مرّت أمس الذكرى الثالثة لإزاحة الرئيس المصري محمد مرسي واستيلاء الفريق أول عبد الفتاح السيسي على السلطة في مصر في انقلاب «شعبيّ» توافقت على صنعه أسباب عديدة ونتجت عنه نتائج خطيرة مصريّاً وعربيّاً وعالميّا.
يقدّم تآكل بعض مؤيّدي الانقلاب الإقليميين والمحلّيين، وكذلك دعمه اللاحق من دول أعلنت رفضه في البداية أو تحفّظها عليه، ملخّصا مفيداً عن تلك الأسباب والنتائج.
كان الخوف من وجود «الإخوان المسلمين» على رأس السلطة في مصر، والرغبة في تدميرها، هو ما جمع مروحة من النخب السياسية وبعض الدول الإقليمية والعالمية، على التحريض والتخطيط والتنفيذ لحركة الاستيلاء على السلطة، غير أن الآلية القمعية الفظيعة التي استخدمت ضد جماعة الإخوان (ثم ضد بعض الحركات السياسية الليبرالية الأخرى كحركة 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين) أدّت إلى خلق مجموعة من المعادلات المحلّية والإقليمية والعالميّة الجديدة.
أول النتائج على المستوى المصريّ كانت تطوّر حالة استقطاب سياسيّ حادّ تم فيها استخدام كافة وسائل السلطات التنفيذية من الرئاسة والحكومة والأجهزة العسكرية والأمنية، وكذلك المؤسسات القانونية والتشريعية، ولعب فيها الإعلام دوراً تحريضيّاً كبيراً وأدّت إلى تأجيج حالة كراهية ومطاردة وبطش ضد الإخوان المسلمين واستعادت بذلك الأجهزة الأمنية صلاحياتها الكبرى وتحوّلت إلى آلة للإرهاب الذي اتسعت دائرته لتشمل كل من ينتقد النظام أو يكشف آليات الاستبداد أو الفساد فيه، كما حصل مع المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الذي انتهى به الأمر معزولاً وتحت طائلة المحاكمة.
أدّى ذلك عمليّا إلى تغييب متدرّج لدور الأحزاب والشخصيات السياسية وتخفيض لوزن منظمات المجتمع المدني والإعلام، ومنع لآليات الاحتجاج والتظاهر، وكما حصل مع جماعة الإخوان التي بدأ البطش بها وانتهى بكل من ينتقد، فقد بدأ البطش بقناة «الجزيرة» المصريّة وانتهى باشتباك عنيف مع نقابة الصحافيين المصريين، وبطرد مقدمي البرامج (كما حصل مؤخرا مع اللبنانية ليليان داود) واعتقال الناشطين الموسيقيين، وحتى المعترضين على تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
إضافة إلى الاستقرار السياسي والأمن فقد كان تحسين الوضع الاقتصادي للمصريين ثالث وعود السيسي. ما حصل فعليا هو تراجع مستمر للوضع الاقتصادي المصري بحيث وصل التضخم إلى مستويات عالية وتناقصت العملة الصعبة وتعرّض الجنيه لضغوط كبيرة وتباطأ النموّ الاقتصادي، وساهم التدهور الأمني الشديد نتيجة البطش بسكّان سيناء وتصاعد قوّة تنظيم «الدولة الإسلامية» وسقوط طائرتين روسيّة ومصرية، في تراجع مريع للسياحة، وهو ما كان ثالثة الأثافي التي أكدت فشل نظام السيسي وخسفت بوعوده السياسية والاقتصادية والأمنية.
على المستوى العربيّ فقد دعم استيلاء السيسي كفّة الأنظمة ضد الشعوب التي ثارت عليها، فساهم في خلق ظاهرة الجنرال خليفة حفتر في ليبيا، وفي تمييع الموقف العربيّ من النظام السوري، وبدأ حملة لإغلاق حدود رفح المصرية مع الفلسطينية، وارتفع مدّ التحريض ضد حركة «حماس» وأزاح سكّان رفح المصرية لبناء سدّ مائيّ ضد غزّة. لقد كانت حركة السيسي، عمليّاً، إعلاناً لاستعادة الأنظمة المستبدة العربية المبادرة، وتعزيز الحلف الإقليمي العالمي ضد الشعوب الثائرة.
ونتيجة لهذا الحدث فقد استبدلت النظم الغربيّة حماسها الفاتر للثورات العربية باستعادة نغمة «محاربة الإرهاب» العتيدة التي اخترعها المحافظون الجدد أيام جورج بوش الابن والتي أدّت إلى إحدى أكبر الكوارث العالمية التي ما نزال نشهد فصولها تتوالى، وهذه الأجندة لا تفعل غير أن تجرّم الضحايا وتدفع المزيد منهم إلى أحضان التطرّف أو السجون.
إقفال باب إمكانيات تحسين ظروف الشعوب العربية من خلال إزاحة أنظمة الاستبداد والتدرّج الصعب نحو الديمقراطية والمجتمع المدني والاعتماد المتزايد على أنظمة ليس لديها غير القمع والفشل المتوالي كلّها أبواب مفتوحة على جحيم غير مسبوق.
رأي القدس