سلطة المؤنث في الثقافة الغربية

قبل بضعة أعوام حلّت تيريزا ماي ضيفة في برنامج بي بي سي الإذاعي «اسطوانات الجزيرة الخالية» الذي يروي فيه الضيف وقائع من سيرته تتخللها مقاطع موسيقية من مختاراته. وقد استمعت إليها، وكانت آنذاك لمّا تزل وزيرة للداخلية في حكومة ديفيد كامرون، تروي للصحافية كيرستي يانغ (التي خلفت المخضرمة سو لولي التي لم نعد نسمعها إلا مرة في العام أثناء تقديم محاضرات ريث الشهيرة) في تقديم البرنامج العريق كيف أنها زاملت بي نظير بوتو في مقاعد الدراسة في جامعة أوكسفورد في السبعينيات وكيف أن المرأة الشابة المتألقة، التي صارت في ما بعد رئيسة وزراء باكستان، هي التي عرّفتها بالطالب الانكليزي النابه الذي صار، ولا يزال حتى الآن، زوجها.
امرأتان بلغت كل منهما قمة الحكم في بلادها دون أن تكون سلطة المرأة الباكستانية الراحلة، أو سلطة المرأة البريطانية الحاكمة الآن، بأكثر رفقا أو أقل قسوة من حكم الرجال. ما هو الداعي للحديث عن الرفق في الحكم؟ الداعي هو أن من الأفكار التي كانت شائعة حتى عهد قريب، خصوصا في النظريات النقدية أو البديلة في مجال إدارة الأعمال وتسيير المؤسسات، أن العقلية التنافسية هي من خصائص الرجل وأن المرأة تنحو عادة منحى التشاور والتعاون وتسعى للحلول التوافقية، ولهذا فإن من مصلحة المؤسسات أن تسند أعدادا متزايدة من الوظائف القيادية إلى النساء. وليست هذه الفكرة وليدة اليوم، بل إن لها تاريخا. حيث أن شارلوت بيركنز غيلمان نشرت عام 1915 قصة بعنوان «هيرلاند» (بلد الإناث) تصور مجتمعا نسائيا يسوده السلام والوئام ويدير كل مصالحه، من الزراعة إلى التعليم، بنجاعة فائقة. ولكن هذا المجتمع الطوباوي يبدأ في التزعزع حالما يكتشفه ثلاثة رحالة من الرجال. والسبب هو أن هؤلاء النسوة غير مدركات لكفاءتهن في إدارة شؤونهن، ولهذا صرن يعتقدن، بعد الاحتكاك بالرجال، أنهن بحاجة إلى القيادة الرجالية.
بالإحالة إلى هذه القصة استهلت المؤرخة ماري بيرد المحاضرة التي ألقتها قبل أيام في المتحف البريطاني عن النظرة السائدة في الثقافة الغربية للمرأة التي تمارس السلطة. حيث تقول إن التصور الذهني المهيمن عن صاحب السلطة في الثقافة الغربية هو أنه رجل أو ذكر. هذا رغم أن عدد النساء اللائي يتولين الآن مناصب قيادية في المجتمعات الغربية قد تزايد على نحو مشهود في مجالات مثل القضاء والشرطة والاقتصاد والسياسة (لم تكن نسبة النساء في مجلس العموم البريطاني في السبعينيات تتجاوز 4 بالمائة، ولكنها تبلغ اليوم حوالي 30 بالمائة). إلا أنه ليس هناك في التصورات الثاوية في عمق الثقافة الغربية نموذج للهيئة التي ينبغي أن تكون عليها «امرأة السلطة» (قياسا برجل السلطة). وهذا، في رأي ماري بيرد، السبب في أن كثيرا من الساسة النساء، من أنغيلا ميركل إلى هيلاري كلنتون، يرتدين بدلات أو بناطيل لا تختلف عن بناطيل الرجال. ولو أن هذا رأي غير مقنع، بالنظر إلى أن «المرأة الحديدية»، مارغريت تاتشر، لم تكن ترتدي إلا الفساتين. بل أنها دشنت نوعا من الموضة التاتشرية!
ويرتبط بهذا النموذج الذهني الغربي السائد تصور النساء باعتبارهن غريبات على السلطة لسن من أهلها. ولهذا إذا أردن الوصول إلى حرمها فلا بد عليهن من تسوّر حصونها أو اقتحامها وأخذها غلابا. وتستشهد ماري بيرد على ذلك بعنوان ظهر أخيرا على الصفحة الأولى من جريدة التايمز يقول: النساء يتأهبن لانتزاع السلطة في مؤسسات الكنيسة والشرطة وهيئة البي بي سي. وتشرح المؤرخة البريطانية أن للفرضيات الثقافية الغربية بشأن العلاقة بين المرأة والسلطة جذورا في الكلاسيكيات الإغريقية التي غالبا ما تصور المرأة على أنها ظالمة مستبدة تسيء استخدام السلطة. وأكثر من ذلك، فإن استيلاءها على الحكم يجعلها تكف عن أن تكون امرأة لتتحول إلى كائن هجين. وتخلص ماري بيرد إلى القول بأن هذه الشراسة التي تصور بها المرأة الحاكمة في المسرح اليوناني إنما كانت تستخدم مبررا إضافيا للاستمرار في إقصاء النساء من الحياة السياسية الفعلية في أثينا.
لهذا فإن فكرة أن سلطة المرأة أكثر رفقا أو أقل قسوة من سلطة الرجل ربما تبدو في ظاهرها فكرة منطقية. ولكنها بعيدة جدا عن الصواب. إذ إن العقلية التنافسية، وما يرتبط بها من مسلكيّات المواجهة والخصام واحتمالات التنكيل والإفراط في الانتقام، ليست خصيصة من خصائص الجنس بل إنها خصيصة من خصائص نوع من الأفراد، سيان أن يكون الواحد منهم رجلا أم امرأة.

٭ كاتب تونسي

سلطة المؤنث في الثقافة الغربية

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية