دمشق – «القدس العربي» : تجري الدول الفاعلة في الشأن السوري مباحثات مكثفة لحل قضية الخاصرة الجنوبية الأكثر اهتماماً، باعتبارها ورقة تفاوضية مرتفعة الثمن، ومحسومة الأولويات في لعبة تبادل المصالح مع القوى الإقليمية والدولية، وسط الحديث عن لعب موسكو دور الوسيط من أجل مقاربة وجهات النظر بين إسرائيل وإيران والنظام، على ان تسحب الأخيرة قواتها وميليشياتها من المنطقة الجنوبية مقابل بسط سيطرة النظام السوري عليها.
محللون سوريون رأوا ان من مصلحة روسيا ايجاد حل بين نظام الاسد وإسرائيل تتلخض بتأمين عملية سياسية ناعمة للتطبيع مع إسرائيل دون ضجة ودون تكلفة عالية، كونها تعتبر ثبات النظام السوري واستقراره من أولوياتها الأولى لتنتقل إلى مرحلة هندسة الحل السياسي.
وسائل إعلام إسرائيلية قالت إن لقاءات دبلوماسية بين إسرائيل وروسيا أسفرت عن اتفاق بين الجانبين، يقضي بالسماح للنظام السوري باستعادة السيطرة على حدوده الجنوبية مع إسرائيل شريطة خلوّ المنطقة من القوات الإيرانية او الميليشيات الشيعية المؤتمرة بإمرتها كحزب الله وغيره، وذكرت القناة الإسرائيلية العاشرة مساء أمس أن الاتفاق يقضي أيضاً بعدم انتشار أية قوات من إيران أو حزب الله حليفتي النظام السوري أو أية عناصر أجنبية على الحدود، مضيفة أن إسرائيل «ستحافظ على حرية تصرفها داخل سوريا».
ونقل التلفزيون الإسرائيلي عن مسؤول رفيع المستوى ان الوساطة الروسية أفضت إلى موافقة إسرائيل على نشر قوات سورية عند حدودها الشمالية، وأفاد التقرير أن القوات السورية ستتخذ مواقع على الحدود مع إسرائيل، مقابل وعد روسي بخلو المنطقة من التواجد الإيراني و«حزب الله».
صحيفة «هآرتس» العبرية، ذكرت مساء أمس الإثنين، ان رأس النظام السوري بشار الأسد ينوي إبعاد القوات الإيرانية من الحدود السورية ـ الإسرائيلية المشتركة، وكتب المعلق العسكري للصحيفة تسيفي بارئيل أن الرئيس الأسد طلب من إيران و»حزب الله» اللبناني إبعاد قواتهما العسكرية من الحدود السورية ــ الإسرائيلية المشتركة، لمنع تدهور الأوضاع على تلك الحدود، وحتى لا تتخذ ذريعة لضرب إسرائيل لأهداف سورية أخرى على الأراضي السورية.
ونقلت القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية عن ممثل القاعدة الروسية في سوريا، أليكسندر إيفانوفو قوله ان «تعقيدات المباحثات القائمة حول اتفاق خفض التصعيد جنوبي سوريا تكمن في رفض الجانبين الإسرائيلي والأمريكي لتواجد أي قوات إيرانية أو من منظمة «حزب الله» اللبنانية ضمن تشكيلات القوات الحكومية في المنطقة، حيث يسعى الجانب الروسي إلى مقاربة وجهات النظر بين جميع الأطراف للوصول إلى حلول تنهي العنف الدائر في البلاد منذ ما يزيد عن سبع سنوات».
وامام هذه التطورات رأى الخبير العسكري غياث الحاج سليمان ان إسرائيل كانت دائماً صاحبة السياسية المنفّذة في الشرق الأوسط، لكنها طالما كانت تنفذ سياساتها بأيادٍ أمريكية، اما في المرحلة الراهنة فقد استطاعت إسرائيل ان تفرض سياستها على المنطقة علناً عبر روسيا.
موافقة إسرائيل
وذهب الخبير في العلاقات الدولية الحاج سليمان إلى ان موافقة إسرائيل على دخول قوات النظام إلى المنطقة الجنوبية واسترجاع خطوط التماس بينها وبين إسرائيل له دلالات عدة ، اولها إيضاح موقفها بانها القوة العظمى في المنطقة وهي الآمر الناهي فيها.
وأرادت إسرائيل عبر مباحثاتها مع روسيا، ابلاغ النظام السوري بانه فعلياً من «المرضي عنهم» والايضاح بأن إيران وحزب الله اللبناني من «المغضوب عليهم» من قبلها، وهي من توزع شهادة حسن وسوء السلوك على القوى الدولية.
وأوضح لـ «القدس العربي»، ان هذه الموافقة إن تمت فعلاً فهي بمثابة مصيدة لإيران من الممكن ان تقع فيها، وقال «لا يستبعد ان تقوم ايران بمحاولة زج وحداتها وميليشياتها ضمن صفوف قوات النظام وهذا ستكون له نتائج سلبية كبيرة على الجانبين، أما إسرائيل فممكن فعلاً ان تنصب هذا الفخ وتضعه تحت المراقبة الشديدة».
وأشار سليمان إلى ان موسكو تخوض وساطة في ظل مباحثات صعبة كونها فرضت اقصاء ايران وميليشياتها وعلى رأسها حزب الله، التي تحاول ترسيخ نفوذها في المنطقة لاجندات توسعية طائفية، وأضاف «ان ذلك يجري في ظل دراية روسية كاملة بانفراط عقد جيش النظام واعتبارها قوات مهلهلة لا تكفي لملء الفراغ في المنطقة».
وتحدث الخبير السياسي عن مصلحة روسيا في ايجاد حل بين الاسد وإسرائيل تكون نتائجها بتأمين عملية سياسية ناعمة للتطبيع مع إسرائيل دون ضجة ودون تكلفة عالية، وقال ان السياسية الروسية هي تطبيق للسياسية الأمريكية التي تفرض عدم وجود معارك في المنطقة الجنوبية، معتبراً الوساطة الروسية خدمة بناءً على التوجيهات الأمريكية.
هندسة الحل السياسي
الناشط السياسي درويش خليفة قال ان الاتفاق الأخير كان بمثابة مفاوضات اذ كان طلب الإسرائيليون ابتعاد الميليشيات الإيرانية شرقي طريق دمشق درعا نحو 60 كم ولكن على ما يبدو ان الروس أقنعوا الوفد الإسرائيلي فقط بـ 20 كم وعليه يبدو أن الأمور لم تحسم في المطلق.
وأضاف في لقاء مع «القدس العربي» ان المنـطقة الجنوبية من سوريا وتحديداً درعا والقنيطرة تم التوافق على خفض التصـعيد فيها بين الروس والامريكان والجانب الأردني المحاذي للحدود الجنوبية لسـوريا، بالتالي انسحاب الميليشيات الحلـيفة للنظـام (حـزب الله- فاطـميّون- فيلق القدس) باتجاه الفرقة التاسـعة في الصـنمين ما هي الا بضـغط روسي كون الروس يهندسـون خفـض التصعـيد في الجـنوب والشـمال على حد سـواء، وللـبدء باسـتثمار تواجدهم في سـوريا، وفتح الطريق الدولي حلب – دمشق وصولاً للمعـبر الحـدودي مع الأردن عـند نقـطة نصـيب.
الميليشيات الشيعية المنسحبة مؤخراً تعرضت خلال الأسابيع الاخيرة لجملة من القصف المدفعي الإسرائيلي في القنيطرة، وعلى ما يبدو برأي المتحدث ان روسيا تحاول إنهاء أشكال المعارك العسكرية كافة قبل نهاية العام الحالي لتنتقل لهندسة الحل السياسي وفق رؤيتها وهنا الكلام عن المناطق المتفق عليها في استانة فقط.
اما عودة سيطرة النظام على المناطق المنسحبة منها الميليشيات الحليفة، فلا توجد خيارات اخرى لدى الروس سوى عودة جيش الاسد واقناع الأمريكان والإسرائيليين بذلك على ان تكون هذه القوات مشلولة اي قوات حفظ نظام أقصى ما يمتلك عناصرها بنادق تسهم في إرهاب المواطن السوري.