سفيتلانا ألكسييفيتش… أدب منسوج من أصوات غائبة

حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي» من زينة شهلا: قبل عام 2015، لم تحظَ الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش باهتمام كبير خارج موطنها وحدود القارة الأوروبية، وهي التي اعتادت العمل في مجال الصحافة والأدب المبني على الشهادات، إلا أن حصولها على جائزة نوبل للآداب قبل عامين، فتح الباب واسعا أمام ترجمة كتبها للغات عدة منها اللغة العربية، ونقاشات طالت محاور أعمالها التي تعتمد بشكل أساسي على تأريخ حقب معينة من التاريخ الروسي بشكل إنساني مكثّف.
نشرت ألكسييفيتش التي ولدت عام 1947 ودرست الصحافة في جامعة مينسك، خمسة كتب باللغة الروسية منذ عام 1985، تناول كل منها حدثا معينا منسوجا بأصوات مختلفة: فتارة تحدثت إلى نساء عايشن الحرب العالمية الثانية على جبهات القتال، وأخرى قابلت أمهات الجنود الروس الذين حاربوا في أفغانستان، فجسدت فجائع كبرى ربما طالها النسيان، أو غفل المؤرخون عن الحديث عنها بلسان من عاشوها فعلا.
وللمرة الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية عن فوز عمل غير سردي بجائزة نوبل للآداب، حيث مُنحت سفيتلانا ألكسييفيتش الجائزة تقديرا «لأعمالها متعددة الأصوات، التي تفند معاناة وشجاعة عصرنا، وتتحدث عن الإنسان خلال وبعد المرحلة السوفييتية، ليس بما يتعلق بالأحداث وإنما بالمشاعر أيضا».

تجارب مختلفة

اعتمدت ألكسييفيتش في كتبها على مقابلة مواطنين عاديين عصفت الحرب بحياتهم بشكل أو بآخر، لتحكي قصصهم غير المروية من قبل بشكل متماسك ومتسق، وليصعب على من يبدأ بأي كتاب التوقف عن القراءة قبل الوصول للنهاية، والتي تترك القارئ أيضا مع ألف سؤال وسؤال حول جدوى تلك الحروب والأحداث: هل حقا صنعها الإنسان ولماذا؟ وهل يعقل أن تصبح الحرب عادية لهذه الدرجة؟
كثافة الحكايا والنصوص الممزوجة مع بعضها بعضا بحرفية في كتب ألكسييفيتش ناجمة عن آلاف المقابلات التي أجرتها خلال الأعوام الثلاثين المنصرمة، لينتج عنها تاريخ شفوي بأسلوب أدبي جديد ومبتكر، قلما نسمع أو نقرأ عنه في كتب التاريخ الرسمية. لم يمنع ذلك من تعرض الكاتبة لمحاكمات قانونية بسبب كتاباتها، التي أثارت جدلا كبيرا في بلدان الاتحاد السوفييتي. فبعد صدور «فتيان الزنك» الذي طرح أسئلة حساسة عن جدوى الحرب الروسية في أفغانستان ومدى مصداقية الروايات الرسمية حولها، واجهت ألكسييفيتش محاكمات عدة واعتراضات من بعض من وثقت رواياتهم في الكتاب، حيث حضرت جلسات استماع وتحقيق مطولة حول ما كتبته، وما إذا كانت قد أساءت لشهودِ كُتُبِها أو لرموز الحكم بشكل عام.

ترجمات عربية

إبداع وزخم دفعا دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع للعمل على نقل كتب ألكسييفيتش من اللغة الروسية للعربية، «كرغبة في نقل تجربة لم تجد بعد طريق الشهرة لعالمنا العربي، وهي فريدة على مستوى نقل شهادات حية ضمن سياق أدبي- درامي، استطاعت العثور على العامل الإنساني في كل الحروب على اختلاف مسبباتها»، وفق حديث مدير الدار مروان عدوان لـ«القدس العربي». وصدرت عن الدار حتى اليوم ترجمة ثلاث كتب هي «فتيان الزنك» الذي يتحدث عن التدخل السوفييتي في أفغانستان بين عامي 1979 و1985 بلسان جنود عائدين من الحرب، وأمهات وزوجات من قتلوا فيها. و»ليس للحرب وجه أنثوي» الذي يكتب تاريخ مشاركة النساء السوفييت في الحرب العالمية الثانية في مختلف المهام القتالية وغير القتالية. و»آخر الشهود» الذي يوثق شهادات الأطفال الذين عايشوا الحرب العالمية الثانية، باعتبارهم آخر من شهد فظاعات تلك الحرب.
كما تستعد الدار خلال الأسبوع المقبل لإطلاق ترجمة «زمن مستعمل» وهو آخر كتبها الصادر عام 2013 والحائز تقديرات كواحد من أفضل كتب العام من جهات عديدة منها «واشنطن بوست»، «نيويورك تايمز»، «لوس أنجليس تايمز بووكس»، و»بابليشرز وييكلي». ويعتبر الكتاب بمثابة دراسة موسعة عن الحياة في روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود الرأسمالية، مع كل ما رافقها من خيبات أمل وحنين لماضٍ لن يعود.
تتحدث شخصيات ألكسييفيتش في «زمن مستعمل» عن الحرب بوصفها منبع الخوف: «في الحرب كان يخاف الإنسان من الإنسان، سواء أكان من بلده أم غريبا»، والتوحش: «لا وحش أسوأ من الإنسان. هو الإنسان الذي يقتل أخاه الإنسان، وليست الطلقة. إنسان يقتل إنسانا… يا عزيزتي!»، واللابطولة: «لا وجود للأبطال في الحرب… إذا ما أمسك الإنسان السلاح، فهو لن يكون إنسانا جيدا، ولن يتمكن من أن يكون كذلك».
وفي كلمة الدار الناشرة عن الكتاب نقرأ: «لا تبحث سفيتلانا عن إجابات للأسئلة الكبيرة التي تهم قارئ التاريخ، بل عن آلاف التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية المنصرمة عبر جمع عشرات الشهادات لبشر عاديين عاشوا هذه التجربة وتقلباتها. تبحث سفيتلانا عن الأحاديث الليلية الصغيرة التي تختفي مع الصباح، عن الحلم بمستقبل جديد، بزمن آخر. إلا أنه الزمن نفسه مكررا؛ زمن مستعمل». ويعتبر عدوان أن ترجمة كتب ألكسييفيتش هي جزء من توجه الدار نحو «نقل تجارب شبيهة بما تعيشه منطقة الشرق الأوسط للقارئ العربي، كطريقة لمعرفة الكيفية التي كتب بها آخرون عن ثوراتهم وحروبهم في مختلف أشكالها». كما يركّز عدوان على أهمية الاستفادة من تجارب بلدان أخرى مهما بلغت قساوتها، «فبلادنا ليست الأولى في ما تعانيه، ويبقى الأدب وخاصة المترجم منه من أهم حوامل نقل تلك التجارب لعالمنا العربي».
«أنا من دعاة السلام وضد الحرب. لا أكتب عن الحرب، بل عن الإنسان في الحرب. لا أكتب تاريخ الحرب، بل تاريخ العواطف والمشاعر، فأنا مؤرّخة النفس والروح»، تقول ألكسييفيتش في إحدى حواراتها، ويجسد أسلوبها الاستثنائي في نقل أصوات الناس ومحاولة فهم عصر كامل ملطخ بالحروب والدماء هذه المقولة فعلا، لتكون ممن يكتبون عن الحرب، ليس بهدف تمجيدها، وإنما للتأكيد على ألا حق لأيٍّ كان بسلب حياة الآخرين سواء باسم الحرب أو السلم.

 

سفيتلانا ألكسييفيتش… أدب منسوج من أصوات غائبة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية