لا أحد في القاهرة يريد نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، لا الشعب المصري ولا النظام المصري، وفوق أن لا أحد يريد، فلا أحد يستطيع حتى لو أراد، فطلب نزع السلاح إسرائيلي محض، وإن رددته دوائر السلطة الوطنية على سبيل النكاية بحماس، وهو خارج تماما عن سياق المفاوضات التي جرت بين فتح وحماس، ولم يتضمنه اتفاق القاهرة 2011، ولا تطرقت إلى ذكره تفاهمات القاهرة الجديدة.
أما لماذا تريد إسرائيل نزع سلاح حماس، فهذا مفهوم، فإسرائيل تريد إزاحة أي قوة فلسطينية صلبة تقف في طريقها، وحاولت مرارا وصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، مع أن إسرائيل هي أم الإرهاب، ووجود إسرائيل في ذاته أكبر جريمة إرهابية قائمة على سطح المعمورة، ونزع سلاح إسرائيل هو المطلب المشروع تاريخيا وأخلاقيا.
ولأن ذلك غير ممكن بغير حرب، فلا يمكن في المقابل نزع سلاح الشعب الفلسطيني، وهو شعب خاضع لأبشع احتلال استيطاني في التاريخ الإنساني، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يحتفظ بخيار المقاومة، وأن يعد لها سلاحها، وأن ينوع في صورها، وفي تكامل لا تناقص، بين المقاومة الشعبية السلمية والمقاومة الفدائية المسلحة، وبين العمل الميداني والعمل الدبلوماسي، فهذه سيرة أي مقاومة سبقت أو تلحق على خرائط الدنيا، وليس من حق «حماس» ـ فقط ـ أن تحتفظ بسلاح المقاومة، بل من حق كل الفصائل الفلسطينية، فالجبهة الشعبية و»الجهاد الإسلامي» وغيرهما من الفصائل، لها أجنحة عسكرية مقاومة، و»فتح» كان لها جناحها العسكري، وقائده مروان البرغوثي لا يزال أسيرا محتجزا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهو المنافس الأقوى على خلافة عباس، والأجدر بقيادة الكفاح الفلسطيني في هذه المرحلة الحرجة، التي يعلن فيها الرئيس محمود عباس تخليه عن الكفاح العسكري، أما مطلب إسرائيل في تفكيك «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لحركة حماس، فلن يحدث أبدا، مادام هناك احتلال وشعب يقاومه، وإلى أن تقوم دولة فلسطينية مستقلة، وتندمج فصائل المقاومة المسلحة في جيش الدولة الجديدة.
ولم يحدث أبدا، ولا في أي مرحلة من سيرة التطورات المصرية، أن طالبت القاهرة الرسمية بنزع سلاح المقاومة، لا نزع سلاح حماس ولا نزع سلاح غيرها، وفي أسوأ مراحل الخلاف المصري مع حماس، ووجود اتهامات ضد عناصر منها أمام القضاء المصري، في قضية اقتحام السجون أو في غيرها، أو في اتهامات سياسية بتبعية حماس لجماعة الإخوان، وقرائن تورطها في دعم جماعات إرهابية داخل مصر، حتى في هذه الظروف، فقد حافظت السياسة المصرية التالية لسقوط جماعة الإخوان في القاهرة، على خطوط تواصل مع حركة حماس، وطعنت على حكم قضائي ابتدائي يصف حماس بالجماعة الإرهابية، وانتهى الطعن إلى إسقاط الحكم القضائي، وكان ذلك سلوكا ناضجا ذكيا من الدولة المصرية، ساعد على تطوير مراجعات جوهرية جرت داخل قيادة حماس، أدركت فيها طبيعة الثمن الباهظ لشراكتها وتورطها التنظيمي مع جماعة الإخوان المعادية للنظام المصري، وإلى أن أعلنت تخففها من الروابط مع جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي، والتقدم إلى تعريف جديد لدورها، كحركة لا شأن لها بالأوضاع الداخلية في أي بلد عربي، وكحركة تحرير وطني فلسطيني، أبسط أبجديات دورها، أن تكسب مصر إلى جوارها، وأن تعطي الأولوية الواجبة لضمان أمن الداخل المصري، وأن تتشارك مع القاهرة في حرب تصفية جماعات الإرهاب العابرة للحدود، وهي جماعات مشبوهة ومدانة، تشكل خطرا على حماس، كما تشكل خطرا على الجيش المصري، وبعضها نشأ من عناصر داخل كتائب «عز الدين القسام» نفسها، انشقت على حماس، وأقامت جسور تواصل مع جهاز «الموساد» الإسرائيلي، وهو ما يفسر مسارعة حماس بقيادتها الجديدة إلى اتخاذ إجراءات فعلية، من نوع إقامة منطقة تأمين على الحدود مع مصر، والعمل بجدية لمنع تسلل إرهابيين من غزة إلى سيناء عبر ما تبقى من أنفاق تحت الأرض، وتفكيك خلايا لمجموعات إرهابية داخل غزة، سعت للالتحاق بتنظيم «داعش. وسرعان ما تغيرت الصورة السياسية في غزة، من إزالة صور الرئيس المعزول محمد مرسي، إلى ظهور صور الرئيس السيسي بكثافة على الجدران، إضافة إلى بوسترات ضخمة لأبطال الجيش المصري في الحرب ضد الإرهاب الموالي لإسرائيل بالقصد أو بدونه، وقد ثبت مرارا أن جماعات الإرهاب ـ المدعية للإسلام ـ هي الحليف الأول لإسرائيل موضوعيا، وكما جرى ذلك في جبهة الشمال مع إسرائيل ضمن وقائع الحرب السورية، فقد جرى أيضا على جبهة الجنوب، التي لا يوجد فيها من قوة عربية، سوى المقاومة الفلسطينية في غزة، وسوى الجيش المصري، الذي أنهى عار مناطق نزع السلاح في سيناء، وعاد بقوته الكاسحة ملاصقا لخط الحدود التاريخية المصرية الفلسطينية، وهو ما يحدث لأول مرة منذ هزيمة 1967.
والمعنى ببساطة، أنه ليس من مصلحة مصر المباشرة، أن تتجاوب ولو بالإيحاء مع أي كلام عن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وهو مطلب إسرائيلي مرفوض قطعيا، وخط أحمر عند فصائل المقاومة الفلسطينية، وخط أحمر أيضا من زاوية أولويات الأمن الوطني المصري، فالمقاومة الفلسطينية خط دفاع أمامي، وقضية فلسطين قضية وطنية مصرية، والعداء العميق لكيان الاغتصاب الإسرائيلي هو عقيدة الشعب المصري، وهو أيضا عقيدة الجيش المصري، الذي قدّم في الحروب مع إسرائيل تضحيات هي الأغلى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بإطلاق، والتغير في السياسة لا يغير في قواعد الأمن الأكثر صلابة، ووجدان الجيش المصري صاغته الحروب مع إسرائيل ومع جماعات الإرهاب الموالية لها موضوعيا، وحروب الجيش المصري الراهنة هي استكمال لتحرير سيناء، ووصل لما انقطع مع حرب أكتوبر 1973، وتفكيك لقيود نزع السلاح التي فرضت على الجيش المصري في الملاحق الأمنية لما يسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، بما يتيح إمكانية أكبر لاستعادة الدور المصري الحاسم على الجبهة الفلسطينية، على نحو ما برز في الدور المصري المحوري في المصالحات الفلسطينية الأخيرة، وتطور تعويل حماس الواقعي على الدور المصري، الذي يحرص بدوره على وحدة التمثيل السياسي الفلسطيني، ولكن من دون التورط في خطايا من نوع طلب نزع سلاح المقاومة.
وقد يقول بعض المتحذلقين، أن نزع سلاح حماس ضروري، وحتى لا يقوم في غزة وضع مشابه لحالة حزب الله في الدولة اللبنانية، وهذا خلط أوراق مفضوح وجهالة فادحة، لا تلتفت إلى الفرق الظاهر بين وضع لبنان كدولة قائمة بصيغتها الطائفية التوافقية، ووضع فلسطين كوطن تحت الاحتلال، وقد لعبت مقاومة حزب الله دورها الحاسم في تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، وبقي وضع سلاحه مرتبطا بالمعادلات المضطربة في لبنان والمشرق العربي في عمومه، بينما في فلسطين لا طائفية من أي نوع، ولا دولة قائمة هناك، بل سلطة هشة أقرب إلى قبضة هواء، لا يملك رئيسها نفسه حق التحرك من مكانه بغير إذن الاحتلال الإسرائيلي، وما من قيمة تذكر لأحاديث ومفاوضات المصالحة، سوى أنها تستعيد عرى الوحدة السياسية الفلسطينية، وتتيح حق التساؤل الجماعي عن الخطوات التالية المطلوبة، بعيدا عن قصص الانتخابات والسلطات والمفاوضات عديمة الأفق والجدوى، فلا فرصة لتسوية حد أدنى بغير توازن قوى يسند، وليس في يد الشعب الفلسطيني سوى حق المقاومة وسلاحها، والمطلوب وحدة المقاومة، وليس نزع سلاح فصائلها، وإقامة جيش موحد للمقاومة الفلسطينية، يقيم ترسانته الكبرى في غزة التي جلت عنها إسرائيل من طرف واحد، ويمد عمله المقاوم إلى الضفة والقدس وكل جهات فلسطين، ففلسطين قضية تحرير وطني، وليست قضية جماعة بشرية بائسة يائسة تطلب المعونات، وما من سلام ممكن، ولا تسوية في المدى المنظور، فإسرائيل وأمريكا تخططان للحرب لا للسلام، وما الحديث عن صفقات تسوية قريبة سوى ذر للرماد في العيون، وقد تنفجر حرب كبرى في أي لحظة، تهدف فيها إسرائيل مع أمريكا إلى تصفية قوة حزب الله، وهو ما فشلتا فيه مرارا، تماما كما فشلت إسرائيل عبر ثلاث حروب في تصفية حماس ونزع سلاحها، وما عجزت عنه إسرائيل بالحرب، لن ينجح غيرها في تقديمه لها كهدية سلام موهوم.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل