إن أول ما يتبادر الى ذهن المتابع للشأن التركي هو أن السر في تغير الموقف التركي من المشاركة في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام مرده الى نجاح الحكومة التركية في إطلاق سراح الأتراك الذين كان يحتجزهم التنظيم، لكن لا ليس هذا هو السبب الرئيس لتغير الموقف التركي من المشاركة في التحالف..
صحيح أن إطلاق سراح الرهائن الأتراك قد أعطى الحكومة التركية حيزا كبيرا للمناورة لجهة توسيع دورها في هذا التحالف بعيدا عن الخوف على مصير مواطنيها المحتجزين لدى التنظيم في العراق لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا الآن فقط نجحت المفاوضات في إطلاق سراح الأتراك ..؟
خاصة وأن الحلف الدولي كان قد تشكل وتنظيم الدولة يدرك أنه يمتلك ورقة تمكنه من الضغط على الحكومة التركية ..!
إن مما لاشك فيه أن لغة المصالح هي المفتاح في تعاطي الحكومات المنتخبة من الشعب والتي تضع المصلحة العليا لبلادها فوق أي إعتبار فالحكومة التركية وبقيادة حزب العدالة لا ينقصها الحنكة والذكاء في التعاطي مع الشأنين السوري والعراقي فهي ومنذ اليوم الأول للأحداث إنخرطت ورغما عنها في هذين الشأنين لأنها لم تكن بمنأى عن تداعيات ما حدث ويحدث في العراق والشام.
بغض النظر عن الشروط التي لم يكشف عنها وتم بموجبها إطلاق سراح الرهائن الأتراك فإن كلاً من تنظيم الدولة والحكومة التركية يدرك أهمية الطرف الأخر بالنسبة له والحاجة الماسة اليه فالتنظيم يجد في تركيا عمقا استراتيجيا لا غنى عنه وهو بحاجة الى تساهل الحكومة التركية مع الكثير من التحركات والأنشطة التي يحتاجها التنظيم بينما تدرك الحكومة التركية أن تنظيم الدولة يكاد يكون الورقة القوية الرابحة في يدها للتعامل مع النفوذ الفارسي في المنطقة إضافة الى الكابوس المقلق المتمثل في سعي الأكراد لإنشاء دولة قومية تمتد حدودها من شمال غرب ايران الى جنوب تركيا مرورا بشمال شرق وشمال سوريا..
من هنا كان إطلاق سراح الرهائن الأتراك بمثابة صفقة جنبت الطرفين الصدام المباشر واتاحت لكليهما حرية التحرك فيما يخص الحرب متعددة الأطراف والأهداف في كل من العراق والشام، فمشاركة تركيا كانت ستضع تنظيم الدولة في موقف حرج يجبره على إعدام بعض أو كل الرهائن الأتراك وهو مالايريده كلا الطرفين فحشر أحدهما للأخر في الزاوية كان كفيلا بإحراج كليهما ودفعهما الى مواجهة مباشرة لا يرغبان بها على الأقل في الوقت الحاضر..
تركيا اليوم بحاجة للمشاركة في التحالف الدولي لأكثر من سبب فهي وبحدودها المباشرة مع كل من العراق وسوريا ستتأثر وبكل تأكيد بما ستفرزه الأحداث والحرب الطاحنة في كلا البلدين خاصة وانها حرب ينخرط فيها بشكل أو بأخر وعلى أقل تقدير 13 جهاز إستخبارات دولي وإقليمي تتبع كل من الولايات المتحدة، إسرائيل، إيران، روسيا، بريطانيا، فرنسا، المانيا، سوريا، السعودية، الإمارات، الأردن، قطر إضافة لتركيا.
تركيا تدرك ان عدم مشاركتها في هذا التحالف سيحرمها من فرصة التدخل على الأرض لاحقا في حال إقتضت مصلحتها التدخل لسبب أو لآخر هذا من جهة، ومن جهة أخرى فتركيا منخرطة في هذا التحالف شأت أم أبت فحدودها الطويلة مع كل من سوريا والعراق إضافة الى وجود قاعدة إنجيرلك الجوية يجعلانها لاعبا رئيسيا يستطيع فرض شروطه في حال المشاركة بينما سيكون الوضع صعبا جدا وسيتم إزعاجها وتهديد أمنها القومي بكثير من الملفات الشائكة فتركيبة المجتمع التركي وتعدد إثنياته يجعلان منه أرضا خصبة وعرضة لأي تدخلات خارجية قد تثير النعرات الطائفية والقومية فيه وهو ما سيؤدي الى ما لاتحمد عقباه ليس أقله تفكك الدولة التركية..
إن كلمة السر في تغير الموقف التركي من التحالف الغربي العربي ضد الفصائل الجهادية هو خطر قيام دولة كردية مدعومة غربيا وفارسيا في ظل رغبة إسرائيلية ملحة لقيام هذه الدولة التي ترى فيها اسرائيل كنزا لا ينبغي التفريط به بحال من الأحوال.
خليل المقداد