سعادة الإمارات في شقاء الجارات

إمسكوا الخشب وقولوا اللهم لا حسد، فدولة الإمارات سعيدة ومزهوة ببلوغها النقطة الاعلى من قمة جبل السعادة المثلج والشاهق، الذي لا تقدر على الوصول إليه إلا الصفوة المختارة من سائر خلق الله التعساء على امتداد الاقليم العربي الملتهب والبائس.
هي بلد استثنائي وفريد لا يعاني أبدا، مثل السواد الاعظم من بلداننا العربية المنكوبة، لا من مشاكل ازدحام المرور، ولا طوابير المعدمين والفقراء والبؤساء التي تشغل الشوارع والساحات العامة بالطول والعرض، ولا من قوافل الجياع التي تفني اعمارها في الوقوف في طوابير طويلة لاستجداء رغيف الخبز اليومي، وافتراش ارض الله والالتحاف بسمائه. وهي ايضا لا تعيش ولم تعش أي منغصات ومكدرات وهموم، كتلك التي يعيشها عرب آخرون من لحظة ولادتهم إلى ساعة انصرافهم ورحيلهم عن الدنيا. فالخير فيها كثير ووفير والحمد الله، وحتى الاوروبيون والامريكان بجلالة قدرهم وعلو مقامهم فإنهم يقفون منبهرين ومعجبين بناطحات سحابها ومبانيها وعماراتها التي تخطف الابصار وتأسرها، وبقدراتها المذهلة والرهيبة على جلب وجذب أغلى نجوم العالم وأكثرهم صيتا وشهرة. كما أن حكامها وقادتها ـ ابقاهم الله ـ لا يدخرون اي جهد ويفعلون المستحيلات السبعة ويبذلون الغالي والنفيس لاجل أن يستقدموا لبلدهم اخر الماركات العالمية وصيحات الموضة، بمجرد أن تبدأ في الظهور في أي عاصمة من عواصم الغرب المعروفة، حرصا على ألا يشعر شعبهم بالضيق أو الملل أو يشكو ـ لا قدر الله ـ من اي نوع من النقص أو الحرمان من المباهج والعطايا العظيمة والمثيرة، التي يجود بها عالم الحضارة الاستهلاكية الغربية.
كل ذلك قد يكون عاديا وطبيعيا ومقبولا، وليس لأي أحد الحق في أن ينازع الاماراتيين أو يحاسبهم عن مئات الملايين من الدولارات التي ينفقونها عن اليمين وعن الشمال، أو يقول لهم لماذا تصرفون كل تلك المبالغ الخيالية؟ ولاجل من وماذا بالضبط؟ فالبلد بلدهم والثروة ثروتهم وهم اصحاب القرار الاول والاخير في التصرف فيها كيفما يحلو لهم ومثلما يشاؤون. ومادام أصحاب الشأن مرتاحين ومطمئنين ومقتنعين بما يفعلونه، فلن يكون من المنطقي أو اللائق أن يحشر الفضوليون انوفهم في شؤون لن تعني أو تخص احدا اخر غيرهم.
لكن ألن تكون تلك «الحشرية» وذلك الفضول مطلوبين، بل حتى ضروريين في حال ما اذا كنا نرى أن للتطبيقات العملية لنظرة الاماراتيين وفهمهم للسعادة تأثيرا وانعكاسا واضحا ومباشرا على سياساتهم ومواقفهم وتعاملهم مع العالم الخارجي، وفي مقدمته محيطهم القريب وجيرانهم واشقاؤهم في باقي الدول العربية؟ أليس ذلك مدعاة لان نتخلى عن حياديتنا وصمتنا، ونرفض ما يردده البعض من انه ليس لنا أن نهتم على الاطلاق بسعادة الاماراتيين، وانه من الاجدى والافضل لنا بدل ذلك أن ننشغل ونفكر ليل نهار ببؤسنا وشقائنا وتعاستنا، ونتركهم في نعيمهم ورخائهم وسكينتهم؟ الثابت هو مثلما ان من حق السلطات، بل من واجبها القانوني والاخلاقي ايضا أن تسعى لإسعاد شعبها، وأن تقرر في سبيل ذلك تخصيص وزارة وبرنامج وطني وميثاق للسعادة، ومثلما ان من حق رئيس وزرائها أن يعلن أن الامل هو أن تكون السعادة «اسلوب حياة في مجتمع الامارات والهدف الاسمى والغاية العليا للعمل الحكومي فيها» فان من حق الناس أن تسأل بالنهاية ايضا عمن يدفع تكلفة تلك السعادة، وهل انها عامة وشاملة ومفتوحة للجميع؟ أم انها على العكس من ذلك ضيقة ومحدودة لا تخص الا بعض المحظوظين فقط؟ والاهم من ذلك هل انها قابلة بالفعل للرواج والصرف الخارجي؟ أم انها ليست سوى بضاعة استهلاكية محلية لاغير؟ سنلاحظ إن نحن القينا نظرة سريعة إلى مجريات الازمة الخليجية الاخيرة، بعيدا عن خطابات العداء والاستعداء، وعن التشنجات والضغوطات والانذارات ولائحة الشروط الفاشستية، أن هناك غيابا تاما وكاملا لأي موقف أو تصريح، أو ردة فعل من تلك الوزيرة الاماراتية الفريدة، أي وزيرة السعادة حول قرارات بلدها وباقي الدول المتحالفة معها ضد قطر. قد تقولون وما دخل الوزيرة في مسائل خارجية قد لا تعنيها ولا تخصها لا من قريب ولا من بعيد؟ لكن أليس هدف الحكومة الاماراتية الاعظم والاكبر هو تحقيق السعادة لشعبها؟ ألم تلتزم علنا بذلك؟ فكيف تتصورون أو تتخيلون اذن سعادة شعبها أو جزء من شعبها على الاقل وجاره ذو القربى الذي لا تفصله عنه سوى اميال معدودة منبوذ ومتروك ومحاصر؟
سوف لن يكون بوسع اي احد منكم بالطبع أن يعرف إن كان ذلك ممكنا أم مستحيلا؟ وفيما اذا كان باستطاعة الشقيق أن يسعد ويتلذذ بعذابات وآلام شقيقه أو حتى لمجرد التنغيص والتنكيد عليه؟ والسبب بسيط ومعروف وهو ألا احد منكم يملك اي اداة أو وسيلة ليقيس بها درجة السعادة التي ينعم بها الاماراتيون، أو أن يتثبت من طبيعتها أو يتأكد ما اذا كانت موجودة بالفعل أم لا؟
كل ما تدركونه وتعرفونه بالمقابل هو أن الاماراتيين مطالبون بأن يكونوا، بحسب التعليمات والاوامر والقرارات الحكومية الفريدة والنادرة في عالمنا العربي، أسعد خلق الله واكثرهم رخاء وانشراحا ومسرة. وليس من الصعب هنا أن نخمن الطريقة والسبيل الذي يوصلهم لذلك، ومن دون ادنى مشاكل فالجميع يعرف أن عليهم أن يقفلوا افواههم ويصموا اذانهم ويغلقوا عيونهم عن اي شيء ترى السلطات من باب الحرص على الحفاظ على المصلحة العامة انه غير مقبول أو مسموح أو مناسب لهم. وعليهم ايضا في سبيل الحفاظ على تلك السعادة الغالية والثمينة أن يقدموا على التخلص من كل تلك الكماليات والزوائد التي تعطلهم عن التفوق والتقدم والنجاح، وتعيدهم سنوات إلى الوراء، والتي يسميها غيرهم من البؤساء والحساد عواطف ومشاعر واحاسيس. إنهم مدعوون بقوة، لان يكونوا اذن روبوتات سعيدة تتكلم بمقدار وتعيش بمقدار وتتنفس بمقدار، وحتى إن كتب لها يوما أن تتعاطف مع احد أو شيء فبمقدار ايضا، ومن دون أن يكون ذلك التعاطف قرارا او موقفا فرديا، يتخذ بمعزل عن سياسات الدولة وارادتها وتوجيهاتها. قد تقولون حتى إن كان الامر بتلك الصورة الدراماتيكية المقززة، فهو افضل وارحم مليون مرة من شقاء وبؤس وكآبة الديمقراطيات العربية الاصطناعية وخورها. ولكن المصيبة هي أن المسألة لا تتعلق فقط بما يبدو استبدادا واحتكارا ستالينيا للسعادة، بل في الرفض المطلق للحق الطبيعي في التمييز و الاختيار، بين نعيم تلك الجنة الافتراضية وجهنم الحريات والحقوق ونارها. انظروا جيدا إلى حال اليمنيين والليبيين والتونسيين بدرجة أقل، هل ترون أن الامارات تركتهم وشأنهم وقالت لهم مبروك علينا نعيمنا وسعادتنا، ومبروك عليكم ناركم وشقاءكم؟ أليس إصرارها على التدخل المستمر في شؤونهم دليلا على انها لم تبلغ قمة جبل السعادة الا ببؤسهم وشقائهم وعرقهم ودمائهم ايضا؟
كاتب وصحافي من تونس

سعادة الإمارات في شقاء الجارات

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية