أستخدم مصطلح سلاح النفط في عام 1973 بعد أن قامت الدول العربيّة المصدّرة للنفط بوقف تصديره إلى أمريكا وهولندا ودول أخرى لدعمها إسرائيل بالسلاح أثناء حرب تشرين كما قامت هذه الدول برفع سعر البترول عدّة مرّات خلال نفس الفترة. كان هناك إتّفاق سابق بين الرئيس المصري أنور السادات والملك فيصل ملك العربيّة السعوديّة قبل الحرب بعدّة أشهر على ترتيبات هذه الخطوة للضغط على حلفاء إسرائيل على أمل إجبارها على الإنسحاب من الأراضي الّتي إحتلّتها عام 1967. في ذلك الوقت كان أغلب الإنتاج العالمي يتركّز في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعندما إتّفقت هذه الدول على رفع الأسعار سارعت إيران الشاه بمساندتها فورا، بل حتّى طالبتها برفع الأسعار بنسبة أعلى بكثير من ما طلبته السعوديّة. ففي ذلك الوقت لم يكن العدو الرئيسي لإيران الشاه الطائفة السنّية كما هو حال آيات الله اليوم، وكان إهتمام الشاه ينصب على ما يحقق مصلحة بلده إيران، وخلال عدّة أشهر حتّى منتصف عام 1974 كان سعر النفط قد قفز من 3 دولارات للبرميل إلى 12 دولارا أي أربع أضعاف ما كان عليه قبل الحظر وكما هو متوقّع فقد كان لهذا الموضوع
آثار واسعة ومختلفة طالت كل العالم. فقد تأثّر الإقتصاد الأوروبّي كثيرا بهذا الإرتفاع فهو يعتمد تماما على النفط العربي فإتّجهت الدول الأوروبيّة إلى بناء
خزانات إضافيّة لتوفير إحتياط إستراتيجي كبير للنفط حتّى لا تقع تحت رحمة المنتجين مرّة أخرى كما بدأوا بالبحث عن مصادر طاقة بديلة، وإرتفعت أسعار السلع وظهرت بوادر ركود إقتصادي. أمّا اليابان فقد إتّجهت لتغيير نمط صناعتها وتوجّهت نحو الإلكترونيّات بدل الصناعات الثقيلة الّتي تستهلك الكثير من الطاقة وهذا ما نلمسه اليوم من تطوّر هذه الصناعات في اليابان. إستفاد الإتّحاد السوفييتي من إرتفاع الأسعار بإعتباره من الدول المنتجة والمصدّرة للنفط بل يقال أنّ إرتفاع الأسعار في تلك الأيّام قد أطال من عمر الإتّحاد السوفييتي نفسه وأخّر إنهياره عدّة سنوات. أمّا من ناحية الولايات المتّحدة فقد إرتفعت أسعار المحروقات على المواطنين الأمريكيّين وأصبحت مناظر الطوابير الطويلة أمام محطّات الوقود ظاهرة يوميّة وكان إعلام جبهة الصمود والتصدّي ينشر هذه الصور كدليل على النصر الّذي تحقّق على الإمبرياليّة الأمريكيّة، ولكن في الحقيقة فإنّ الولايات المتّحدة نفسها كانت قد إستفادت من إرتفاع أسعار النفط وهي منتج أساسي لهذه السلعة كما أنّ الشركات الأمريكيّة هي الّتي تقوم بالتنقيب وإستخراج ونقل وتكرير النفط في كل دول أوبك نفسها، حيث تضاعفت أرباح هذه الشركات لدرجة كبيرة كما إزداد نفوذها وأصبح دورها أساسيّا في صناعة القرارات السياسيّة في واشنطن لسنوات طويلة بعد ذلك. أمّا دول أوبك فقد إزداد ناتجها القومي بدرجة كبيرة وقد إستخدمت هذه الدول هذا الفائض بطرق مختلفة منها تأمين فائض نقدي إحتياطي كبير.
بعد ثلاثة عقود، أي خلال الفترة الحاليّة، تمّ للمرّة الثانيّة إستخدام النفط كسلاح لأهداف سياسيّة وإستراتيجيّة، وكان الطرف الّذي إستخدمه أيضا، هذه المرة، هو المملكة العربيّة السعوديّة، ولكن هذه المرّة بطريقة معاكسة تماما لما حدث عام 1973 حيث دفعت السعوديّة أسعار النفط للإنخفاض ولم تستجب لمناشدات الدول المنتجة للبترول لتخفيض الإنتاج، فالسعوديّة هي أكبر بلد مصدّر للنفط في العالم والكمّية الّتي تصدّرها تفوق مجموع ما تصدّره الدولتان اللّتان تحتلان المركزين الثاني والثالث وهما روسيا وإيران، وبالتالي فالسعوديّة هي الطرف الرئيسي المتحكّم بسعر النفط، وبقيت السعوديّة مصرّة على موقفها حتّى إنخفضت أسعار النفط من 115 دولارا إلى 33-34 دولارا خلال عام واحد فقط. ومن العوامل الّتي ساعدتها على الصمود في هذه الخطوة، الكلفة المنخفضة لبرميل النفط في السعوديّة مقارنة بباقي دول العالم، حيث يكلّفها البرميل أقل من 10 دولارات بينما يكلّف إيران 12.6 وروسيا 17.3 والصين 30 والولايات المتحدة 36.3 دولار، كانت هذه رسالة سعوديّة حاسمة وإعلان رفض للتمدد الإيراني في الشرق الأوسط مع السلوك العدواني الطائفي الّذي تمارسه
إيران في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وكذلك رسالة إحتجاج على تحالف روسيا مع النظام الإيراني والمغطّى بتواطؤ أمريكي واضح حسب الإنطباع السائد في كامل الشرق الأوسط.
وقد ترتّب على هذا الإنخفاض الشديد في أسعار النفط نتائج كثيرة حسب كل بلد، فإيران التي تمر في أزمة اقتصادية شديدة والّتي كانت تتأمّل أن تتجاوزها بعد رفع العقوبات عنها نتيجة صفقتها النوويّة مع الغرب، جاء إنخفاض أسعار النفط ليحبط أحلامها، وليفرض ضغوطا إضافيّة على إقتصادها المنهك أصلا، ومن المبكّر الإلمام بكل آثارها ونتائجها الآن فالأزمة مازالت تتفاعل ومستمرّة إلى اليوم، أمّا من ناحية روسيا فوضعها حسب الخبراء أسوأ من وضع إيران، فهي بلد واسع له جهاز دولة كبير ومكلف وقد بيّنت بعض الدراسات أنّ إستمرار الأسعار الحاليّة حتّى النصف الثاني من عام 2017 سيضع الإقتصاد الروسي في خطر الإنهيار بعد أن يكون قد إستنفد الفائض النقدي الّذي تراكم خلال العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين، وقد تمّ بالفعل إستهلاك ثلثه حتّى الآن وكذلك لن نستطيع الإلمام بكامل تداعيات إنخفاض أسعار النفط والغاز على الإقتصاد الروسي فمازال الموضوع يتفاعل، أمّا من الناحية الأمريكية فلم يخف خبراء النفط السعوديون رغبتهم بإخراج الشركات الصغيرة الأمريكيّة تحديدا من السوق نتيجة كلفة الإنتاج العالية هناك وخصوصا للنفط الصخري وقد تمّ بالفعل إفلاس وإغلاق الكثير من الشركات وتسريح عمّال وتقنين مصروفات شركات أخرى وبالمقابل هناك إنخفاض بأسعار المحروقات على المواطن الأمريكي وإنتعاش أنواع أخرى من النشاطات الإقتصاديّة.
رافق الإنخفاض الكبير في أسعار النفط إنخفاض في أسعار الغاز نتيجة الإكتشافات الكبيرة الّتي حدثت في السنوات الأخيرة، وتحوّل بعض الدول من إستيراد الغاز إلى تصديره وأهمّها الولايات المتّحدة والّتي ستستطيع تغطية أغلب الطلب الأوروبّي على الغاز خلال سنوات قليلة، ممّا يوجّه ضربة أخرى للإقتصاد الروسي والإيراني والمتداعيين أصلا والّذين لم ينجحوا ببناء قاعدة إقتصاديّة حديثة بل قاموا عوضا عن ذلك بهدر أموال شعوبهم على مشاريع توسّعيّة أوقعتهم بتوتّرات وصدام مع محيطهم.
إنّ موضوع الطاقة كبير ومعقّد فهو بمثابة الأوكسجين للحضارة البشريّة وله من الأهميّة والمضاعفات ما لا يمكن حصره والإلمام بكامل مضاعفاته, ومع ذلك فهناك بعض الأمور الثابتة خلال السنوات القادمة مثل أنّ السعوديّة هي الطرف الفاعل والأساسي في السوق العالميّة للنفط وأنّه لا بديل عند بقيّة الدول المصدّرة للبترول من التفاهم والتنسيق معها إذا أرادت المحافظة على مصالحها الوطنيّة.
وإذا أضفنا إليها باقي دول مجلس التعاون الخليجي بمواردها الكبيرة من النفط والغاز والمرتبطة عضويا وسياسيّا وإقتصاديّا وإجتماعيّا بالسعوديّة تتّضح الأهميّة الإستئنائيّة للسعوديّة في سوق الطاقة، والنقطة الأخرى هي أنّ روسيا وإيران دولتان تعتمدان على تصدير المواد الخام وبالتالي فهما أكثر حساسيّة لتقلّبات أسعار النفط والغاز لأن هذه المواد تشكّل أغلب الناتج القومي لهما، ممّا يجعلهما تحت رحمة سوق الطاقة العالمي، كما أنّ أسعار البترول المتدنيّة تهدّد إستقرارهما السياسي نتيجة إنخفاض ناتجهم الوطني ولن تفيدهم عروضهم العسكريّة والأسماء المضحكة الّتي يطلقونها على صواريخهم وطائراتهم. حرب النفط الحاليّة ربّما ستكون لها آثار أكبر وأهم بكثير من تلك الّتي حدثت عام 1973 لأنّ المستهدفين هذه المرّة دول ذات إقتصاد ضعيف ومتخلّف وهذا ما ستكشف عنه الفترة المقبلة.
٭ كاتب سوري
د. عماد بوظو