بيروت ـ «القدس العربي» من زهرة مرعي: بدا رجل الدين والكاتب المطران جورج خضر متواضعا، دافقاً بالخجل الروحاني وسط حشد من رجال الدين من كافة الملل، على هامش تكريمه في قصر الاونبيسكو في بيروت، عرف خضر بمساهماته الفكرية التي انتقدت الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان، واعتبر «مكافحة الفقر هو المشروع الوطني الأكبر».
وهو من قال أيضاً «إن سحر لغتنا العربية يلهينا عن التخاطب الحق واللقاء الحق بين المحروم والمحروم حتى يمنّ الله على الأغنياء بلغة الرحمة». في تكريمه الرسمي، السياسي والثقافي، كانت شهادات قرأت في أطياف كلماته وأفكاره لتقربها أكثر وتثني على صوابيتها. جاء التكريم من «ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار» وهو من مؤسسيه. والمتحدثون في غالبيتهم رجال دين، باحثون ومختصون بعلم الأديان، جميعهم نعموا بمعرفة شخصية وفكرية مع المطران، وخاضوا إلى جانبه نقاشات تُدّعم ضرورة معرفة الآخر والتقارب معه، وصولاً إلى التواصل الإيجابي. رئيس ملتقى الأديان والثقافات السيد علي فضل الله قرأ في أفكار المؤسس، وصفه بالـ»موسوعي، المتوحد في مسيحيته، المنفتح على الإسلام بفكره.. أطل على التوراة بأبعاد إنسانية بعيدة عن العنصرية.. إحدى مشكلاتنا أن رموزاً من رجال الدين قانعون بما تلون لديهم من صور سلبية عن الآخر وأفكار مسبقة». وقرأ من أقوال خضر في الموضوع عينه «التعرّف إلى الآخرين يجعلنا نرى إشعاعات الله في نصوصهم». ولفت إلى أن «حرّاس الطوائف في لبنان يخافون من أفكار خضر». ذلك أن «الأديان في مفهومه ينبوع يتدفق منه الحب.. يحرر من زنازين الطائفية. والتعصب شعور قبلي». وفي مزيد من التوضيح لتوصيف المطران خضر للتعصب، فهو من خلال رؤية أنفسنا بأننا نمتلك الحقيقة المطلقة، ولا نرى نقطة ضوء لدى الغير. وينقل فضل لله عن خضر قوله، إن الاختلاف هو «سر الله في خلقه». وبالدخول إلى واقعنا الحالي يردد فضل لله في شهادته بأن المطران يرى «المتدينين يتحملون مسؤولية في هذه المرحلة للتصرف كإطفائيين لإسقاط ثقافة الكراهية، وإلاّ النار ستحرق الجميع». ومن أفكار المكرم ينقل رئيس ملتقى الأديان والحضارات عنه مواقفه الثابتة في الصراع العربي الصهيوني. للقدس رمزيتها وقدسيتها، يرفض حلاً يسلخها عن فلسطينيتها، وله قول مشهور «الدم الفلسطيني أعز علينا من المعابد».
من شهادة لرجل دين إلى أخرى لأكاديمي وباحث مختص في الإسلام رضوان السيد، قرأ المطران، من خلال وقائع استخلصها من حواراتهما واللقاءات التي جمعتهما، ووصفه بأنه «الأعلم في اللاهوتيات الإسلامية والمسيحية». وتوقف السيد عند النهضة التي خاضها الاورثوذكس من فلسطين إلى سوريا ولبنان، ليقول بأن الأورثوذكسية في محنة بعد تفكك يوغوسلافيا، والإسلام يمر بأزمة صعبة بعد فشل الدولة المدنية.
وكانت قراءة في شخص المكرم للأب ميشال جلخ، ألقت الضوء على سعة اطلاعه ومعرفته في الأدب، السياسة، الفن، الدين والحب. هو الكاتب الذي ينقل معرفته للآخرين من دون تكلف ولا تزلف، إلى شهادة من رباب الصدر اعتبرت فيها المكرم من الرموز الراسخة لديها منذ أمد بعيد.
تكريم لابن طرابلس البار الذي ولد ونشأ في أحيائها الشعبية، ورفض مغادرتها إلا عند الضرورة، رجل دين يسابق المدنيين في إدراكه، مع ندرة من رجال الدين، أن علة لبنان في نظامه الطائفي. جهد يثابر عليه خضر رغم مناعة طبقة الطائفيين من أهل السياسة المتمسكة بتلابيب الطائفية لمصالح خاصة.