«خارج الموضوع» عنوان كتاب جديد للصحافي اللبناني سليم نصار جمع بين دفتيه مقالات أو قل تحقيقات من «الزمن الماضي» وأخرج للقارئ صوره وشخوصه التي لعبت دورا مؤثرا في الحياة الإنسانية ومسيرتها. وهؤلاء أشرار وأبطال وضحايا. وهم إما فيلسوف احترف المشاكسة وانشغل بهم حماية الإنسانية من الخطر النووي، أو سياسي سقط إلى الهاوية بفعل فضيحة، أو مجنون انتحر في قبوه بعد ان ساق الإنسانية إلى حافة جهنم. ومنهم الجندي الذي شعر أنه خان واجبه الوطني عندما فشل بالإنتحار من أجله، وهناك القيصر الذي قتله أصدقاؤه ولا يزال نداؤه الأبدي الذي شكله شاعر الإنكليز شكسبير حاضرا بيننا وهو «حتى أنت يا بروتوس؟» وبين هؤلاء الطبيب الذي دفعته إنسانيته لمكافحة المرض في بلاد الشرق البعيد بعد أن غادرت عائلته قريته في جبل لبنان إلى العالم الجديد ومنه انطلق الشاب إلى شرق ماوتسي تونغ حيث أصبح طبيبا في زحفه الكبير.
والثيمة اللبنانية حاضرة في كتاب سليم نصار، فاللبناني هو أول من بدأ الرحلة في العالم، وقصص الفينيقيين/الكنعانيين وعبورهم البحر والآفاق حاضرة في الذاكرة، فقد كانوا أسياد البحر المتوسط وعبروا البحر الأحمر إلى شرق أفريقيا وجنوبها. فاللبناني بطبيعته جواب ومُعَولمٌ أتقن فن عولمة الثقافة والطعام. ومن هنا تأتي متعة قراءة مقالات الكتاب، وهي مختارة من «خزانته» وتعود بالقارئ إلى أزمنة بعيدة. والماضي مهما كان سيئا يستفز الواحد منا للقراءة والبحث عن معنى.
الطريق الطويل إلى الحرية
عن نيلسون مانديلا يقول إنه زاد إلى شعارات الحرية والعدالة والمساواة فكرة رابعة وهي «الشراكة» بين السود والبيض. وكان فردريك دي كلارك، رئيس جنوب أفريقيا أول من آمن بالفكرة فأفرج عن مانديلا عام 1990. وربما كان دي كلارك مؤمنا بهذه الفكرة لكنه كان أول زعيم أبيض يشعر أن الزمن ليس في صالح أقلية تحكم غالبية سوداء وكان يعبر عن مشاعر التكنونوقراط البيض الذين لم تعد أيديولوجيا الفصل العنصري تهمهم. ومن هنا جاء مانديلا ليلعب دور المصلح للأمة، فهو بكفاحه وسجنه الطويل، «الطريق الطويل إلى الحرية» لم يكن رمزا أفريقيا فحسب بل كان رمزا لكل المظلومين في العالم. ولعب مانديلا هذا الدور حتى النهاية فكان وفيا لمن وقف معه وأبناء شعبه في أيام الظلم، سواء كان ياسر عرفات أو الشعب الجزائري وحتى معمر القذافي الذي لم يكن لديه من الصفات ما يجعله يرتفع عن الطموحات الشخصية وجنون العظمة والتصرف بإنسانية فهدر أموال أمة كان خيرها سيفيض على الدنيا. وهذه قصة أخرى. ونصار يكتب عن مانديلا من خلال شهادات العالم فيه وفيلم «الطريق الطويل للحرية» والذي لعب دور البطولة فيه الممثل البريطاني- السيرلايوني إدريس إلبا حيث حاول التماهي مع دور البطل فعاش ليلة في جزيرة روبن «المتحف اليوم» التي سجن فيها مانديلا عام 1962 ونام أو حاول النوم في زنزانة 46664 ولعب الدليل السياحي دور السجان خريستو براند والذي راقب مانديلا من عام 1978 حتى الإفراج عنه. وكان هذا مصدر عون لمانديلا وكان يهرب إليه الكتب خاصة مسرحيات شكسبير التي كان السجين مولعا بها خاصة مسرحية يوليوس قيصر والتي رسم خطا أحمر تحت عبارة فيها «الجبناء يموتون ألف مرة قبل موتهم بينما يموت الشجعان مرة واحدة».
الثوري الخائن
على النقيض تماما من مانديلا تبدو شخصية روبرت موغابي الذي بدأ مناضلا ثوريا ماركسيا علمانيا ضد نظام الأقلية البيضاء في بلده التي أطلق عليها إيان سميث رودريسيا على اسم التاجر والمكتشف البريطاني سيسل رودس قبل أن تتحول إلى اسمها الحالي زيمبابوي. والكاتب يكتب عن معرفة بموغابي، فقد قابله عام 1984 في مكتبه المتواضع بمدينة هراري وتحدث عن نضاله في الغابة وطموحاته من أجل بلده وما فعله به إيان سميث عندما رفض مناشدات قادة العالم من ناصر إلى تيتو السماح لموغابي الخروج ولو لساعات كي يشارك في جنازة ابنه، فرفض سميث كل الدعوات ودفن الإبن دون أن يراه والده. ويكتب نصار عن موغابي الذي واجه أزمة سلطة بعد تراجع بريطانيا عن وعودها بموجب محادثات لانكستر هاوس بلندن عام 1980 حول توزيع الأراضي التي كانت تسيطر الأقلية البيضاء على معظمها خاصة الخصبة منها. ولكن الأزمة تحولت إلى تسلط ومحسوبية مع المحاربين القدامى الذين وقفوا معه أثناء الثورة ضد العنصرية وأرفقها بمحاباة مع أبناء قبيلة الشانو التي ينتمي إليها. ويشير إلى ما كتبه الألماني كارل موش في مذكراته عام 1868 عن معبد للقبيلة يقال إن الفينيقيين شيدوه أثناء دخولهم القارة من جنوبها. وفي عمر التسعين تحول موغابي إلى صورة «كاريكاتيرية لزعيم أفريقي» حسب الأسقف ديزموند توتو وبالتأكيد لم يتخل عن شهوة الحكم ولا التسلط، فمن يخون ماضيه وأصدقاء الثورة يفعل أي شيء.
لبناني في الصين
قصة اللبناني ـ الأمريكي جورج حاتم الذي توفي في الصين عام 1988 مهمة، فهي عن لبناني ولد ونشأ في أمريكا زمن الركود العالمي وعاش الفقر والحرمان لدرجة أنه لم يدخل سينما في حياته ولم يأكل السمك حتى سافر إلى الصين. ما لا يعرفه الكثيرون أن هذا الطبيب اللبناني الأصل الذي تأمرك والداه وتصين وتزوج صينية، هو الرجل الذي كان له الفضل في القضاء على مرض الجذام الذي حصد الملايين من الشعب الصيني. وجاء حاتم الذي أطلق عليه اسم «ماهايدو» إلى الصين تلبية لنداء ماوتسي تونغ الذي طلب المساعدة للقضاء على المرض الذي انتشر في الثلاثينات من القرن الماضي في البلاد. وعاش حاتم طفولة صعبة في بلدة لورانس في ماساشوسيتس حيث لم يكن والده العامل في مصنع للنسيج قادرا على توفير ثمن بطاقة لحضور فيلم في السينما. ولكن الفقر والجوع الذي لاحظه في شوارع شنغهاي كان أشد. أما اسمه الصيني فقد اختاره له وزير الخارجية الصيني لاحقا شو إن لاي حيث كان معه في زيارة مع المقاطعة التي تعيش فيها الغالبية المسلمة في شمال الصين وكان لاي يحاول استمالتهم لدعم الثورة وعندما شاهد إمام المسجد حاتم واختلافه عن البقية وسأله عن أصله شرح له حاتم أنه ولد في أمريكا لكنه من أصل عربي فكانت مصادفة سعيدة. وبعدها تسابق الجميع في اختيار اسم صيني له فاختار شو إن لإي الحرف الأول «ما «وترك لإمام المسجد اختيار الحرف الثاني على أن يكون «ح» واستعيض عنه بـ «هـ « لعدم وجود الحاء بالصينبة فأصبح «ما هاي دو» أي الطبيب «ما». لعب جورج حاتم دورا مهما في المجال الصحي وظل وفيا للفقراء ولم ينس طفولته الفقيرة، فقد كانت والدته تمام يوسف تجبره على لبس حذاء بنت نظرا لعدم توفر المال لشراء حذاء جديد له وهو ما عرضه لسخرية تلاميذ مدرسته. وما يهم أن «شفيق» كما كانت عائلته تناديه لم يشعر بالمرارة والقهر بل دفعه هذا للتضحية من أجل الإنسانية وفضل العيش في الظل رغم ما قدمه من خدمات للصين. ولم ينسه مؤرخو الثورة الصينية الأجانب وذكروا وأسهبوا في تعداد إنجازاته. وفي عام 2003 تذكرته بلدته حمانا بتمثال نصب وسط حديقة حملت اسمه.
ابنة ستالين
يتحدث نصار عن ابنة ستالين سفيتلانا التي تعرف عليها في لندن من خلال جارته الفرنسية التي كانت متزوجة بأمير روسي. وكانت سفيتلانا تعاني من تشوش نشأ بسبب انتحار والدتها بعدما اكتشفت تورط ستالين بخيانات زوجية. وهربت في الشباب إلى الولايات المتحدة حيث استغلتها المخابرات الأمريكية للطعن بوالدها والحديث عن وحشيته ومجازره التي أبادت الملايين. ورغم أن سفيتلانا تراجعت عن اتهاماتها لوالديها لاحقا وانتقلت للعيش في ملجأ ببريطانيا حيث عاشت على المساعدات إلا أنها رفضت الإجابة على أسئلة نصار التي أرسلت إليها عبر جارته الفرنسية. والرد الذي تلقاه منها يشي بغرور أو جنون أو تشوش يتعرض له أبناء الزعماء الذين يرتكبون جرائم بحق الإنسانية. والشعور نفسه يلاحق القارئ وهو يتابع الكاتب في وصفه زيارة قبو هتلر واللحظات الأخيرة وكيف عانى الزعيم النازي من الإنفصام بين الفنان الناجح في فيينا الى القاتل في برلين حيث أدى جنونه إلى مقتل 65 مليون شخص. وكما في الحياة والموت لا يزال هتلر يلاحقنا.
ساعة ستالين
وفي هذا السياق يذكر نصار بجهود صحافي لبناني غطى الحرب العالمية الثانية لصالح صحيفة «الأهرام» وهو اللبناني إميل الخوري وأهداه ستالين ساعة عليها صورته. وإن كنت تتشاءم فخذ هذه القصة، كان إميل الخوري الذي قضى حياته الأخيرة في فيللته بعد توقفه عن الكتابة الصحافية ونهاية أحلامه بالرئاسة اللبنانية، كان يحضر للسفر إلى سويسرا، وقبل السفر بقليل قعت ساعة ستالين وتعطلت. فكانت علامة شؤم نصحه ابن شقيقه على إثرها بإلغاء الرحلة وفعلا أصيب في اليوم نفسه بنوبة قلبية قضت عليه. ويظل أهم ما كتبه إميل الخوري هو «آثار أقدام» الذي وثق فيه فظائع الحرب العالمية الثانية.
مع راسل
يحتوي كتاب نصار على وثائق هامة ومراسلاته مع الفيلسوف البريطاني الكبير برتراند راسل الذي تخلى عن أصوله الأرستقراطية ومارس الكتابة الصحافية وتعيَشَ منها وعاش حياة عائلية مضطربة. وتقدم رؤيته عن السلام العالمي ومحاربة الانتشار النووي ودعمه لحق الفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم التي طردوا منها صورة عن همومه السياسية بالإضافة لانشغالاته الفلسفية. ولعل الفصل المخصص لراسل من الفصول الماتعة في الكتاب فهو يصور مراسلات الكاتب مع الفيلسوف ومواقفه الراديكالية وانشغاله الدائم بالكتابة.
نيكسون
وفي السياق نفسه يقدم نصار إضاءات عن حياة اللائيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون الذي أجبر على الإستقالة من بسبب فضيحة ووتر غيت. ويكشف في مقابلته التي أجراها مع الرئيس بعد استقالته عام 1983 عن شخصية الرئيس الذي وجد بعض العزاء من حالة النبذ التي عاشها من خلال المحاضرات واللقاءات العامة والكتابة. وهو وإن نصح كل قائد بأن يعرف متى يحارب ومتى ينكفئ … متى يمارس التهديد والقسوة ومتى يساوم ويحاور ومتى يتسلح بالصمت ومتى يستخدم سلاح الكلمة، إلا أن اسمه يظل مرتبطا بالفضيحة المعروفة في التاريخ الأمريكي. ومن جهته يفاخر نيكسون أنه الرئيس الذي أنهى حرب فيتنام وهو الذي فتح الأبواب مع الصين وأرسى دعائم الوفاق الدولي مع بريجنيف عام 1972. وعلى العموم مقالات نصار تقدم رحلة مع تاريخ القساة والخاسرين وظروف اغتيال بشير الجميل الذي ربما لم يعد مهما في سياق التوازنات الإقليمية، وقرية لا تزال تمثل مسرحية ولادة السيد المسيح امتنانا لإنقاذه لها من مرض الطاعون منذ قرون، كل خمس سنوات. كما أشرنا في البداية فمقالات نصار هي تحقيقات عن زمن مضى ولكنه حاضر بيننا، فمثل هتلر اليوم هتلرات وستالينات، ويذكرني موقف مانديلا من السود والبيض بالفرصة التاريخية التي خسرها العراق عندما أطيح بصدام حسين، ولم يعمل «المنتصرون» على التسامح ورأب جراح الماضي، ولكنهم تصرفوا بحس يحمل مظلومية تاريخية، فأبدوا الظلم وخربوا البلاد وظلموا العباد وزادوا الشجون ولله في خلقه شؤون.
سليم نصار: «خارج الموضوع»
دار الجديد/بيروت، 2016
180 صفحة
إبراهيم درويش