فجأة وفي لمح البصر، غدت الصورة الفوتوغرافية للطفل السوري الشهيد على كل الشاشات وحديث الخاص والعام، وأمام الأعين الشاخصة إليه بدموع تأبى أن تنزل عند البعض وبعبرات شق لها ان تكف عند البعض الآخر.
غابت اللامبالاة التي كانت تسم مشهد الأطفال السوريين وهم يقتلون بكل وسائل العنف والتدمير التي أضحت أجسادهم الغضة مخبرا لها .هذه الصورة الفوتوغرافية التي التقطتها عدسة فنان تركي موهوب لا تشبه أخواتها .إنها فريدة، نادرة، استثنائية بكل المقاييس، تماما كحلم عابر في الليل البهيم، أو ضوء في ليل طال زمنه. هي صورة مطابقة جماليا ونفسيا لحدث جلل لا تتكرر حيثياته إلا في زمن الفواجع والمآسي، وهي خطاب الى كل عاشق للطفولة، وإلى كل متيم بالفن الراقي المعبر عن منزلة الإنسان في ظل أقسى الظروف وأقصاها. وهي بحسب الصياغة البارتية الشهيرة (نسبة إلى عالم السميولوجيا الفرنسي رولان بارت)، خطاب يتضمن كل سنن التواصل الواضحة والمشفرة، إلى كل من يعنيهم الأمر، إلى الأب المكلوم، وإلى الأم التي لم يقدر لها أن ترى ابنها مسجى على الأرض، وإلى العالم بأسره ممن لم يفقد حرارة العاطفة ولا وازع الضمير نحو نموذج مباشر لمأساة الذات البشرية، وإلى أول الأمر وآخره، بداية ونهاية، إلى الشعب السوري، فهو المقصود بالصورة، وهو موضوع الخطاب، لان هذا الفتى واحد منهم، قطرة من دمهم، نفس من شهقاتهم، وهم أسرى لحرب طحنت الجميع، وأرست قوانين في التعامل بينهم لم يعرفوها طيلة عصورهم الألفية التي، حين بدأوها، بدأ تاريخ الإنسانية معهم .
هذه الصورة ـ العلامة بالمفهوم البارتي حاملة لأكثر من معنى، باعثة على أكثر من تساؤل، فهي، في موادها الأولى، تكشف لنا عن فتى حديث السن، عن طفل ممدود أمام البحر، يتكوم بعضه على بعض، يبدو كما لو انه مقبل على المنام، أو كأنه يتهيأ للاستيقاظ، الأمواج تداعب جسده الممدد. في البدء، لا نعلم إن كان حيا يداعب الأمواج أم ميتا تصطدم به، ولكننا نرى انه لا يتوسد شيئا، يده مثلا أو حفنة من التراب أو أية لعبة من اللعب التي يمارسها أطفال في مثل عمره أمام البحر وفي البحر. ولكن ما يوجه البصر إلى الوظيفة الإنشائية في هذه الصورة الفوتوغرافية هو الحذاء الرياضي الذي ينتعله الفتى، فهذا الحذاء مجعول لسرعة الحركة وللقفز ولربح المسافة فكأنما هناك شئ ما يعدو خلف الطفل، وهذه الحركات هي في الأصل للرجال وللكبار الذين ينتعلون الأحذية الرياضية حتى تسهل حركتهم في تجاوز الحدود وعبور الموانع وتلافي العسس والشرطة. إذن هذا الطفل قد أوكلت له مهمات الكبار على عجل ودون أن يراعى في ذلك سنه ولا قدراته. هو رجل في هيئة طفل، وهو طفل في هيئة رجل. تنتظره المشقات والحدود والمسافات التي ستمتحن رجولته وقدراته وهو الذي لم يعرف بعد معنى الحياة، فإذا به يجد نفسه في صميم لهيبها وفي أتون نارها وفي عمق مأساتها.
هذه الصورة الفوتوغرافية – ودائما بالمنظور البارتي للخطاب الفوتوغرافي ـ تكشف عن سردية أليمة تتخيلها الذات الرائية وتتخيل هول الفاجعة التي ألمت بالفتى إيلان وهو يصارع الأمواج والبحر المتدفق على القارب قبل أن تهزمه الموج. هذه السردية تحيلنا إلى الظروف التي حفت بهذا الطفل وهو يركب القارب المطاطي ثم يستوي غريقا أمام عجز والده عن إنقاذه . والآن وقد أصبحت روحه عند خالقها، أمسى جسده ملكا للجميع وشهادة ضد الجميع وحبا ماساويا من اجل الجميع ومن اجل موطنه الشام الذي لم يشعر العالم إزاءها إلا بالحب والعشق والهيام. هذا الجسد المسجى، طال الأمد عليه كي يدفن، ولهذا الجندي الفنان حس فني وجمالي وانساني لا حدود له فقد التقط لنا المشهد كما هو، على علاته، فالواقع – هنا – بحرفيته أبلغ دلالة من الخيال وأقوى تعبيرا من الإبداع. فالجسد ممدد في الخلاء، وأمام البحر، سليما، لم تقضمه الحيتان، ولا تسلطت عليه الكواسر، هو جسد ملائكي طهوري فيما الظروف الحافة به ظروف شديدة القساوة، لم تعد تحترم فيها حتى القواعد الدنيا من قواعد الاجتماع البشري.
تبدو هذه الصورة الفوتوغرافية غنية بالألوان كما لو أنها ولدت من رحم المذهب الانطباعي في الرسم والفنون التشكيلية، الألوان تتجاور وتتراءى ولكن التبئير يظل على جسد الفتى فهو نقطة الارتكاز، وهو مدار الصورة، وهو نقطة الضوء البارزة الكبرى التي قد تخلق أمام ناظريها – السوريين خاصة ـ شعورا بممكنات الخلاص والتطهير مما علق بهم في السنوات الأخيرة لا سيما وهم الشعب العاشق للحياة، المبدع للفنون وللحروف والمحتفي بالجمال. فهذه الصورة غنية بالألوان كما أسلفنا ولكن العين لا ترتاح إليها لان مشهد الموت يحطم انتظارات المشاهد ويوقف حركة التأويل ويرجع الصورة إلى ما هو خارجها، إلى ما يسبقها، إلى المجهول الذي أصبح معلوما ومفهوما.
نحن نعلم – هندسيا ـ أن لكل لوحة زيتية أو صورة فوتوغرافية نقطة ارتكاز رياضي أو هندسي، وفي هذه الصورة، هناك خطأ ما في كيفية أخذها فالطفل لم يكن بؤرة الصورة وإنما البحر والطبيعة التي هي متمددة تكاد أن تضيق بها الأبعاد، ولكن هذا الخطأ يقوي الخطاب الكامن فيها لأنه يكشف أننا أمام قوى غير متكافئة، قوى البحر والأمواج والعواصف، وقوة هذا الفتى التي تشبه قوة أخت طه حسين وهي تنوء تحت مرض الحمى وتقاوم المرض بجسدها النحيف دون أن يلتفت إليها أحد. هو قاوم بيديه وبأظافره ما استطاع ولكن للبحر سلطانه الذي لا يقهر، والسوريون قد اختبروا البحر خاصة وهم شعب مائي، وأدب حنا مينه يضج بالمواقف مع البحر وضده في ذات الحين، وله سرديات في عشقه تعد من أبلغ ما قيل في هذا الشأن.
المشهد الآن مختلف مع هذه الصورة الفوتوغرافية الفريدة. الطفل إيلان الكردي لا نرى ملامحه تقريبا إلا في صورة موازية استدعاها أقرباؤه من البوم العائلة الخاص. أي ملامح لهذا الطفل؟ كيف هي قسمات وجهه؟ ما هي المعاني التي يمكن أن نقرأها؟ نحن الآن لا نستطيع أن نرى الصورة بملء أعيننا، تنكسر أبصارنا، ونستشعر الأسى والضيق مع النقمة على احد ما، على جهة من الجهات، وعلى شخص بعينه. إن المنظور الذي نقرأ به الصورة يصبح عديم الفاعلية والمعنى لأنه يحول التركيز البصري من الوظيفة الإنشائية الكامنة في الصورة إلى وظائف أخرى أقل أهمية وأقل راهنية. ولكن هذه الصورة تستمد دلائليتها من استدعائها لصورة أخرى هزت العالم وكانت إيذانا بانتهاء الحرب الأمريكية الفيتنامية، صورة تلك الصبية الفيتنامية وهي تعدو عارية وجلدها قد انتزع منها انتزاعا بعد ان أصيبت بسلاح كيميائي .
في عبارة بليغة قالها احد أساطين الصحافة الفرنسية وهو آلان ديهاميل «بعض الصور يمكن ان تغير مسار الأحداث ومسار التاريخ». حقا ان للصورة الفوتوغرافية قوة ناعمة يمكن أن تحرك الأمور في إتجاه أكثر ايجابية للشعوب وللأمم. فدلالة هذه الصورة ابلغ من أن تحصر . إنها تخاطب العالم ولا شك ولكنها تخاطب في الأول والآخر ومن قبل ومن بعد السوريين. تقول لهم كفى كفى … لو كانت الجثة لشاب أو لكهل لما التفت إليها احد، لو كانت لشباب غرقى لكان التعاطي معها إداريا وتقنيا فحسب أي بجمع الجثث ووضع الأرقام ثم الدفن. أما في هذه الصورة فالأمر مختلف لان للطفل أسما وهوية وانتماء إلى قرية أصبحت الآن أثرا بعد عين.
تناقلت المواقع الاجتماعية صورا فوتوغرافية أخرى للطفل نفسه ويبدو فيها ضاحكا مستبشرا، والمؤكد ان فارق الزمن بين الصورتين لا يتعدى أياما قليلة ومع ذلك فإيلان الكردي في الصورة الأولى هو غير إيلان الكردي في الصورة الثانية. الأنا ليس الأنا، الأنا أصبح آخر، الآخر هو أنت أيها السوري الدمشقي الحموي الحلبي الذي تبحث عبثا عن مأوى يحميك من حرب ضروس لم تخلق لها .الصورتان لشخص واحد ولكن لذاتين مختلفتين ولكل ذات منهما انتماء مخصوصا إلى سجل محدد، سجل الموت والرحيل وسجل الحياة والوجود.
صورة فوتوغرافية واحدة تكفي لإحلال السلام وعودة الطرب إلى أهلنا في الشام؟ السلام قد يقتضي في بعض الأحيان جيوشا جرارة مدججة، ولكن ما في هذه الصورة من قوة ناعمة وجدت في الطفل إيلان أقصى ممكنات تعبيريتها نحو الحب والأمان. فإذا بهذا الطفل لم يمت. انه في وجدان كل المبصرين، يخاطبهم ويحرك في نفوسهم طموحا مشروعا نحو السلام. انه في نومته الأبدية وفي يقظته الرمزية يقيم بجوار كل من أحب سوريا أيا كان دينه ومعتقده . هذه الصورة يمكن أن تولد الحاجة إلى من يؤلف القلوب ويلم الشمل، ففي هذه الصورة، بلغة بارت مجددا، شيء ـ علامة يتضمن معجما خاصا به ومعان متعددة كما انه يستحيل في المتخيل الجماعي إلى «رمز حقيقي» كما يقول اللساني الفرنسي يرى فيه أهل سوريا ذواتهم في لحظة فاجعة ندر ان شهد العالم مثيلا لها إلى زمن قريب.
من المعلوم ان الصور الفوتوغرافية تستمد جماليتها من قبضها على اللحظة الهاربة التي لا تتكرر، فهي مثل الماء الذي غطس فيه ارخميدس لا تتكرر مرتين إطلاقا وهذه القاعدة تنطبق على صورة إيلان لان لها زمنا وديمومة بالمعنى الفلسفي للكلمة، أي تختزل في كسر من اللحظة أزمنة مرعبة من العنف والموت شهدها أهل الشام وان كانوا لم يتعودوا عليها في تاريخهم القديم والحديث على حد سواء. فأرضهم لم تكن أرض حروب إلا فيما ندر، ومناخ السلام هو المناخ الذي يفجر فيهم كل طاقاتهم وامكانياتهم على نقيض شعوب أخرى. ولذلك نرى أن هذه الصورة بحمولتها الدرامية وبسرديتها الحقيقية يمكن ان تجترح دربا للسلام طال أمد غيابه بين الفرقاء السوريين، فكل الناظرين إلى الطفل إيلان وهو ممدد يشرئبون إلى السلام والحب، وريثما يتحقق هذا الحلم الممكن فان صورة هذا الفتى قد ألهمت العشرات من الفنانين ونقلته من عالم الواقع إلى عالم الرمز والايقونات ليكون هذا الجسد الممدود أمام البحر وبلا حراك عنوان السلام في سوريا نزار.
ناقد تونسي
عبدالرزاق القلسي