سكان الموصل لا يوافقون على سياسة «داعش» ويخشون عودة الميليشيات الطائفية إن هزم وفي اللطيفية عمليات التطهير الطائفي مستمرة… والغارات الجوية لم توقف تقدم الجهاديين

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بعد أربعة أشهر من سيطرة الجهاديين من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مدينتهم يحضر سكان الموصل أنفسهم للغارات الجوية الأمريكية وللهجمات الطائفية.
ويقول سكان المدينة إن زيادة الهجمات الجوية على المدينة أدت بمقاتلي الدولة الإسلامية لتغيير أساليبهم وقللوا من ظهورهم في الأماكن العامة.
وتقول صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إن مخاوف السكان الذين رحب بعضهم بوصول «داعش» لمدينتهم الذي خلصهم من الجيش العراقي وممارساته الطائفية عادت من جديد، ولما يمكن أن يحدث لهم إن عاد الجيش نفسه مرة أخرى للموصل.
ونقلت الصحيفة عن صحافي يعمل في المدينة قوله «في الأيام العشرة الأخيرة، لم يعد ظهور الدولة الإسلامية واضحا في الشوارع، كما عاد العرب الذين جاءوا بأعداد كبيرة للتحرك بسيارات عادية بدلا من استخدام سيارات الدفع الرباعي حتى لا تكتشفهم طائرات التجسس».
وتأتي مخاوف سكان الموصل في وقت قال فيه الجنرال الأمريكي الذي ينسق عمليات الهجوم على «داعش»، الجنرال جون ألن إن عملية إعادة السيطرة على الموصل لن تتم قبل عام. وقال «لن تكون معركة واحدة، بل تحتاج لحملة عسكرية.
ويقول التقرير إن المقاتلين الأجانب الذين يمثلون غالبية المقاتلين في تنظيم «داعش» اندفعوا بعد سيطرتهم على الموصل ونهبهم المعدات العسكرية الأمريكية الصنع باتجاه العاصمة بغداد، فيما عاد آخرون إلى سوريا التي يسيطر «داعش» فيها على مناطق واسعة.

مثل أيام صدام

وكلف عراقيxون موالون للتنظيم الذي يعود بجذوره لتنظيم «القاعدة» بإدارة شؤون الحياة اليومية في المدينة. وتنقل الصحيفة عن الشيخ أبو عبدالرحمن أحد قادة القبائل التي تقيم في المدينة «لم يجبرنا أحد على الإنضمام لتنظيم الدولة الإسلامية، وهناك البعض ممن انضموا طوعا».
وتحدث الشيخ عن الحرية التي يعيشها السكان، لا نقاط تفتيش ولا منع تجول ولا جدران واقية من الرصاص. وقال إن المستشفيات تعمل طوال الوقت والحياة عادية وهادئة «وتبدو الموصل كما لو كانت في عهد صدام، نحن أحرار».
وتضيف الصحيفة أن بعض مشايخ العشائر في الموصل أقسموا الولاء لـ «داعش» خشية أن يقوم هذا التنظيم بالإنتقام منهم. وهناك تقارير عن إعدام إمام رفض تقديم الولاء ل «داعش»، وذلك في 9 أيلول/سبتمبر.
وأشار تقرير للأمم المتحدة صدر الإسبوع الماضي لقيام «داعش» باستهداف رجال الشرطة والجيش السابقين في محاولة لمنع أي تهديد منهم.
وبلغ عدد من أعدمهم التنظيم الشهر الماضي في الموصل ستة أشخاص حيث أصدرت عليهم محكمة شرعية الأحكام. وفي 5 أيلول/سبتمبر الماضي أعدم التنظيم ثلاث نساء بسبب رفضهن علاج مقاتلي «داعش». وفي 9 أيلول/سبتمبر تم إعدام امرأتين بشكل فوري. وحتى الآن لم تستهدف القوات الأمريكية والعراقية مركز المدينة مع أنه تم توجيه ضربات للضواحي. ويقول سكان المدينة إن المقاتلين التابعين ل «داعش» يستخدمون الدراجات الهوائية ويختلطون مع السكان المدنيين.
وقطعت عن المدينة خطوط الإنترنت بعد خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي دعى فيه قادة العالم العمل معا لمواجهة «داعش»، وحث فيه خاصة المجتمعات المسلمة كي تقوم بوضوح وقوة برفض أيديولوجية تنظيمي «القاعدة» و»داعش».

الغارات لا تكفي

وبعد مضي أكثر من شهرين على الغارات الجوية في العراق وأسبوعين في سوريا يدور نقاش في الولايات المتحدة وبريطانيا حول فعاليتها. ففي تصريحات لشبكة «سي أن أن» الأمريكية تحدث النائب الجمهوري ليندزي غراهام قائلا «لا يمكنك تدمير داعش بدون قوات برية».
وناقش أن تدريب المقاتلين السوريين غير المجربين في السعودية سيقود إلى «ذبحهم».
وهي العبارات نفسها التي قالها لورد جنرال ديفيد ريتشاردز، قائد القوات البريطانية السابق في برنامج أندرو مار يوم الأحد على قناة «بي بي سي» وقال «هذه ليست حربا لمكافحة الإرهاب بل هي حرب تقليدية ضد عدو يملك الدبابات والمدفعية، وهو عدو ثري ويسيطر على الأرض، ومستعد للقتال، وعليه فيجب النظر إليه عبر منظور الحرب التقليدية». كما أن التنظيم وإن تراجع في مناطق داخل العراق أمام القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية إلا أنه حقق تقدما في مناطق أخرى حول بغداد، ولم يتحرك الجيش العراقي بعد باتجاه المدن التي يسيطر عليها «داعش» مثل تكريت والموصل.
وقلل مسؤول أمني عراقي سابق من أهمية الضربات الجوية على «داعش». ونقلت عنه صحيفة «ساينس مونيتور» قوله «إنهم ـ مقاتلو داعش ـ يعرفون هذه الإستراتيجية، واستخدمت ضده في العراق والشيشان، ومن السهل عليهم التكيف ضد الغارات، وهم يستخدمون شبكاتهم والهواتف النقالة، كما ومن السهل عليهم تجنبها» أي الغارات.
وتقول «ساينس مونيتور» إنه عندما دخل «داعش» الموصل وأجبر الجيش العراقي الذي يتسيد عليه الشيعة على الهروب، كان هناك حديث عن ثورة في مدينة غالبيتها من السنة، وكان هناك شعور بالإرتياح بعد خروج الجيش وتفكيك نقاط التفتيش. وحصل اتفاق بين» داعش» وضباط الجيش العراقي السابق وبقية الميليشيات العاملة في المدينة.
وينقل التقرير عن محمد فارس الدليمي، أحد قادة العشائر قوله إن سيطرة «داعش» على الموصل كانت سهلة بسبب وجود تعاطف معه.
فالتنظيم الذي كان ينتمي ل «القاعدة» له حضور في الموصل منذ عام 2005 وكانت الحكومة تحكم الموصل في النهار وفي الليل كانت «القاعدة» هي التي تسيطر.
وبحسب المسؤول الأمني السابق فقد كان ل «داعش» خلايا نائمة جاهزة للتحرك قبل عملية حزيران/يونيو ويزعم أنه حذر الحكومة وأن الموصل ستسقط حتى يتم الإستجابة للمطالب السنية. ورغم تخليص «داعش» المدينة من سطوة الجيش العراقي وممارساته الطائفية إلا أن عددا من السكان خاصة المتعلمين منهم نظروا لأيديولوجيته المتشددة نظرة شك، خاصة موقفه من الأقليات المسيحية والأيزيدية.
ويقول طبيب إن أهل الموصل يرفضون أن يوضعوا في نفس المستوى مع «داعش»، ورفض الطبيب المزاعم التي تتحدث عن تعاون بين سكان الموصل و«داعش»، مؤكدا أن المدينة تعيش وضع احتلال. ورغم كل هذا فالحياة في الموصل عادية ولكن السكان يشتكون من قلة المواد الغذائية وأسعار الوقود وانقطاع الكهرباء ونقص المياه. واحسن وقود متوفر هو الذي ينقل من مصافي بيجي والذي تستخدمه قوات «داعش»، أما السكان فيشترون النفط السوري وهو أقل جودة.
ويعاني السكان أيضا من نقص الوظائف والأعمال. وتجد المرأة نفسها أمام تحديات وقيود عدة مفروضة عليها ليس أقلها إرتداء الحجاب.
ومنع «داعش» الرجال من التدخين. ويتلقى الصبية تدريبات عسكرية. ويقول طبيب في المدينة إن أهل الموصل عبروا عن أملهم من نهاية قريبة له مع بدء الغارات الجوية إلا أنهم يخشون اليوم الضربات الجوية وتقدم الميليشيات الشيعية من بغداد للموصل والتي ستقوم بالقتل على الهوية.
وعبر محام فر إلى إربيل، عاصمة منطقة الحكم الكردي الذاتي عن مخاوف أهل الموصل الذين يعيشون بين نارين «نار الغارات ونار الدولة الإسلامية». ويمكن وصف وضع الموصل بأنها مدينة تنتظر.

يهربون من اللطيفية

لكن التطهير الطائفي بدأ مبكرا لسكان اللطيفية قرب العاصمة بغداد، فبحسب أوين جونز، المحلل في صحيفة «الغارديان» فبلدة اللطيفية التي كان عدد سكانها قبل أشهر 200.000 نسمة لم يبق فيها سوى 50.000 حيث يفر الناس منها بالآلاف وتحولت لبلدة رعب. وينقل ما أشار إليه تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» والذي قال إن إسلاميين من عناصر الميليشيات يقومون بقتل الناس فورا، ويقومون بسحب الركاب من سياراتهم حيث يطلب منهم بالجثو على ركبهم ومن ثم يطلق الرصاص على رؤوسهم. وفي حزيران/يونيو ألقي القبض على 137 شخصا من سوق للخضار ولم يعثر إلا على 30 جثة منها فيما لا يزال مصير البقية مجهولا.
ويرى الكاتب أن هذه أدلة واضحة تستدعي من الغرب التدخل وإنقاذ حياة السنة، لكن لا فالقتلة ليسوا من «داعش» بل من الجماعات الشيعية التي كانت تحت سيطرة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي والتي أدت طائفيته وعنفه لظهوره.
ويقول الكاتب «إنهم يقتلون ويعذبون المسلمين السنة، الضحايا الذين لا تعتبر حياتهم مهمة». وكما تشير هيومان رايتس ووتش «فقصصهم لا تجد آذانا صاغية» فهم ليسوا مواطنين غربيين يجبرون على ترديد دعاية ل «داعش» عبر شريط فيديو بشكل يستفز القادة الغربيين للتصريح والتهديد. كل هذه الممارسات لا تعني تفهما لما يقوم به «داعش» من ممارسات.
ويعترف الكاتب أن هذا التنظيم يقوم بحرب دعائية نفسية لم يعرف التاريخ لها مثيلا. ويقول إن الحملة التي يستخدم فيها التنظيم وسائل التواصل الإجتماعي حولت الجميع إلى جنود. وتقوم الحملة على ترويعنا، وهو ما يدفعنا للتعبيرعن رعبنا ونشرها.
ويضيف الكاتب أن الإعلام الغربي يتنافس في وصم «داعش» بأفظع الأسماء مما يضفي عليه غموضا اسطوريا، وهو غموض أسهم وساعد «داعش» على احتلال مناطق في كل من العراق وسوريا.
يرى الكاتب أن حتى من لا يريدون نشر فظائع «داعش» يقعون في مصيدته، خاصة عندما يحاول البعض الحديث عن طيبة قلب آخر ضحية له وهو سائق التاكسي آلان هينينغ، من بلدة اكسيل في مانشستر الذي اندفع بدافع مساعدة السوريين ليقع في يد الجهاديين وينتهي هذه النهاية المأساوية.

كلنا داعش

ويقول أوينز إننا نلعب دورا رسمه لنا «داعش»، وهذا الأخير يعرف أنه يستفز الغرب ويريد جره لحرب طويلة في الشرق الأوسط. ويتحدى جهادي بريطاني بلده طالبا منها إرسال كل قواتها حتى تعود بالأكفان لبريطانيا.
ويقول الرهينة البريطاني جون كانتلي إن «داعش» لا يمكن هزيمته من خلال الغارات الجوية، فيما يرى الجنرال جوناثان شو، رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق أن هدف «داعش» هو جر الغرب للمنطقة حتى يوحد العالم الإسلامي ضد الغرب المسيحي. وهذا واضح من حجم المتطوعين للتنظيم، ويعتقد أن 6.000 شخص انضموا لصفوفه في الأسابيع الأولى من الغارات الجوية، وكما يقول مدير مكتب التحقيقات الفدرالي، جيمس كومي فمعدلات التجنيد ل «داعش» على الإنترنت زادت، فيما تخلت «جبهة النصرة» السورية عن عدائها له واقترحت تحالفا لمواجهة الغارات التي تستهدف كلا التنظيمين.
وأعلن تنظيم طالبان باكستان يوم السبت عن دعمه ل «داعش». ويرى الكاتب أنه لن يتم القضاء على «داعش» كتنظيم إلا من خلال تلبية مطالب السنة وحل الميليشيات الشيعية، ويجب أيضا وقف تصدير الأفكار السلفية المتشددة من الدول الحليفة للغرب والتي تقوم عليها أيديولوجية «داعش» وغيره من الجماعات الجهادية.
وفي النهاية هناك صعوبة في هزيمة أيديولوجية ومحوها من الوجود.
ويعرف الغرب كما يقول روبرت فيسك في مقالته بصحيفة « إندبندنت» أن الغارات الجوية لن تقضي على» داعش». وعلق على قول من قال إن الحرب ستطول لأمد طويلة ولكن إلى متى؟ «هل سنقوم بقتل العرب ونقصف ونقصف..».
ونقل ما قاله صديق لبناني عن سبب القيام بالغارات طالما لا يريد الغرب إرسال قوات برية. ويدعو فيسك إلى فهم طبيعة «داعش» وأن مقاتليها هم نتاج كل الأزمات والرعب الذي عاشته المنطقة، وجاءت ممارساتهم الوحشية نتاجا لكل ما جرى في المنطقة من الديكتاتورية والغزو والقتل «فهم الأبناء الروحيين لكل ما جرى، ونواجه اليوم شكلا من العدمية، ونرد عليها بالقصف والقصف والقصف»…

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية