«إحنا بتوع الأتوبيس».. فيلم مصري من إنتاج 1979، حتى اليوم لا أستطيع نسيانه، كما لا أستطيع مشاهدته مرة أخرى لكثرة الودع فيه، وقد شاهدته منذ سنوات طويلة.
الفيلم من بطولة عادل إمام، ونخبة من النجوم المصريين معه، وليس كوميديا بالمرة.. بل تراجيدي يحمل إدانة صارخة لعهد الزعيم المصري جمال عبد الناصر، ونظام المخابرات والأمن السياسي فيه، وهو العهد الذي تفجرت فيه نجومية عادل إمام نفسه بعد مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي ألفها الكاتب المصري علي سالم، صاحب أول خطوات تطبيعية مع إسرائيل في عهد السادات.
الفيلم، على عكس كل أفلام «صاحب السعادة» عادل إمام، ليس من أفلامه المتداولة، لكنه برأيي من أكثر أفلامه المؤثرة في الأداء، الذي لم يكن يسمح له بتقديم حركاته العبيطة المعتادة، والتي توظف عضلات الوجه لرسم تعابير التهريج «الإمامية» الخاصة والتي كانت ولا تزال ماركة مسجلة للفنان كمشخصاتي لا كممثل.
استطاع عادل إمام أن يتقمص شخصية مصرية غاضبة تدين عهد عبدالناصر كله من داخل المعتقل، وهذا ممكن لرجل تفجرت ثروته المليونية في عهد الانفتاح الساداتي فنجح في التعبير عن غضبه من عهد ناصر، وربما من هنا فهم عادل إمام قواعد اللعبة السياسية كرجل يمتهن التمثيل في مصر!
الثروة المليونية جعلته نجم النجوم في مصر، ليسبغ على نفسه لقب «الزعيم» وقد عنونها مسرحية من مسرحياته ذات العرض الطويل، وتلك الثروة المليونية أوهمته أيضا أنه قادر ببساطة على الاستيلاء بل وخطف الثورة المليونية ببساطة، فهو الزعيم.. البطل الذي ينقذ مصر كلها بصرخة في مسلسله الجديد «أستاذ ورئيس قسم» لتصبح ثورة 25 يناير نتاجا مباشرا لصرخة عادل إمام من داخل السجن وليست نتاجا لغضب شعبي صادق حمل إرادة جماهيرية هدفها التغيير المطلق.
حتى علي سالم، مؤلف مسرحية «مدرسة المشاغبين» نفسه، هاجم الزعيم، بقسوة وشدة، وانتقد في قفلة رسالته المقال بقوله: «لدينا أكثر من حاجتنا من الزعماء والمفكرين الاستراتيجيين وأصحاب الدم الثقيل في كل مكان.. الضحك عملة نادرة هذه الأيام يا عزيزي عادل.. بل كان عملة نادرة طوال التاريخ وعرضه.. وإلى الأبد سيظل الناس في حاجة لشارلي شابلن، وليس إلى غيفارا».
لقد أخطأ عادل إمام، والأدهى أنه يعيش في حالة عمى مطلق بحيث لا يرى جريمته بحق ثورة الشعب المصري، فهو يستمر في سياق دراما مسلسله الرمضاني بتصغير معطيات ثورة 25 يناير، وتفصيلها بما يناسب «زعامته الشخصية» ورغبات السلطة الحالية في مصر.
أخطأ عادل إمام، حين غفل عن معطيات جديدة تغلب «زعامته» الواهمة.. أولها وأهمها أن ثورة المعلومات وبكبسة زر قادرة على تشخيصه هو شخصيا بكل تاريخه وتصريحاته…
أخطأ عادل إمام، حين حاول استغفالنا بسذاجة، وهو ليس ربيب النظام السابق وحسب، بل ربيب كل نظام عاش فيه.
المصريون يتابعون مهزلة عادل إمام ولسان حالهم يقول «إحنا بتوع الأتوبيس» يا دكتور فوزي، إحنا بتوع الثورة.
القصبي يضغط بإصبعه على الجرح النازف
في المقابل، ومع ارتباك الدراما السورية بفعل الأزمة التي ألقت بظلالها الثقيلة على الإنتاج السوري الموزع بين الداخل والخارج حتى وصل الأمر إلى حد بناء الحارة الدمشقية في ستوديوهات على ضفاف الخليج العربي، فإن الإنتاج الخليجي لا يزال يراوح نفسه في دراما البكائيات الإجتماعية المكررة مستندا إلى نجوم ونجمات الكويت.
هذه المراوحة المكررة في رمضان هذا العام، وجدت من يخترقها بكوميديا حقيقية تكاد تكون سوداء بمضمونها الناجح، وإنتاجها الجيد، عبر السعودي النجم ناصر القصبي، وقد كسر عقدة الثنائية في سلسلته الأثيرة «طاش ما طاش»، مع شريكه عبدالله القصبي، ليحلق في سماء مسلسله «سيلفي» ويفجر الجدل من حلقاته الأولى ويثير الأسئلة المشروعة عبر عمل جريء ومدهش، والأكثر إدهاشا أنه إنتاج سعودي يكاد يقول «زيتنا عكر» بتوليفة ذكية من النقد الذاتي المحترم، والشجاع.
بدون ضجيج علاقات عامة، وببث فضائي رمضاني عقب الإفطار في الأيام الأولى للشهر، يقتحم القصبي وطاقم مسلسله بيوت العالم العربي من محيطه إلى خليجه، ويثير زوبعة الأسئلة عبر نص متماسك تكسر طرافة الشخصية فيه حدة وقسوة الواقع الذي تعالجه القصة.. لنكتشف أنه يتحدث عن واقعنا الدموي فيترك التساؤلات مشرعة ومشروعة.
شكرا ناصر القصبي، وكل طاقم مسلسل سيلفي.
أحلام بطلة «تايتانيك» العربي
في مكتبتي الخاصة، أعتبر فيلم «العراب» للمخرج فرانسيس دي كوبولا، أحد أهم أيقونات السينما العالمية، ولأنه كذلك، فقد لفتت انتباهي تلك المحاولة «الغربية» في الدراما العربية لتحويله إلى مسلسل عربي رمضاني، يؤدي فيه المطرب عاصي الحلاني أحد أدوار البطولة.
الصديق الناقد السينمائي المبدع هوفيك حبشيان أضحكني عبر صفحته الـ «فيسبوكية» بنشره صورة قديمة للمخرج فرانسيس دي كوبولا وهو يسدد مسدسا إلى رأسه، ويعلق هوفيك تحت الصورة قائلا «إن كوبولا قرر الإنتحار بعد تحويل ثلاثيته السينمائية إلى مسلسل عربي».
فكرة تحويل روائع السينما العالمية إلى إنتاج عربي عملية محفوفة بالمخاطر ومجازفة تتطلب إنتاجا ذكيا لا تمويلا ضخما وحسب، وهذا يقودني إلى تخيل فانتازي لرمضان المقبل، إذ ربما نشهد تحويل فيلم «تايتانيك» الشهير إلى مسلسل عربي، وربما لن نتفاجأ في سياق الهبل الفانتازي أن نجد دور «روز» لكيت وينسليت وقد جسدته الفنانة أحلام.. مثلا.
إعلامي من الأردن يقيم في بروكسل
مالك العثامنة