ارتبط الفن دائما بالواقع، في محاولة نقله أو التغلب عليه، والفن التشكيلي بمعناه الهلامي الصعب التحديد أحد أنواع الفن، غايته الأكيدة هي إعادة تصوير هذا الواقع، وتشكيله عبر رؤية لا تحاكيه، لهذا نسمي الفنان (الرسام) اليوم تشكيليا. فالتشكيلي لا يقتصر عمله الفني على الصباغة فوق السند، بل يتعداه إلى أكثر من ذلك، إلى تقويض المادة، باختلاف مصادرها وأنواعها، وجعلها خامات العمل التشكيلي.
عرف العالم الغربي منذ قرون تغيّرات وتطورات في الفن (الرسم)، كما عرف مدارس فنية ارتبطت بمناطق معينة (الفرنسية، البندقية، الهولندية…)، ومدارس إنسانية، كانت لها قوة الانتشار في القارة وخارجها، (السريالية، التكعيبية، التجريدية…). غير أن تاريخ الفن العربي، باستثناء التجريدية المعمارية الإسلامية، لا يتعدى قرنين من الزمن، أو أقل قليلا. هنا في مقالنا نتوقف عند إحدى أهم المدارس التشكيلية العربية، (رغم قصرها زمنيا)، استطاعت أن تكرّس لنفسها مكانة مهمة وركيزة في التاريخ التشكيلي العربي، إنها المدرسة القطرية.
لقد ترك الفنان القطري بصماته الإبداعية فأصبح له إرث متعيّن، كما تركت المدرسة القطرية بصمتها في تاريخ الفن العربي، بل يمكننا القول، والعالمي أيضا. تبدأ قضية التاريخ للفن التشكيلي بقطر مع بداية وصول البعثة الأركيولوجية، التي اضطلعت بالتنقيب في قطر على النقوش الصخرية القطرية الموجودة في جبل الجساسية في شمال شبه الجزيرة القطرية عام 1956، حيث وجدت لعبة للتسلية تسمى الحويلة، وهي عبارة عن مجموعة من العلاقات التي تشبه الأكواب في صفوف متوازية على شكل وردة، كما عثر على نقوش لأشكال من السفن بعضها نقش بطريقة الحفر الغائر مع العناية بالتفاصيل الدقيقة لأجزاء السفن من مجاديف ومرساة. وتعتبر هذه الصورة الفنية نادرة بين النقوش الصخرية ولم يسبق تسجيلها من قبل في الخليج العربي وربما تعود إلى عام 1400 وهي خالية تماماً من أي رسوم آدمية، ولكن بها القليل من رسوم الحيوانات. تنوعت المدارس القطرية في الفن التشكيلي، من الواقعية، والتعبيرية، والتجريدية، والسريالية، والحروفية، وعرفت كل مدرسة من هذه المدارس أسماء فنية مهمة رائدة في مجالها، (حسن الملا؛ يوسف أحمد؛ عيسي الغانم؛ فرج دهام؛ سلمان المالك؛ محمد علي؛… إلخ). نقف هنا في دراستنا المستفيضة هذه أمام أحد أبرز الأسماء التشكيلية القطرية والعربية، استطاع حفر اسمه بإزمير من ذهب في صحيفة التشكيل العالمي، الحديث هنا عن الفنان القطري مولدا وإقامة وفنا، محمد العتيق.
الضوء تشكيلا:
قلائل هم الفنانون الذي استطاعوا امتلاك بصمة فنية (تشكيلية) خاصة، مصاحبة برؤية إبداعية مستقبلية، رؤية لا تقف عند عتبة التجربة الواحدة بل تتعداها إلى فتح الأفق على جل الاحتمالات الممكنة وجوبا، والممكنة شرطا…
محمد العتيق (1966) فنان قطري، استطاع أن يجعل لنفسه تلك البصمة المشار إليها قبلا، فنان لا يحاكي الواقع، بل ينتصر عليه. إنه يتخطاه إلى بُعدٍ آخر يلتحم وإياه والضوء. الضوء إحدى تقنيات هذا الفنان التي يجعلها أسلوبا متبعا داخل بعض أعماله التشكيلية، التي تتعدد بتعدد رؤياه الفنية. الضوء الاصطناعي الحاضر عبر اللون الأبيض الناصع، أو عبر تلك العجينة الرخوية التي تحضر باستمرار داخل منجزاته الأخيرة. فالملاحظ عبر العين المجردة في بعض أعماله هو استعماله للرمزية (المُبهمة) المشيرة للضوء عبر تلك اللوحات الشبيهة بشمعة في مرحلتها الأخيرة من الحياة، تلتصق بها في كولاج باهر فتيلة من خيط القنب، مما يذهب على اللوحة لديه بعدا ثالثا للخامات المضافة إلى الصباغة. إلى جانب الضوء يحضر الفراغ كجزء استيتيقي مائز الحضور، وأحد ركائز المُتبعة بشكل منتظم داخل العمل الفني لديه. الفراغ الذي يتسنى له الوجود على ساحة المنجز عبر إحدى تجلياته الصباغية على القماش، عبر اللون الأسود (الأكريليك)، الذي يتخذ منه مساحة خلفية لخاماته التشكيلية، التي يجعل منها كولاجا فنيا متناسق الوضع، عبر إحداث توازن في الرؤية.
محمد العتيق فنان مجرّب وطموح، مفكر دائم في التجديد فوق مساحة المنجز عنده، يعتمد على المهارة والتقنية والشكل المركب مستخدما خامات متنوعة من البيئة المحيطة به والمواد المهملة، أثبت مكانته من خلال مشاركاته وإسهاماته في الحركة التشكيلية القطرية والخليجية والعربية والدولية. فنان باحث باستمرار العمل لديه، في خلق أو تغير المشهد البصري على الساحة المحلية والعالمية، مما جعل له بصمة مختلفة عن زملائه الفنانين في التقاط المشهد. إلى جانب عمله التشكيلي فهو يشغل منصب رئيس الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، ومؤسس قسم الغرافيك في التلفزيون القطري، وعضو الجمعية القطرية والعمانية والإماراتية للفنون التشكيلية، وعضو جماعة .A.R.C.A الإيطالية للفنون.
كان لهذا الفنان العربي، المعتز بهويته، حيازة جوائز عالمية وعربية ومحلية، في الفن التشكيلي، نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: الجائزة الأولى بينالي دكا 2003. الجائزة الأولى بينالي دكا 2008. الجائزة الثانية في مسابقة التراث والبيئة القطرية في عيون الفنانين التشكيليين 1998. جائزة لجنة التحكيم بمسابقة التراث والبيئة القطرية في عيون الفنانين التشكيلين 1999.
الحديث عن أعمال محمد العتيق، التي يمكننا تصنيفها في خانة الأعمال التشكيلية التجريدية الحديثة. هو بالضرورة الفنية، حديث عن مفهوم المادة في الإبداع التشكيلي، من حيث استعمالاتها الفنية، ودورها الاستيتيقي داخل المنجز لديه ككل.
عن هذا المفهوم يخبرنا الناقد الجمالي المغربي نور الدين فاتحي أن «الاهتمام بمواد إنجاز العمل التشكيلي بقاسم الاهتمام بالموضوع أو القيمة في تجربة أي فنان كيفما كان انتماؤه الفني أو الزمني. وأظن [أن] أول من انتبه إلى جمالية الصباغية كمادة بارزة على السند هو الفنان رومبروند، فقد كان يعتمد إظهار البصمات المتحركة التي تتركها الفرشاة أثناء العمل. وقد تطورت هذه العملية من طرف الرومانسيين، خصوصا ديلكورا، ثم الانطباعيين من بعده، لتصبح الصباغة في حد ذاتها وسيلة وثيمة، تثبت حركة اليد أو الذراع أو الجسد في تجارب فنانين ينتمون للتجريدية الغنائية مثل ماتيو وسولاج وبولوك «. يضيف فاتحي في كتابه «في التشكيل الحداثي»: «إذا كان الاهتمام بالمادة، في التجربة الفنية الغربية، نتيجة تطور الفنون البصرية عبر مراحل تاريخية معينة، فيكاد ذلك يختلف في التجربة العربية بصفة عامة. إن تناول المادة والروح في تجربة واحدة موحدة تكاد تكون مغامرة بالنسبة للفنان الغربي، فالاختيار بينهما أمر قائم. عكس ما هو معروف في حضارتنا العربية القائمة على التكامل والانسجام بين المادة والروح. إن حذف عنصر من عناصرها يخل بذلك الانسجام وتلك الوحدة « .
محمد العتيق من الفنانين العرب الذين يشتغلون على الصباغة والمادة/خاماته، مستعينا بالصباغة تارة لحجب تلك المواد (الكارتون، الورق، الخشب، الفتيل… إلخ)، في تناسق متوازن داخل السند المؤطر في شكله المربع الدائم الإنجاز لديه. السند/ القماش الحاضر دائما في أعماله، وإن يتجاوزه إلى أسناد أخرى مثل الورق، إلا أمرا قليل الحدوث عنده.
عما أسلفنا الذكر تؤكد وتضيف الناقدة والفنانة التشكيلية التونسية الصماري دلال، قائلة في نص بهي لها حول تجربة هذا الفنان: «آثار محمد العتيق الفنية هي بمثابة رسم وكولاج على قماش بأحجام وقياسات مختلفة يستعمل فيها الفنان تقنيات مختلفة من ضمنها الاكريليك والخامات المهملة صغيرة الحجم كالأقفال، مشابك الشعر، مسامير، خيوط، أقمشة، أعواد كبريت مستعملة أوراق الخ…».
مواد من بيئته العائلية ستأخذ معه أبعادا إضافية إضافة إلى صنعه خامات بتركيبات خاصة به، حيث عمد إلى تطويع الخامة الحديثة لخدمة أفكاره فيحاول جاهدا استخدام ما سماه الفنان «المهمل الصغير» ليغير مفهومه من حالته الفعلية والمرور به إلى المفهوم البصري الذي سيحمل دلالات فكرية .
يبدو جليا أن محمد العتيق يسعى من خلال أعماله إلى تحقيق الأسس الجمالية التي من شأنها أن تخلق صلة القربى بينه وبين المتلقي من خلال خلق توازن بصري بين عناصر العمل الفني، وهي الألوان والأشكال والخامات لتخدم أفكاره، لهذا نلاحظ تركيزا كبيرا على الشكل لما يحمله من قيم جمالية في حد ذاته ومن ثمة تحميله تلك التعبيرات القيمة والأصيلة ومنها أساليب مبدعة في كل مرة، حيث أن أول ما يلفت الانتباه في لوحات العتيق كونها أعمالا لها شخصية متكاملة وناضجة تجمع بين قوة التركيب والشكل وطرافة المواضيع والخامات المعتمدة ، وفي مرحلة متقدمة من قراءة هذه الأعمال وجدت نفسي أمام حتمية التدقيق والبحث في خلفية عمل الفنان بداية من عناصر هذا العمل والأسس التي بني عليها من حيث اعتماده على تضاد قيم لونية في جل الأعمال تقريبا بين أبيض وأسود بدرجاتهما المختلفة، حيث يبرزان لنا في توافق تام رغم تنوّع استعمالاتهما على مساحة الأثر الفني بين صباغة (اكريليك) وكولاج خامات. فتعددت بالتالي الملامس والدرجات اللونية وتنوعت رغم الاعتماد على قيمتين لونيتين فقط مع لجوء طفيف إلى بعض الألوان الترابية أو ألوان مصدرها الأساسي تلك الخامات الصغيرة المهملة… أبيض وأسود يغلب أحدهما على الآخر، ثنائية مسيطرة على كيان العمل الفني، مساحات يكسوها السواد وكأنني أمام مشهدية فلكية لكواكب ومجرات ونجوم… تعتلي تلك السماء السوداء لتشع بنور تكويناتها على الأرض التي تلتحم معها من حين لأخر من خلال حضور تلك الألوان الترابية التي تعانق الأسود في أبدية مطلقة كما تضفي تلك السحب البيضاء أجواء من الصفاء على المكان.
إن ما يجعل أعمال العتيق أكثر جمالا فنيا، هو أسلوب التكرار المعتمد داخل المنجز، تكرار عقد القنب، تكرار الخامات (أعواد الكبريت، مشبك الشعر، الورق…)، مما يجعل هذا المنجز يقع في متضادات جمالية مائزة، في تقارب تارة، وتنافر تارة أخرى. هذا بالإضافة لتلك الحركية المتبعة من قبله عبر اللمسات الصباغية، فوق الخامات والمواد والسند عينه. فكل عمل وكل تجربة هي بصمة خاصة ترتبط بالعتيق باختلاف الشكل ولكن تبقى الروح هي روح العتيق.
ناقد مغربي
عزالدين بوركة