بوسع بنيامين نتنياهو أن يعقد ألف اجتماع لمجلس وزرائه في نفق تحت «حائط البراق»، وأن يتصور أن الملفات كلها أغلقت، وأن القدس الموحدة صارت عاصمة أبدية لإسرائيل، وأن يشرب أنخاب النصر، لكن هذا كله مجرد وهم، وسحابة صيف سرعان ما تزول، وتعود الحقائق الكبرى لتفرض نفسها، وتكتب سيرة الموت لإسرائيل النووية العنصرية المتعجرفة.
ربما يبدو أننا نحلم، أو أننا نسلم الرؤوس لتفاؤل لا محل له، فظواهر المشهد الراهن توحي بالقنوط، فقد تركوا الشعب الفلسطيني وحيدا في محنته، وجعلوا شعوب الأمة العربية في شغل عن فلسطين، والحكام لا يعنيهم سوى عروشهم، وأغلبهم لا يعنيه سوى كسب رضا السيد الأمريكي، وترويج رهانات خائبة على ترامب، وانتظار أن يعقد لهم ما أسموه «صفقة القرن»، بينما ترامب في واد آخر، مشغول بحلب واستنزاف تريليونات ثروات الخليج إلى آخر سنت، وجلب العرب إلى مزاد، استبدال العدو التاريخي، وإحلال إيران محل إسرائيل، وجعل إسرائيل حليفا للعرب في الحرب مع إيران، وتصوير مشكلة الفلسطينيين كأنها شأن داخلي إسرائيلي، تحل ببعض تيسيرات العبور والعمل والمعونات الاقتصادية، وجعل غاية أمل الفلسطينيين، في نيل حكم ذاتي موسع، يسرى على السكان دون الأرض، ومقايضة التسهيلات للفلسطينيين بتطبيع شامل لعلاقات إسرائيل مع الدول العربية مجتمعة، وفى سياق ما يسمونه بالحل الإقليمي، وجعل «حل الدولتين» من ركام الماضي الدبلوماسي، فترامب لا يعترف أصلا بوجود احتلال ولا استيطان، ويرى فلسطين كلها من حق إسرائيل، وقد ذهب ـ كما ذهب نتنياهو ـ إلى حائط البراق، الذي يسميه ترامب كما تسميه إسرائيل، حائط المبكى اليهودي، وكان ترامب أول رئيس أمريكي يفعلها وهو في السلطة، ورغم وضوح مغزى التصرفات، الذي لا يخل به تأجيل ترامب الوقتي المراوغ لتنفيذ قراره بنقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، فلن تعدم وجود رؤساء وحكام غفلة، يواصلون الجري وراء وعد ترامب الزائف، ويحدثونك مرارا وتكرارا عن «صفقة قرن»، لا تفسير لها سوى أن تكون صفقة التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، وهو وهم لو تعلمون عظيم.
نعم، تصفية القضية الفلسطينية مستحيلة، ولسبب غاية في البساطة، هو أن الشعب الفلسطيني لا يموت، ولا يمكن لأحد تجاوز حقوقه إلى النهاية، لا بتلاعبات ولا بتسويات، ولا بتسهيلات ولا معونات، ولا حتى بافتراض إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة عاصمتها القدس الشرقية، هذا إن كان ذلك ممكنا، وهو غير ممكن في المدى المنظور، لا بوجود ترامب ولا بذهابه، ولا بوكسات الحكام العرب، ولا بفلكلور السلطة الفلسطينية التي هى قبضة هواء، فكل هذه المظاهر مجرد عناوين موقوتة، وقد تخدع بعض الناس لبعض الوقت، لكن ليس بوسعها أن تؤدي لأكثر من التمويه العابر، ولا تؤثر فعليا في المجرى الحاسم لكفاح الشعب الفلسطيني، ولا في الإبداع المتواصل لطلائعه الحية، فلم يتوقف الشعب الفلسطيني يوما عن فعل الانتفاض، وخلال الثلاثين سنة الأخيرة، كانت حركة الشعب الفلسطيني دائما على الضد من مقدمات الخذلان، وتذكروا ـ من فضلكم ـ بعض ما جرى، كانت «قمة عمان» أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، وكادت تتوارى القضية الفلسطينية في مناقشاتها، وعلى العكس مما كان يحدث في قمم أربعين سنة سبقتها، ورغم الخذلان العربي الرسمي، كان الشعب الفلسطيني يفجر انتفاضته العفية في 1987، ويجعل قضيته ساخنة على جدول الأعمال، ثم كانت اتفاقات «أوسلو» وما تلاها، التي تصورها البعض خاتمة للكفاح الفلسطيني، لكن التاريخ الفلسطيني لم تكتب نهايته، وكان الشعب الفلسطيني عند أفضل الظنون، وفجر انتفاضته الحديثة الثانية عام 2000، ونجحت الانتفاضة الشعبية والمسلحة في قهر إسرائيل، وارغمتها على الجلاء عن غزة وتفكيك مستوطناتها اليهودية أواسط العقد الأول من القرن الجاري، وهو ما حاولت إسرائيل جعله ختاما لهزائمها أمام الشعب الفلسطيني، وحاصرت ياسر عرفات حتى قتلته، وأتت المضاعفات بأبي مازن، وأبرمت معه إسرائيل اتفاقات التعاون الأمني ومطاردة الفدائيين، لكن جبروت إسرائيل لم ينفعها في النهاية، ولا هي أمنت من خوف ببركة التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، صحيح أنها ضاعفت مرات معدلات الاستيطان والتهويد في القدس والضفة الغربية، لكن غزة الصامدة كانت لها بالمرصاد، وأدارت معها ثلاثة حروب لم تنتصر إسرائيل أبدا في واحدة منها، تماما كما لم تنتصر في أي حرب مع «حزب الله» اللبناني، فقد كانت حركة المقاومة المسلحة تستوعب الدرس، وتخلق نمطا جديدا من الحروب، لا يتاح فيها لإسرائيل أن تنتصر، تماما كما كان الشارع الفلسطيني في القدس والضفة، يبتكر طرقا جديدة للمقاومة الشعبية، وبإبداع أجيال جديدة في حروب الدهس والطعن بالسكاكين، والمظاهرات الدورية عند الحواجز والمستوطنات وجدران العزل، والاعتصام بالمسجد الأقصى المبارك، والالتفاف الشعبي الزاحف وراء صمود الأسرى، ومعارك «الأمعاء الخاوية»، التي أجبرت إسرائيل على التراجع، تماما كما كانت وتظل حركة الشعب الفلسطيني عفية في عواصم الشتات، تخلق للشعب الفلسطيني أصدقاء وأنصارا في كل مكان، وتطور حركة المقاطعة لإسرائيل في جامعات الدنيا المتقدمة، وفي برلماناتها ومجتمعاتها المدنية الديمقراطية، وكل يوم يمر، تكسب معه القضية الفلسطينية أرضا جديدة، وتصبح قضية الإنسانية الأولى، تماما كما تنبأ بذلك الراحل نيلسون مانديلا زعيم الكفاح الأفريقي ضد العنصرية والاحتلال الاستيطاني.
ويملك المتلاعبون أن يفعلوا ما يشاؤون، وأن يدبروا المؤامرات والتسويات، فما من فارق كبير، وما من إمكانية لطمس الحقيقة الكبرى، وهي أننا لسنا بصدد مجرد صراع ولا نزاع، بل بصدد استعمار استيطاني إحلالي في فلسطين، وبصدد حركة تحرير وطني فلسطيني متعاقبة الأجيال، واصلة حتما إلى غاياتها، حتى لو تخلى العالم كله عن قضية فلسطين، فالشعب الفلسطيني وحده كفيل بالانتصار لنفسه، ومهما كانت العوائق، أو خلافات عباس وحماس، فكلها ظواهر عابرة في الكلام العابر، لا تخفي حقيقة الحيوية الفياضة للشعب الفلسطيني، وهو أكثر شعوب العرب تعليما، وقد خلقته المحنة خلقا جديدا، وقطع الطريق على إمكانية دوام الاستقرار النهائي لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، فقد يكون بوسع إسرائيل أن تحقق أكثر مما حققت، لكن ليس بوسعها أن تضمن استمراره واستقراره، فقد أكملت إسرائيل احتلال فلسطين كلها بعد حرب 1967، لكنها لم تنجح في إفناء الشعب الفلسطيني، ولا في دفعه للرحيل عن أرضه المقدسة، وكل استعمار استيطاني إحلالي، لا ينجح في إفناء السكان الأصليين، ولا في تذويبهم ضمن كيانه الغاصب، يكتب عليه الموت في سفر النهاية، وتماما كما جرى في حرب الجزائر، التي امتدت 130 سنة، وفى حرب جنوب أفريقيا التي دامت قرونا، وكما جرى ويجري في فلسطين المحتلة كلها الآن، فقد طردت إسرائيل 800 ألف فلسطينى في حرب النكبة عام 1948، لكن عدد الفلسطينيين الآن في الداخل الفلسطيني صار يناهز الستة ملايين، ويزيد عن عدد اليهود الذين جلبتهم الحركة الصهيونية إلى فلسطين، تماما كما صار عدد الفلسطينيين في الوطن والشتات مساويا لعدد اليهود في الدنيا كلها، مع فارق عظيم محسوس، هو أن إسرائيل لم يعد بوسعها جلب المزيد من اليهود إلى فلسطين، بينما الفلسطينيون داخل فلسطين يزيد عددهم باطراد، وتلعب الفوارق الهائلة في معدلات الإنجاب لصالحهم، ولن يمضي وقت طويل، حتى يصبح الفلسطينيون هم الأغلبية الساحقة في وطنهم التاريخي، وهو ما يعني ببساطة، أن حلم الصهيونية في جعل فلسطين وطنا لليهود يذهب مع ريح الزمن، وأن شعار «الدولة اليهودية» النقية صار كلاما فارغا من أي مضمون، وأن كفاح الشعب الفلسطيني سوف يأخذ مسارا جديدا، خاصة مع «الصحوة القومية» للفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ 1948، ومع توالي الانتفاضات، فقد زادت ظواهر امتزاج حركة الشعب الفلسطيني قفزا على ما يسمونه بالخط الأخضر الفاصل بين أراضي 48 وأراضي 67، ورغما عن جدران العزل، وتراكمت للفلسطينيين خبرات كفاح متنوعة، تجعل الكفة راجحة لصالحهم باطراد، وربما لن ينتصف هذا القرن الذي نحن فيه، إلا وتكون نهاية إسرائيل العنصرية و»اليهودية» التي روجوا لها، فلا مستقبل في الأراضى المقدسة لغير «دولة ديمقراطية» أغلبيتها من الفلسطينيين.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل