■ دوّن الصحافي اللبناني «سعيد فريحه» (ت 1978) في يومياته التي نُشرت في كتاب تحت عنوان «جُعبَة الصَّيّاد» الصادر عن دار المعارف عام 1952، أي قبل 65 عاماً، حصيلة رحلاته في عدة مدن وعواصم عربية وأجنبية، والتي نُشرت في مجلة «الصياد» على مدى عشر سنوات. في هذه السيرة يحكي فريحه واقعية نشأته، بين الأمس واليوم. ويذكر فترات العذاب والدموع والحرمان التي أمضاها في تسلّق عتبات العمر والمستقبل، حيث يذكر مغامراته في فنادق العواصم الكبرى، إضافة إلى لقاءاته مع أبرز زعماء المنطقة والعالم. لم يتحدث سعيد فريحه عن الآخرين ويترك نفسه، كما لم يتقمص أو يختبئ وراء الشخصيات التي ورد ذكرها في الكتاب، فهناك من الكُتّاب من يخترعون القصص ويخلقون لها أبطال يتوارون خلفهم، لكن فريحه تجاوز ذلك، حيث يعرف أن الحياة يجب الاستعانة عليها بالمرح والدعابة والسخرية اللاذعة. كان سعيد فريحه صاحب نكتة موهوبا، كما يذكر صديقه سعيد تقي الدين، في معرض تقديمه للكتاب. فالرجل أحد أعمدة الصحافة اللبنانية والعربية على الإطلاق.عاش سعيد فريحه ثلاث حروب، ونشأ في جوّ من اليتم، فيما الحرب العالمية الأولى أجبرته على مواجهة المجاعة التي اشتدت بأبناء بيروت، واضطرته والعائلة للهجرة إلى حماه مسقط رأس أمه. ولكن المشوار الطويل انتهى بوفاة الأم والشقيق الأصغر. يقول فريحه: «أنا من لبنان السحر، ومن القرية الجميلة رأس المتن التي تتدحرج حجارتها على بيت مري وبرمانا وغيرها من قرى الاصطياف».
الساخر
يعتبر سعيد فريحه من الكُتّاب العرب الساخرين، إلى جانب محمد التابعي في مصر. وكان الأدب العربي قد عرف من الكتاب الساخرين، أحمد شاكر الكرمي وإبراهيم المازني في دمشق، وعمر فاخوري وسعيد تقي الدين في لبنان. يستهل فريحه كتابه بمجموعة من الحكايات تحت عناوين كوميدية حيناً، وواقعية في أحيان كثيرة، مثل: رجلان وفيلسوفة، رحلة مع شيوخ أجلاء، قصة غرام، أميرة من يوغسلافية. ويتابع فريحه حكاياته ولكن هذه المرة عبر أسفاره نحو عواصم الغرب والشرق. «أذكر أنني كنت في نابولي، فشاهدت عرضاً شيوعياً اشترك فيه خمسة وعشرون ألف شاب وفتاة كانوا جميعاً من الفقراء المهلهلي الثياب، الطوال اللحى، الحاقدين على كل من يمر بهم راكباً سيارة، أو مرتدياً ثوباً أنيقاً». يقول فريحه: «تكرمت محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية في فلسطين، بدعوتي برفقة الشيخ عبد القادر المغربي والشيخ سليمان الظاهر والشيخ أحمد رضا، أعضاء المجمع العلمي العربي في دمشق… ماذا؟ ثلاثة شيوخ أجلاء مع شاب حاسر الرأس، حليق الشاربين، ترى أيُّ ثأر لمحطة الإذاعة عليّ؟». من فلسطين إلى لندن، في سنة 1947 أُتيحَ لسعيد فريحه أن يقضي في لندن أربعين يوماً يقول عنها فريحه بأنها أسعد أيام حياتي. سعادتي كما يؤكد سعيد فريحة ليست بكثرة النساء اللطيفات من حولي، إنما مصدرها الهدوء والسكون في مدينة الضباب. الناس جميعاً في لندن يتخاطبون همساً ووشوشة، لاعتقادهم بأن الصياح من قلة الأدب، دخلت ذات يوم إلى نادٍ من أندية لندن، فكان الناس يمارسون حياتهم بهدوء، مؤمنين بالقول المأثور: «تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين».
من الحلاقة إلى الصحافة
كانت الحرب العالمية الأولى بداية في حياة سعيد فريحه الطفل، فأكسبته خبرة ووعياً، سواء في هجرته مع العائلة من برج حمود إلى حلب، أو في دخوله معترك الصحافة في جريدة «الراصد» لصاحبها الشاعر والأديب ورئيس المجمع العلمي وديع عقل، فقد نبغ الطفل باكراً وشبَّ سريعاً ليحتل في مقالاته الصفحة الأولى في «الراصد»، لقاء مرتب شهري قدره ليرتان عثمانيتان. وسرعان ما أثار انتباه شكري كنيدر صاحب جريدة «التقدّم» الحلبية نبوغ سعيد فريحه ففتح له قلبه ودعاه لأن يكون محرّراً فيها.
من حلب إلى بيروت
جاء سعيد فريحه إلى حلب عام 1928 ليعمل في صالون حلاقة افتتحه المرحوم توفيق عسال للسيدات في شارع التل، وكان فريحه شاباً في الثالثة والعشرين من عمره بهي الطلعة ذا عينين خضراوين. فتدرب على تصفيف شعر السيدات وانخرط في مهنة المتاعب، وكان يعشق القراءة والكتابة، واستأجر غرفة في زقاق الأربعين فاقتحم المجتمع الحلبي وعاش في قلب حلب التي لا تنام، وأخذ يمارس هوايته في الكتابة على ضوء اللوكس في الحارة، لأن بلدية حلب استبدلت بعض الفوانيس باللوكس في العشرينيات، وسمي باللمبة أو الكلوب ووضع في الشوارع الرئيسية والساحات. من هنا بدأ سعيد فريحة حياته الصحافية في مدينة حلب السورية، حيث بدأ يراسل «القبس» الدمشقية و»الأحرار» البيروتية، وأظهرت كتاباته الأولى موهبته المبكرة في مجال الكتابة الساخرة، وبعدها عاد إلى بيروت، حيث راح يكتب في جرائد «الأحرار» و»الصحافي التائه» و»الحديث». وظل في الأخيرة حتى بعد أن أصدر مجلته «الصياد» أواخر عام 1943. وكانت «جعبة» اسم الزاوية التي تعود أن يكتب تحتها، هي التي أطلقت شهرته في الدول العربية في سوريا ومصر والسودان والمغرب العربي الكبير والخليج العربي فضلا عن لبنان، وهي أيضا التي أسعفته ماليا عندما لم يكن يملك ليرة واحدة في ذلك الحين. واستطاع أن يبدأ في بناء صرح «دار الصياد» عام 1954 من عائدات هذه «الجعبة» فيقول: «عملنا كتابا أسميته «الجعبة» وأرسلت مئة «جعبة» إلى مئة صديق، وجمعنا مائة ألف ليرة لبنانية، وعمرنا «دار الصياد» بمئة ألف ليرة». وقد بات من المؤكد أن سعيد فريحة ظاهرة صحافية نادرة في الوطن العربي. فهذا الرجل الذي لم يدخل مدرسة نظامية، أصبح صاحب مدرسة صحافية وفكرية كبرى، على امتداد العالم العربي، فله مفهومه ونظريته وفلسفته الخاصة في عالم الصحافة. يؤكد الكاتب المصري الراحل أحمد بهاء الدين بأن سعيد فريحه من أبرز صحافيي الشرق على الإطلاق.
رحلة الرحلات
يصف المؤلف رحلته إلى الكويت، حيث التقى بالشيخ أحمد الجابر الصباح، وقد خاطبه الشيخ الصباح قائلاً: «إنّ مالنا هو للناس، لا نبغي سوى خيرهم وإصلاح شأنهم، واعلم يا ولدي سعيد أن من قدم الحسنى لاقى الجمايل». وتمنى سعيد فريحه لو أن تلك العبارة أصبحت شعاراً للحكام العرب. إلا أننا في الوقت ذاته، كنا نستغرب جرأته في سرد تلك التفاصيل النسوية، كما حصل معه في زيارته للعراق في خمسينيات القرن الماضي «تركنا صحراء سورية لنمر فوق صحراء العراق، وتساءلت: أين ترى هو الهلال الخصيب في هذه الدنيا الرهيبة الواسعة التي لا ينبت فيها العشب ولا يحلق في أجوائها الطير». وعند وصولنا إلى بغداد لم نجد مكاناً في أي من فنادق العاصمة (زيا، مود، سميراميس، تايكرس)، أسعفنا صديق، بسهرة في أحد النوادي، وكانت الشقراوات يحطن بنا من كل جانب، ذوات العيون الزرقاء والشفاه القرمزية، وكنت غارقا في لجة الخمر والعطر والابتسامات الرحيمة». إنّ «الجعبة» التي كان يكتبها كل أسبوع هي مقال سياسي وظرف أدبي ونقد اجتماعي ودعابة جميلة وأدب رحلات، حيث يحرص سعيد فريحة على أن يذكرك دائما بِأَنَّه تعلم القراءة بنفسه على ضوء قنديل شحيح في غرفة صغيرة في حقل زيتون على تلال بيروت أوائل القرن الماضي. سعيد فريحه في كتاباته كان يبدو في خفة فراشة لكنه يشقى مثل فيل.
٭ صحافي وكاتب سوري
عبد الرحمن مظهر الهلوش