سنّة العراق في جنيف بين التهوين والتهويل

على مدار ثلاثة أيام ( 15- 17 فبراير الجاري) عقدت قيادات سياسية سنية عراقية مؤتمرا في مدينة جنيف في سويسرا، تحت رعاية المعهد الاوروبي للسلام (EPI).
تسويغات ومبررات عقد المؤتمر كثيرة والطروحات متعددة، بحسب وجهات نظر من طرحها، حيث تنوع الحضور بين شخصيات رسمية ومشاركة في الحكومة، وشخصيات من خارج العملية السياسية وبعضها رافض لها. الشخصيات الحكومية سوقت الأمر على أنه لقاء فكري يسعى لبحث التعاون مع الجهات الاوروبية لحل ازمة سنة العراق ما بعد «داعش». المسؤولون التنفيذيون مثل محافظي المحافظات السنية، ذكروا انهم ذهبوا لبحث التعاون مع الجهات الاوروبية للحصول على الدعم المالي والفني الذي سيساعدهم في إعمار محافظاتهم، التي تعرضت للدمار بسبب الحرب، بينما القيادات غير الممثلة في الحكومة والعملية السياسية ذكرت انها ذهبت للمؤتمر لبلورة موقف سني واضح في عراق ما بعد «داعش»، وبحث إمكانية تشكيل قوى امنية تمسك الارض، ومدى تقبل المجتمع الدولي لانشاء اقليم سني في المحافظات ذات الاغلبية السنية، بحسب الحق الذي يضمنه الدستور العراقي، رؤى واسباب متعددة حملها المشاركون، تقابلها اتهامات وتفاهمات حملها الشركاء السياسيون في الداخل، ربما كان ابرزها الاستقواء بالخارج بدل اللجوء الى التفاهم مع الشريك الوطني، فما الذي افرزه المؤتمر؟
الجهة التي احتضنت المؤتمر هي المعهد الاوروبي للسلام، وهو منظمة غير ربحية تعمل بالتنسيق مع الاتحاد الاوروبي ومنظمة الامم المتحدة لحل النزاعات الدولية وارساء السلام العالمي عبر الحوارات المعمقة، وقد حضر المؤتمر شخصيات غربية وعربية، اهمها الجنرال الامريكي السابق ديفيد بترايوس ورئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنيك دوفيلبان، ورئيس منظمة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي، واللافت في هذه الشخصيات أنهم ذوو مناصب سابقة، والاكثر اثارة أنهم خرجوا من مناصبهم السابقة بفضائح سياسية او اخلاقية، فديفيد بترايوس الذي شغل عدة مناصب مهمة في الجيش الامريكي، منها قيادة القوات الامريكية في العراق وافغانستان، ثم تحول للخدمة رئيسا لجهاز الاستخبارات الامريكية (CIA) وقدم استقالته من رئاسته عقب فضيحة أثارتها تسريبات إدوارد سنودن عن علاقة جنسية مع كاتبة سيرته باولا برودويل، حيث ثبت أن بترايوس قام بتسريب اسرار تمس الامن القومي الامريكي لعشيقته، وقد اودت هذه الفضيحة بمستقبله السياسي أو كادت، لكن بعد فوز الرئيس دونالد ترامب كثر الحديث عن ترشيح بترايوس لمنصب وزير الخارجية وهذا ما لم يتم كما نعلم .
اما رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق دومينيك دوفلبان الذي دمرت مستقبله السياسي قضايا فساد، مثل اتهام المحامي الفرنسي اللبناني الأصل روبير برجي له بتلقي «حقائب أموال» تجاوزت عشرات الملايين من الفرنكات بين عامي 1995 و2005 من رؤساء أفارقة، وقد احيل للقضاء بسبب هذه التهمة، كذلك قضية حسابات بنوك كليرستريم، التي اتهم فيها منافسه ساركوزي بقضايا فساد لتشويه سمعته في التنافس الانتخابي، لكن ساركوزي رفع بدوره دعوى قضائية كادت تتسبب بحبس دوفيلبان. أما محمد البرادعي الشخصية السياسية السجالية المصرية الذي خرج بدوره من المشهد السياسي المصري بعد العديد من الاتهامات، ربما كان اهمها دوره في التهيئة لغزو العراق، عندما كان على رأس منظمة الطاقة الذرية الدولية، ودوره في اصدار التقارير غير المهنية التي استخدمتها القوات الامريكية كحجة للغزو، حيث اتهمت العراق بامتلاك اسلحة دمار شامل، لكن السؤال الذي يطرح هنا هو؛ ماذا يربط هذه الشخصيات السياسية بعضها ببعض من ناحية وبالمؤتمر وسنة العراق من ناحية اخرى؟
والاجابة هي بالتأكيد الملف العراقي ودور كل منهم فيه، وربما كان ابرزهم في ذلك الجنرال بترايوس، الذي يسمى (ابو الصحوات) في العراق، في اشارة لدوره في تشكيل ما عرف بالصحوات السنية، التي تشكلت من ابناء العشائر السنية لقتال تنظيم «القاعدة» بعد 2006 بدعم مالي ومعنوي وتسليحي من القوات الامريكية في العراق، والتي حققت نتائج مهمة على الارض في تحجيم نفوذ «القاعدة» في المناطق السنية في العراق، كما أن تصريحاته الاخيرة في الشأن العراقي كانت ذات فرقعة لفتت اليه الانظار من جديد، رغم خروجه من المشهد السياسي، مثل تصريحاته الاخيرة في مقابلته مع صحيفة «واشنطن بوست» في 20 مارس 2015 مع اشتداد معارك تحرير الاراضي العراقية من سيطرة تنظيم «داعش» الارهابي، حيث اشار بترايوس الى أن «الخطر الحقيقي على العراق يأتي من ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من ايران، وليس من «داعش»، وأن هذه الميليشيات متهمة بارتكاب جرائم حرب وقتل المدنيين السنة، وان تنامي نفوذ ميليشيات الحشد الشعبي قد يجعل الحكومة العراقية عاجزة عن السيطرة عليها في المستقبل القريب» وهذا التصريح وجد صدى وترحيبا لدى بعض التيارات السياسية السنية العراقية.
انقسمت المواقف السياسية السنية في العراق تجاه مؤتمر جنيف الى ثلاثة اقسام، قسم مؤيد للمؤتمر لعدة اسباب، وقسم رافض له واتهم من ذهب بتهم مختلفة، والقسم الثالث صامت بانتظار ما ستفرزه نتائج المؤتمر ليتخذ قراره.
من أيد المؤتمر، سواء من المشاركين أو ممن لم يشاركوا كانت اراؤهم متباينة بين التهوين عندما يتم الحديث في محفل أو وسيلة اعلام عامة، وبين التهويل في الاحاديث الخاصة التي تسربت الى الاعلام بعد ذلك، والرأي الاكثر شيوعا أن العملية السياسية العراقية صيغت منذ البدء وفق اجندات ومحركات خارجية، وبالتالي فمن حقنا أن نسلك هذا الطريق، كما أن من شارك في المؤتمر كان يبحث عن دعم دولي لاعادة اعمار مدن السنة المدمرة، وادعى بعض المشاركين انهم قد اخذوا ضوءا اخضر من رئيس الوزراء حيدر العبادي في تحركهم نحو المجتمع الدولي، كذلك سعى البعض الى تصوير ما جرى في المؤتمر على انه سعي لبلورة موقف واضح للعرب السنة، يمكن أن يردوا به على مشروع المصالحة الوطنية الذي طرحه التحالف الشيعي، عبر الاتكاء على الدعم الدولي لسنة العراق ما بعد «داعش»، وان هدف المؤتمر هو التعريف بمظلومية السنة عبر اربعة عشر عاما من العملية السياسية الطائفية، عانى منها السنة من التهميش والاضطهاد في ظل سيطرة شيعية ولامبالاة كردية .
النائب السني ظافر العاني الذي لم يحضر المؤتمر، لكنه من المؤيدين له لا يخفي سرا عندما يصرح «بأن المؤتمر يأتي بعد سلسلة اجتماعات عقدتها القيادات السنية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ومن خلال المكتب «اللوبي» الذي تملكه القيادات السنية في واشنطن للتواصل بشكل يومي مع القيادات الأمريكية». ويضيف «قطعنا شوطاً مهماً في هذا الطريق، ولمسنا تغييراً كبيراً من قبل الإدارة الأمريكية في ما يتعلق بالواقع السني في العراق والتعاطي معه». في اشارة الى محاولة لعب دور جديد في معادلة عراقية جديدة في ظل ادارة ترامب. بينما يرى بعض الساسة السنة المحسوبين على كتلة حكومة العبادي، أو كتلة نوري المالكي يرون أن المؤتمر يمثل استمرار لمؤتمرات سابقة عقدت في اسطنبول وباريس، وكان لولبها المحرك الشيخ خميس الخنجر، الأمين العام للمشروع العربي، الذي تغيرت تصريحاته بشكل لافت سابقا والآن، حيث صرح مع بدء سقوط المحافظات السنية، بأن ما يجري هو ثورة تتحرك باتجاه بغداد تحت شعار (قادمون يا بغداد) الذي انطلق من منصات الاحتجاج في المحافظات السنية لاسقاط العملية السياسية الطائفية وتأسيس عملية سياسية جديدة، لكن هذه التصريحات ما لبثت أن تغيرت بعد سيطرة «داعش» على المناطق السنية حتى وصلت الى اطراف بغداد، ليعود الخنجر للعمل على بلورة اطروحة الاقليم السني الذي يسعى لانشائه للمشاركة في العملية السياسية بالتوازي مع الاقليم الكردي، وبالتالي يسعى عبر ذلك لخلق معادلة جديدة تقترب من الكونفدرالية، التي يراها رافضو المشروع بانها ستكون خطوة اولى نحو التقسيم، بينما يراها رعاة المشروع حلا لا بد منه للتخلص من ضغط الطبقة السياسية الشيعية المسيطرة على العملية السياسية.
مر اسبوع على انتهاء اعمال المؤتمر ولم تظهر مخرجات المؤتمرالحقيقية حتى الان، ومع اعلان رئيس الحكومة بدء عمليات تحرير غرب الموصل يوم الاحد 19 فبراير الجاري، ربما سيكون من الواجب انتظار النتائج بعد انجاز التحرير كاملا.
كاتب عراقي

سنّة العراق في جنيف بين التهوين والتهويل

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية