يُنقلُ عن مارسيل بروست صاحب «البحث عن الزمن المفقود» أنّه دفع مالاً لناقدٍ اعتبره كارهاً ومعادياً له، ليكفّ عن نقده والتعليق على ما يكتبه. فهل ساوم بروست على ذلك عن عبث؟
يحتاج أيّ امرءٍ ولاسيما الكاتب إلى شيءٍ من المديح والثناء ليشعر ببعض الغبطة والنشوة. اعترف سليم بركات بذلك، ولم يستطع أن يصدّ دموعه حين اغرورقت عيناه بالدمع في ندوة جمعته بمحمود درويش في السويد، قال فيها: «بذلتُ جهداً كي لا أتأثّر بسليم بركات». بعد أن صدّق سليم أذنيه بكى في صمت.
يبتعد النقد عن نص سليم وينفضّ عنه ليمارس نوعاً من الإقصاء بحقّه، بحيث لا يبارح دائرة الذائقة الشخصية، اللّهم سوى بعض الومضات الخفيفة هنا وهناك. الفتى الكرديُّ الخجول، كما وصفه صديقه الحميم محمود درويش، لم يشبه أحداً وسرعان ما صار أباً شعريّاً لأكثر من شاعر عربيّ، ليغزو المشهد الشعري منذ سبعينيات القرن العشرين بخياله الجامح المدهش، وإيقاعه الشلّال. مارس هواية الإيقاع بالكلمات، لتبدو الآن وكأنّها توقع به. يؤسّس النقد دائماً لبدايات كلامٍ آخر وفي غيابه منعٌ وتقويضٌ وإلغاء، بحسب أدونيس، وتأجيلٌ وإرجاء لحدّ الإبعاد لمتعة أكثر. فالشعر متعةٌ، ومهمّة النقد زيادة المتعة، بحسب ت.س.أليوت. وإذ يحيط الصمتُ بمنتج سليم نقديّاً فهنالك صمتٌ لا أخلاقي يُحيط بمصائر الكرد، والصمتُ العربيّ يراه سليم الأكثر ضراوة. قد يكون سليم خطراً كما هم الأكراد.
امتد الحجب ليقع في وحل البعد السياسيّ المحض والكراهية الشخصية التي لم تمنع بعضهم حتى من تحذير دور النشر من التعامل مع نتاجه الأدبيّ ذي «الغايات السياسية «، في تشكيكٍ معيبٍ بالنوايا الحقيقية لأدبه.
لم تكتب آلته الاستقصائية في اللغة سوى كلّ مُحيّرٍ، وما يمتحن به كلّ خفيٍّ في الكلمات التي باتت «أعضاءه الثانية يصحّح بها خطأ جسده الذي لم يرتكبه»، لكن الإعلام العربيّ يُسرّه ترويج البلاهة كما صرّح ذات مرّة.
شيّد تأويليةً جامحة، وأضاف إلى الأرض أقاليم لم تكن منها يوماً، لتتخالط عليه الجهات وتتوالى على أعماقه جغرافيّات كثيرة وهي تتلبّس الموت.
كتب بخيال القارئ فيه، كاسراً قواعد اللغة ليجاور الموت في فهرسة الكائن. يشتكي من يُتمٍ في الشعر العربيّ حيثُ لا أب يُحييه. وإذ يُقرّ برغبته في بعض الشعبية، ينفي أنه توخّى عن قصدٍ أن يكون نخبويّاً. وفي احترامٍ شديدٍ لقارئه وإمكانياته يدفع بكلّ ما لديه من صورٍ وبلاغاتٍ، ساعياً لإخراج اللغة من طورها، محتاطاً لكلّ مجابهةٍ محتملة ما زالت غائبة.
يخال قارئه غاضباً كرقيبٍ جماليٍّ حذق مدجّجٍ بعلوم الأدب التي تمنحه فرصة التشهير به وفضحه على غفلةٍ منه. جمهوره مازال يبحثُ عن ناقدٍ ينطق باسمه ويفتّتُ سبائك الجمال في نصّه المحيّر. مازال الدهقان يوزّعُ السكاكر على أطفال اسكندنافيا وهم يعبرون منزله في الغابة الواقعة على درب مدرستهم، بعد أن امتنع عن السفر خشية افتقاد القدرة على العودة له بعدما وصله بجواز سفرٍ مزوّر. لا يأملُ في شيءٍ حتى لا يتعثر، لكنّه يستدرك قائلاً: «لا أعرفُ تقديراً منصفاً للموقف: إن اتّهمتُ النقد أعفيتُ نفسي، وإن اتّهمتُ نفسي أعفيتُ نفسي. كلانا عنيد. سأعثر على النقد يوماً، سيعثرُ عليّ». وقبل ذلك يطمحُ بقليلٍ من الثناء، لأنّ الصمت اللامنصف يُثير لديه شعوراً باللا جدوى.
كاتب سوري
عبد الحميد محمّد