سر نجومية العميد العسيري… والفضائيات المدججة بالخرافات… والسيسي مرشح «الحنان الشعبي»

أحد النجوم المشاركين في برنامج «إكس فاكتور» على «أم بي سي» وزنه – اللهم لا حسد- يقترب من ربع طن وطوله – اللهم زد وبارك – يكاد يصل لمترين .. رغم ذلك فاجأتني النجمة دنيا سمير غانم بمخاطبته مع أعضاء فريقه بمفردة «أولادي».
عمليا يلد الشاب ورفاقه عشرات النساء من وزن وطول ونعومة «الحجة» دنيا سمير غانم، واللفظ ينطوي على مبالغة في غير محلها، مع التذكير بأني بالمطلق لست ضد «الضخامة» فأنا أعيشها مع حالي منذ نصف قرن، ولست ضد مشاركة الضخام في الفن والرقص فهم الأخف دما وظلا.
لكن كرجل ضخم أصلا من الوزن الثقيل أعرف إمكانياتي، فلا يمكنني أصلا أداء رقصة «فالس أو سلو» بطريقة أنيقة ولأني أعرف قدري وقدرتي تقتصر مهاراتي في الفن الراقص على القفز لا على التعيين بالهواء والتدحرج ما إستطعت إلى ذلك سبيلا في حفلات الأعراس في حارتنا.
حتى في الدبكة تخبط قدمي «الهدارة على طريقة التلفزيون السوري» إلى اليسار بينما تهوي أقدام الدبيكة إلى اليمين لإني أدبك على طريقة برنامج «وناسة» وغالبا ما يطالبني الشباب بترك مسألة الدبكة والإنتقال لصفوف المصفقين.
في البرنامج نفسه بتاع «أم بي سي» وهو نسخة مقلدة من نسخة مقلدة أصلا لبرامج المواهب الأمريكية فوجئت بمشاركة من فئة «عالي المنكبين شلولخ» يجبرها القوم على أداء أغنية رومانسية تتطلب القليل من الرقص مع شاب من «وزن الريشة».. مسحت النجمة الشابة بيدها على رأس مراقصها وكادت تطيح به على الأرض، وبدا واضحا بأن الرقص لا مكان له على المسرح مع أن صوت الفتاة جميل جدا ويمكنه أن ينتج مادة «كلثومية» مهمة فنيا نحتاجهاهذه الأيام في ضوء «معلبات» الأغاني المليئة بالممغوصين، عفوا أقصد الراقصين.
مرة أخرى أؤكد لست معترضا إطلاقا على الأحجام والأوزان، ولا يعجبني شخصيا أصحاب الوزن الخفيف، لكن في برامج معلبة ومقلدة على طريقة «تهافت التهافت» يمكن للمنتجين والمخرجين التدبير والتفكير برشاقة من نوع مختلف، فوزن محمد عساف عندما بزغ نجمه لم يزد عن وزن خمس دجاجات من النوع الدسم الذي تفضله حماتي.
لكن صوته إخترق ثلاث قارات على الأقل وفنانة عظيمة من حجم ميادة الحناوي كانت تتمايل من جهة الأكتاف فقط على المسرح وشغفت قلوبنا لعقود وحركة أصبع واحد لأم كلثوم برفقة منديلها الشهير كانت كفيلة بإندلاع حريق من «الآهات» في المدرجات.

الحنان وتغليف الغبار
في المحصلة أرصد راغب علامة المخضرم فهو لا يصف المواهب بـ»أولادي» .
فقط سمعت هذه التعابير من كريمة سمير غانم ومن شيرين، مما يذكرني بالمشهد الخالد بتاع الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي ظهر على شاشات حزمة النيل الفضائية وهو يقول «.. لما أبطل أشوف الحنان اللي في عيونكم.. حنسحب»… تلك طبعا قصة أخرى.
يعني صاحبنا السيسي – أدام الله ظله – يربط مصير مصر بموجات الحنان، التي تصله من الشعب المصري العظيم، ورغم إيماني الشخصي بعدم وجود آلية علمية لقياس منسوب «الحنان» والتفريق ما بينه وبين الخوف أو النفاق أو التسحيج، إلا أن الزعماء دوما- خصوصا في العالم العربي- يحق لهم وحدهم تغليف الغبار وتقطير الأشواق وتوصيف المشاعر وتعليبها.

رؤوس المشجعين إصطدمت بالهراوات!
على المنوال نفسه قرأ البعض الخبر الذي يتحدث عن فض قوات الدرك لجمهور نادي الوحدات المحتفل ببطولة الدوري على مسطرة القاعدة الشهيرة «رؤوس المشجعين إصطدمت بطريقة إستفزازية بالهراوات وهي تتنقل في الهواء».
كاميرا «الجزيرة» حاولت كعادتها إعادة بث لقطات الإشتباك الدركي في الشارع الأردني وتبين في الحادثة الأخيرة – طبعا وفقا للرواية الرسمية – أن المشجعين «ومن فرط حماسهم» تشاجر بعضهم البعض فحصلت مشكلة وتم إغلاق شارع حيوي.
هتافات خارج السياق لا مبرر لها صدحت فعلا، ولو كنت مكان الدرك لمنحت بؤساء المخيم الشهير الفرصة للرقص ولو قليلا إحتفالا بإنجازهم الكروي،فالشوارع الرئيسية تغلق أحيانا بسبب عرس ولا يتدخل الدرك وبعض السيارات تخالف كل قواعد المرور وتهدد حياة الشعب، لإنها تضع صورة للملك وتدعي أنها سيارة «ولاء وإنتماء» ولا أحد يطاردها.
ولو كنت مكانهم – لا سمح الله – لشجعت المحتفلين الأوغاد على التشاجر وبقيت أتفرج على قاعدة «فخار يكسر بعضه» مع أن الدرك كان يستطيع وببساطة القول إنه تدخل لمنع إغلاق الشارع وهو إجراء يطال جميع المناطق بدون إستثناء.. في هذه اللحظة سأطالب الدرك بالتدخل وحماية حقي بالعبور بدون زحام وحقي بأن لا أشارك في إحتفال نادي مخيم الوحدات، وبالنتيجة لن أتجرأ لاحقا على قراءة مغرضة للخبر وعلى طريقة الرؤوس التي إستفزت هراوات أولادنا في الدرك.

«برافو» للعسيري والملك
العميد السعودي أحمد العسيري نجم الفضائيات بإمتياز هذه الأيام، فحضوره لا يقتصر على فضائيات السعودية و»الجزيرة»، بل ظهرت ملامحه السمراء على «سي أن أن» أيضا.
سمعت وصلات متعددة من «الإطراء» على العميد الحازم عسكريا والمثقف بوضوح إعلاميا وصاحب العبارات المسيسة الهادفة.. السر يكمن برأيي بأن الرجل ينجح في مسألتين: التفاصيل فهو مطلع على التفاصيل ولا يتلعثم، ويتحدث بإسم جميع أجهزة بلاده أولا، فيقدم وجبة متكاملة من التعليق على الأحداث ومسارات المعركة.
المسألة الثانية تتمثل في أن الرجل يحفظ درسه ويبدو متمكنا من المعلومات والمعطيات ومؤهلا للإجابة عن أي سؤال فضولي بدون الشعور بالإستفزاز أو الإرتباك أو إدعاء المرجلة والوطنية… شخصيا أصفق له على الأداء ولا يوجد ما يمنعني ولأول مرة في حياتي من التصفيق أيضا للمؤسسة السعودية نفسها وللملك سلمان، الذي طرد رئيس مراسمه، لإنه صفع صحافيا في خطوة «غبية» وتوقيت حساس تم إستدراكه.. «برافو» على الأداء المهني الذي يحترم الإعلام، ويا ليت الفضائيات السعودية المدججة بالخرافات تتعلم من ملوكها وضباطها.

مدير مكتب «القدس العربي» في عمان

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية