا توصيفيا، يُعبّر عن سيميائيتها المتشظية، وعن فصامها، بل أن السارد (سلمان) يجد في هذا التوصيف تنافذا مع أزمة وجدانه المسحوق، والرافض لكل تمثلات الواقع الذي يعيش مظاهره الخادعة، فهو يجد نفسه في نهاية الرواية أمام مفارقة مواجهة هذه التملات، ويمارس إزاءها نوعا من النزوع التطهيري الفائق القسوة، حيث يعبّر عن رفضه لكل مظاهر الاستلاب، متمردا على مؤسسته، وعلى توصيفه الوظيفي، فيقوم بقتل الشرطي (الصهيوني) و(الرقيب نصار)، ويُهرّب (المنشار) عبر تهريب (قناع صديقه القديم حميد شاكر) مثلما يقوم بدهس رمزها العقيد إبراهيم، ليلقي بنفسه من أعلى الجسر منتحرا وعاجزا..
رواية «ذكريات ضالة» نص في الكوميديا السوداء، والنقد العميق للواقع، إذ تتبدى من خلالها صورة غامرة بالوجع الإنساني، والرؤية المُضلِلة التي لا يرى عبر خداعها سوى سلسلة من الاستلابات التي يعيشها المكان/المدينة/ المؤسسة، وتعيشها الشخصيات الأكثر عرضة للمحو والقسوة والاغتراب..

ناقد عراقي

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية