■ تعتمد كاتيا الطويل في روايتها «السماء تهرب كلّ يوم» على لازمة ولّدت معاني الرواية ومبانيها، وشكّلت منوالا تسير عليه الروائيّة في عموم الرواية وخواصّ الفصول، وهذه اللازمة هي «الناسُ علّة المصائب، حتى اللّه مصائبه سببها الناس»، من خلال شخصيّات تتداول على كرسيّ الاعتراف في كنيسة، لشكوى حالها وعرْض مسارها، وتفريغ آلامها، ولكنّ العجيب في هذا السرد أنّنا إزاء طبقات من الرؤية السرديّة، عمادها وأساسها، كرسيّ الاعتراف، الجماد، الذي يتحوّل بفعل السرد ناطقا، شاعرا، مُبئِّرا، راويا بإدراكٍ وتَمَثّل، حيث نسمعُ من الأصوات مختَلفها ومتنوّعها، ونرى من الشخصيّات عدَدها وتحوّلَها، إلاّ أنّ السارد الرئيس ومحرّكَ السرد، هو كُرسيّ الكنيسة المسيحية، هو مكان الاعتراف، وجالب الشخصيّات بشكل تلقائيّ، لتفريغ الذنوب والآثام، والتخلّص من ذنوب الحياة بواسطة الاعتراف.
كيف يُمكن لكرسيّ أن يستوعب حيوات، أن يمتصّ حكايات، أن يُنصت لهموم أناس، أن يحسن الإصغاء ويُحوّل الاعتراف إلى قصص، ذاك ما استطاعت كاتيا الطويل أن تفعله في روايتها الأولى، أن تجعل الجماد يتفاعل مع إحساس البشر، أن تُحوّل الصامت صائتا، أن تُوظّف كرسيّ الاعتراف للسرد، حكايا عديدة ننصت لها، من خلال الكرسي، الكرسيّ يتحوّل إلى سارد، يُنصت وينقل، ويتفاعل، ويتأثّر، وذاك لعمري أمرٌ في الرواية مُثير.
الكرسيّ المبئّر، يتحوّل إلى سارد ناقل، وهو الجماد، كيف للجماد أن يتفاعل مع ذوات من البشر، أن يأنسَ بعضها، ويمقت البعض الآخر، أن يُدرك من القول ومّما وراء القول هواجسَ الشخصيّات وتواريخها وأحاسيسها، وباطنَها وظاهرها، فالراوي الكرسي، يتولّى فعل السرد، بدون أن تنطق الشخصيّة بذلك، هو الصوت والرؤية وإن استعمل رؤية الشخصيّة، «أنا مقعد خشبيّ مهترئ صرت فجأة أشبه البشر… صرت مثلهم أشعر بالملل والبؤس والحقد». «شعرتُ بدموعها تُبلّل عظامي الخشبيّة المهترئة، شعرت بقبضتها القويّة مشدودة على عنقي، تُحاول نقل ألمها واختناقها إليّ».
كُرسيّ كاتيا الروائية هو ضميرنا، هو إصغاء لحكايات تمرّ بنا ولا ننتبه إليها، هو الحياة تمرّ من جوانبنا، بدون أن نشعر بها، امرأةٌ تعرضُ حالَها وتَحوّلها، من عالم الفضيلة البائس إلى عالم الفنّ وفقدان الذات، سلفيّ متديّنٌ مُتفجّرٌ يأكل من السرد فصلين، يُجادل في أمر الدين، ويُبدي تعصّبه، ثم يعود ليروي حكايته، «نصف المسلم» وهي عبارة يُمكن أن تحيلنا إلى تصوّر سائد أنّ المسلم هو الإرهابيّ والمسلم المؤمن لظواهر التشدّد هو نصف مسلم، نصف السارق، أو هو السارق الذي يضع مسار حياته أمامه، «نصف الأنثى»، وكأنّنا لا نقرأ قصصا لطبائع كاملة، وإنّما هي الحياة أنصاف، الأنثى نصف، والسارق نصف، والمسلم نصف، لا كمال في الحياة ولا في القصص.
كيف لكرسيّ في ثقافة مسيحيّة قائمة على البوح والتفريغ، أن يضمن كلّ هذه الحكايات، أن يمتصها، ويحولها غفرانا، أن يتمثّل حيوات وأنفسًا، على اختلاف مللها ونِحَلها، ويُحوّلها من عالم الحدوث العينيّ إلى عالم الكون السرديّ، يتحوّل بما سخّره له السارد إلى سامع في درجة أولى، ثمّ متفاعل في درجة ثانية، ثمّ سارد يروي قصّته وقصصا من جانبه في درجة ثالثة. «وانقلبت الأدوار فجأة. أصبح هو سيّد البيت الكبير البارد، وأنا الضيف الخجول القادم من بعيد ليتكلّم بأخباره. انقلبت الأدوار على غفلة منّي. أصبح هو المستمع الأبديّ القابع في ركنه البارد، وأنا التائه الذي يبحث عن قصّته من بين مئات أو ألوف القصص التي مرّت به. قصّتي أنا؟ ليست لي قصّة، لا أذكرها ولا أجيد سردها».
يستقبل الكرسيّ مشاريعه السرديّة، يُبئّرُها، يصفها، وينطقُ نُطقها، ينقل اعترافها، وهي تخال ألاّ جماد يقدر على نقل ما تبوح به للّه، طلبا لتفريغ شحنة الحكايات الضاغطة. «مرّت الذكريات أمام عينيها، وكأنّها فيلم سينمائي دقيق الإخراج يُظهر أدقّ التفاصيل، تذكّرت قريتها وبيتها وزاويتها الصغيرة المنعزلة التي كانت تستلقي فيها لتقرأ كُتبها. أحكمت قبضتها على عظامي الخشبيّة الباردة، وكأنّها تستمدّ منها القوّة لإكمال الفيلم، شعرت بالألم».
يتعثّر السرد أحيانا بسبب طول الجملة وفراغها الحدثيّ، وذاك من العلل التي خفّفت من ألق الرواية. ففي أقسامٍ من الرواية يحلّ برودٌ سرديّ، إذ تثقل العبارة، ويغيب عنصر الإمتاع، تبدو الشخصيّات أحيانا حمّالة أفكار الكاتب بشكل واضح وصارخ، والحال أنّ الشخصيّة وجب أن تتستّر وأن تتمثّل ذاتها، وأن تُمثّل حالها في مُعلَن السرد، وإن كانت في العمق صنيعة الكاتب ومُكوَّنه. فرؤية الإله العليم، الذي سيطر على السرد، واتخذ مظاهر شتّى لم يُمكّن الشخصيّات من أن تنفرد بلغتها ولا بمعجمها ولا برؤيتها، من ذلك التدخّلات العديدة لصوت الراوي ورؤيته مبديا حُكمه، ومُغلِّبا رؤيته وموقفه، من ذلك ما ورد في الرواية، «لسان المرأة هو السكّين التي تقتلها، هو الضربة التي تشلّها، ولن تفهم هذه الكائنة المسكينة الحقيقة يوما. اللّسان في الواقع هو السكّين التي تقتل كلّ إنسان، المرأة والرجل، هو الزلّة التي تتيح المجال أمام الضربة الفاتكة. وكلام المرأة يؤذيها أكثر ممّا يؤذي الرجلَ كلامُه. فالرجال عموما عندما يتحدّثون في ما بينهم لا يتناولون نقاط ضعفهم».
يفقد السرد ألقه بسبب ثقل الجملة السرديّة، وغلبة الفكرة على طريقة صياغتها سردا، وذاك من الأمور التي عطّلت القراءة أحيانا، إلاّ أنّ قيمة الرواية في إنطاق الجماد، وتحويله إلى شخصيّةٍ أساس، ومبئّرٍ رئيس.
روايةٌ جديرة بالقراءة، تُبشّر بجيل في الكتابة له منظورٌ مختلف، يُتقن السرد، ويُحكم أدواته، ويفتح فيه منافذ مُرغِّبة. من بساطة الفكرة وعمق التمرّس بشخصيّات مأزومة أسريّا أو اجتماعيّا أو عقَديّا، أو حياتيّا. يتكوّن سرد الرواية نحو استبطان الشخصيّات وبيان مآسيها وعللها، فيتراكم السرد قدرةً على جعل الناظر جمادا متحوّلا، وعجزا عن إحداث فوارق في معجم الشخصيّات ورؤاها بسبب هيمنة الراوي الإله.
٭ أستاذ في جامعة السلطان قابوس
6gar
محمد زرّوق