سطوة المقروء على المرئي في «رحلة إلى بلاد ماركيز»

كما هو معلوم يظل النص الرحلي نصا ثقافيا بامتياز؛ تتفاعل فيه عدة عوامل مرتبطة بثقافة الانطلاق بشكل عام، وكذا بثقافة الوصول، أي البلد المرتحل إليه وأيضاً في ارتباط بظروف وملابسات وسياق فعل الارتحال، ففي الغالب ما يلتبس مقروء الكاتب بعَيانه ومشاهداته، ويتبادلان التأثير والتأثر أثناء فعل السفر، وكذا حين يقوم الكاتب بتحويله إلى محكي. من هنا يأخذ التساؤل حول دور القراءة والمقروء في إنتاج النص الرحلي معناه، من إشكالية كيفية تحويل فعل السفر إلى عمل مكتوب. هل يكتفي المقروء بدور الباعث على السفر والموجه له أم أنه يتعدى ذلك إلى كونه فاعلا أساسيا في إنتاج النص الرحلي؟
ومن اللافت في الرحلات المعاصرة هو كون محفزها والباعث عليها هو مقروء الكتاب من المنتج الأدبي، وكذا معرفتهم واطلاعهم على المنجز الفني والحضاري للبلدان التي كانت محطات لأسفارهم. ففي الغالب ما يتفقدون الأماكن وينظمون رحلاتهم انطلاقاً ممّا منحته قراءاتهم واطلاعهم، ساعين إلى إعادة اكتشاف ما قرأوه بشكل مباشر، وكذا الكشف عن سر الاهتمام الذي يوليه الكتاب لتلك المعالم والأماكن دون غيرها، والتحقق من مدى أهميتها، وهل فعلا تتخذ جاذبيتها في الواقع كما تظهر في المقروء؟
ومن بين الرحلات العربية المعاصرة التي تُجسد هذه الخصوصية «رحلة إلى بلاد ماركيز» للروائي والشاعر الأردني أمجد ناصر، التي يتبدى لنا حضور المقروء فيها انطلاقا من عنوانها «رحلة إلى بلاد ماركيز»، والمقصود هنا كولومبيا التي صار غابرييل غارسيا ماركيز أيقونة مميزة لها، تغطي على ما تشتهر به من خصوصيات أخرى كبلد للمخدرات وغيرها. لكن تأثير المقروء جعل أمجد ناصر يحجب الخصوصيات الأخرى وينسبها إلى الروائي ذائع الصيت ماركيز، وهي نسبة تُعلي من شأن البلد وتمحو باقي الخصوصيات الأخرى السلبية. كما يحضُر مقروء الكاتب في أحد عناوين فصول الرحلة الذي جاء موسوما بـ«البيت الكبير» وهو عنوان لإحدى روايات الكاتب الكولومبي ساموديو. وآخر جاء بعنوان «كائنات فرناندو بوتيرو» وآخر «ماركيز ومجموعته». أكثر من ذلك يحضر المقروء في تشخيص ووصف الحالة النفسية التي آل إليها الكاتب في مطار مدريد وفي الطائرة الكولومبية فوصفها بساعة نحس وهو عنوان لرواية ماركيز الشهيرة، إذ وجد صعوبة في التواصل داخل المطار نظرا لكون اللغة الإنكليزية صارت عملة نادرة، فوجد نفسه ضحية لسوء تواصل ناتج عن جهله باللغة الإسبانية، ما اضطره إلى العودة إلى لغة الإشارات: «حيث سأعود إلى اللغة الأولى أو ما قبل اللغة». كما سبب له ارتباكه في ضياعه لجواز سفره، بالإضافة إلى سوء الطائرة وطول الرحلة ومللها، فامتدّ نحسه ليصير ساعات، علاوة على إجراءات التفتيش المشددة في مطار بوغوتا، ناهيك عن المشاكل الأمنية وصعوبة التحرك لوحده في كولومبيا.
كما يصير ماركيز وعوالمه الروائية ومكانته الأدبية منارات ومعالم ينظر من خلالها إلى العالم الكولومبي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ليقف بالملموس عند مدى التصادي بين الإبداع الكولومبي والواقع لدى العديد من الفنانين والكتاب كالفنان التشكيلي بوترو والروائي غابرييل غارسيا ماركيز وغيرهما من الكتاب.
وأيضا يؤثّر مقروؤه على مشاهداته واختياراته للأماكن التي كان ينوي زيارتها خلال رحلته: «عندما علمت مونيكا أنني مهتم بماركيز دعتني للذهاب إلى بارانيكا لكن تلك الفرصة لم تتحقق، للأسف، بسبب اضطراري للعودة سريعا، إلى لندن». ومع ذلك استطاع، بفضل تلك الشاعرة البارنيكية، أن يحظى بإطلالة على جانب من حياة تلك المدينة التي تبدو لقراء ماركيز سحرية، ويتمنون رؤيتها واقعا بعدما سحرتهم تخييلا.
لكن المقروء لا يقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما يغيّب المرئي والمشاهد والمُعاش، فتستهوي الكاتب ذخيرته القرائية للأدب الكولومبي، فيستطرد في تقديم نظرة بانورامية عن الحياة الثقافية في كولومبيا، ويقوم بتسليط الضوء على كيفية نشأة الظاهرة الماركيزية وجماعة ماركيز «بارنيكا». وكأنه يملأ فراغات فعل الارتحال، فيستنجد بمقروئه. إذ يبدو لنا الكاتب، وكأنه يُقدم قراءات نقدية في بعض الأعمال الروائية لبعض الكتاب الذين حجبتهم شجرة ماركيز، كساموديو صاحب رواية «البيت الكبير» ويقدم لنا إطلالة على سياق نشأتها وعلاقتها برائعة ماركيز «مئة عام من العزلة» الحائزة جائزة نوبل للآداب. كما يظهر الوجه الآخر المتواضع لماركيز، من خلال حواره الشهير في رائحة الجوف وكيف كان يكيل المديح لمجايليه من الكتاب كساموديو وألفارو موتيس، فلم يعمل على رفع قامته فوق قامات الآخرين، ولم يغمغم أو يتلعثم عندما تذكر أسماؤهم أمامه كما يفعل بعض الشعراء والكتاب العرب عن مجايليهم، بل ألقى أضواء على كتابة ساموديو وبين أثره في تطوير السرد الكولومبي، والشيء نفسه قام به تجاه الروائي ألفارو موتيس، ولو أنه لم يكن عضوا في جماعة بارنيكا.
ومعلوم أن الرحلة كما أكد جاك لاكاريير نوع من الإفراغ والتجرد والامتلاء بمعارف جديدة. نظرا لكونها، قبْل كل شيء معرفة مرئية، فلا يصدق قارئها إلا ما رواه الكاتب عما شاهده أثناء تنقلاته، لذلك تؤكد الرحلة على أولوية المرئي على المقروء الذي قد يكون حافزاً للسفر أو مساعدا على الكتابة عن السفر، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن المرئي، فلا يهم أن يقول الرحالة لمتلقيه أشياء يعرفها قبل الرحلة بل ينبغي عليه أن يؤكدها له من خلال المرئي أو يصححها أو يعدلها.
لذلك يعترف الكاتب بأن المقروء يظل عاجزا عن تكوين فكرة عامة عن البلد، يمكن أن يتم التعويل عليها. يقول: «حتى القراءات التي تأخذنا إلى أقرب الأماكن وأبعدها لم تقدم لي عنها تصورا يمكن التعويل عليه.» خصوصا أن الواقع المرتحل إليه قد يكسر أفق انتظار الرحالة الذي شيده من خلال مقروئه، حين تفاجئه كولومبيا بخصوصيات وميزات لم يقرأها ولم يضعها في الحسبان: «صدمتني بوغوتا بطقسها المتجهم. نحن في فصل الصيف. لكن جهامة الطقس. برودته غير المتوقعة بالنسبة لي، أنا الذي أعدّ نفسه لطقس استوائي، جعلتاني أظن أنني في بلد آخر غير كولومبيا. ليست هذه كولومبيا التي قرأتها في الروايات. مرجعي بالطبع، ماركيز. لم أكن أعرف أن كولومبيا هي كولومبيات على صعيد الطقس والتنوع المناخي والجغرافي». وكأن الدرس الذي نتحصّله من الرحلة هو ليس من سافر وعايش واختبر كمن قرأ، فالقراءة والاطلاع لا يغنيان عن السفر، ويعود الكاتب بالعديد من الأفكار عن كولومبيا حين يقول: «ذهبت إلى كولومبيا، رغم تحذير الكثيرين لي من حروب العصابات والمخدرات، بفكرة واحدة أو فكرتين وعُدت منها مكتظا بالأفكار والصور التي غيرت، كليا تصوري عن ذلك البلد المترامي». ليكتشف وجوها متعددة لها وكذا تنوعها الطبيعي والنباتي والمناخي والعرقي.
هكذا يبدو لنا أن المقروء في رحلة أمجد ناصر قد اضطلع بعدة أدوار أولها كونه محفزا على فعل الرحلة وساعدا عليها في توجيه مشاهدات الكاتب، ثانيها كونه مكونا فاعلا في كتابتها ويظهر ذلك من خلال عنوانها وعناوينها الداخلية، كما يتجلى في إفاضة الكاتب في الحديث عن الحياة الثقافية في كولومبيا التي بأّرها في ماركيز وحَواليه، كما سد فراغات السفر. لكن على الرغم من ذلك فإن الواقع المشاهد والمرتحل إليه قد خيّب أفُق انتظاره الذي أثثه المخزون القرائي.

٭ كاتب مغربي

سطوة المقروء على المرئي في «رحلة إلى بلاد ماركيز»

بوشعيب الساوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية