سواد كثيف السواد

حجم الخط
2

انطلقت شرارة ثورة العشرين، عندما وضعت معاهدة سان ريمو، العراق تحت الانتداب البريطاني، ففي الشمال، أججها وقادها، المناضل الكردي، محمود برزنجي، وفي بغداد، قاد الثائرين، مهدي الخالصي، وفي تواقت أرعب الإنكليز، أفتى محمد تقي الشيرازي، بمقاتلة الإنكليز وتحريم التعامل معهم. وفي المنطقة الغربية، اندلعت معارك شرسة بين العشائر وعساكر الإنكليز، عندما قتل ضاري المحمود، لجمن..عجزت عيناي عن رؤية الكلمات المغبشة. فقد أخذت آخر أنوار النهار تتراجع أمام جحافل الغروب الذي بدأ يغزو غرفتي بقوة، حتى بدا ذاك النهار كما الرجل الهرم الذي بالكاد يتحرك، ألقيت نظرة وجلة إلى السماء التي ظهرت من وراء زجاج النافذة، قطعة رمادية. أغلقت الكتاب، إذ اختفت حروف الكلمات، هاربة من زحف رسل الظلام، الذين تكاثف وجودهم في فضاء الغرفة المفتوحة بنافذتها الوحيدة على شارع الرشيد، وخرجت.
«مساء الخير» فوجئت بجارتي الأرملة تقف مع أخرى، لم أتبين ملامحها، أمام باب شقتها. مساء الخيرات، أجبتها.
نزلت من الدرج، في أول خطوة، سمعت جارتي تتحدث مع أخرى بحديث ورد اسمي فيه، لذا توقفت أتسمع: أستاذ محمد، مسودن، يمشي دايخ.. تابعت نزولي وأنا اشعر بامتعاض من جارتي الثرثارة. دقائق وكنت هناك، قرب الجدارية. وقفت مندهشاَ ومتعجباً، تحت نصب الحرية، ركزت عينيّ على وجه الجدارية، بدت سوداء من غير أثر. في هذه الأثناء وبعد دقائق من وقوفي مندهشاً ومتشككاً في قدرة عينيَ على الرؤية الواضحة، طرد الظلام آخر بقايا النهار من الانحاء حولي، ليلفع بعباءته الواسعة جميع موجودات الوجود. رغم الظلام، كنت أرى بوضوح سطح الجدارية، فقد كنت أنظر إليه، على بعد أقل من متر، كان أسود كثيف السواد كأنه طلي في التو بالصبغ الأسود، كنت حين أمر في ساحة التحرير، أتوقف أمام الجدارية. أمضي دقائق وفي الكثير من الأحيان، أصرف من وقتي الكثير في تأمل الجدارية.
أخذ رأسي يدور بي في جميع الجهات، دوائر وراء دوائر، يدورني على خط سيرها الدائري، ومن ثم بعد هذا الدوران المضني، توقف، بدأت احدق في الحديقة، فاجأني رجل يمشي بين أشجار الحديقة، يخترق الظلام بخطوات ثابتة، كان يقصدني في سيره الحثيث. عندما صار على بعد خطوات مني، تفحصته بتركيز شديد، لأن ملامح وجهه وجميع ما في جسده من طول وغير ذلك، أدهشني وأصاب عقلي بالذهول والعجب، يتطابق تماما مع ذاك الذي في سطح الجدارية، الذي اختفى مع معيته من مكان وجودهم. سألتني متى وكيف نزل من عليائه؟ وصلني حتى أصبح على بعد شبر مني، لم يتكلم في الوهلة الأولى، ظل صامتاً.
في هذه الأثناء، أخذت أتعمن فيه أكثر وأكثر. وقفنا بصمت لبرهة، برهة لا أكثر، لأن صاحبي كسر رهبة الصمت التي تسيدت المشهد بيني وبينه، بدأ يتكلم، يتكلم ويتحسر ويتألم. صامتا، استمع إليه: أشعر بالغربة في مكاني هذا. تنتابني في أحايين كثيرة، موجات من ألم ممض، من ذاك الذي يوغل في الصدر الوجع. نفتقد إلى المؤانسة، أنا ومعيتي. الوحدة الموحشة تجعلني أغرق في أحزان الفجيعة. قلت له: ما قصة الفجيعة؟
قصة مؤلمة حكم علينا، أنا وصاحبي بالإعدام، بتهمة التحريض على الفوضى والتخريب، حوّل إلى السجن بأمر ملكي. في السجن، مضت السنون ثقالا. كنت قد تركت ورائي حبيبتي، في انتظاري. قالت لي حين زارتني في المعتقل قبل المحاكمة، سوف أنتظرك مهما طال بك المقام هنا أو في مكان آخر. كانت لا تفارق مخيلتي لا في الليل ولا في النهار. أترك السجناء يتحاورن ويتجادلون وألوذ في ركن منعزل من ردهة السجن، أخرج صورتها من حقيبتي الصغيرة، وأنظر إليها. استرجع الأيام الجميلة التي مرت. كنت أنا وهي نجلس على إحدى المصطبات في حدائق ابي نؤاس، نتأمل المياه في نهر دجلة وهي تتفضض، لامعة تحت أنوار المصابيح المعلقة فوق الجسر القريب. في مرات كثيرة يجيئني صاحبي ويقتحم معتكفي ويجلس بالقرب مني. يستل من جيبه، صورة أمه، يصفن ويترقق الدمع في عينيه، من غير أن يتفوه بكلمة. في أحد الايام، قال صاحبي: أنا على يقين، لن نخرج من هنا. أنا وانت محكومان بالمؤبد. كان يؤكد. في الآخير، اقنعني بفكرة الهروب إلى الحرية. في إحدى الليالي، هربنا من سجن نقرة السلمان، السجن على الحدود، تحيط به صحراء خالية من البشر. مشينا ساعة وربما أكثر. كانت السماء صافية تتلامع بعيون من نجوم تومض في خيمة الليل. مما كدر علينا هذا الجمال الإلهي الآسر، عواء ذئاب في البعيد وعلى مقربة منا، اقترب العواء وباقترابه اقترب الموت. كانت الرياح تصفر هي الأخرى، صفيرا يحمل الموت. قلت لصاحبي لنكون عكس اتجاه الريح، حتى لا تشم الذئاب رائحتنا. غيرنا مكان وجودنا. لكنها كانت في اللحظة التالية قد حوطتنا من جميع الجهات. هاجمتنا بأعداد كبيرة، حاولنا الدفاع عن أنفسنا، لم يفدنا دفاعنا في شيء. في هذه الأثناء، سمعت وأنا أصارع أحد الذئاب، صرخة ألم، صاحبي صرخ
أتدري قال: كنت هناك، في المرتفع، أتامل جسدي وجسد صاحبي، الدم يسيل، والذئاب تأكل لحم جسدينا. اقترب مني صاحبي وهو يقول: لا تنظر، هيا، لنغادر إلى حيث يجب أن نكون. سألته: هل صاحبك هنا. أجابني: لا، صاحبي هناك في جدارية فائق حسن. وتابع: لقد امتلأت روحي بالجراح، جراح لا تندمل. بغتة مسكني من ذراعي وقال: لنذهب إلى حدائق أبي نواس لنقضي بعض الوقت هناك ونتأمل النهر وما موجود هناك، عبره. سرنا بصمت إلى هناك Stop..stop ..stop… أعادني الصوت المرتعش بالخوف من رعب المكان، إلى الواقع وذات نفسي. انتبهت.. دبابتان أمريكيتان واقفتان في ساحة التحرير، وجهتا مدفعيتيهما باتجاه نصب الحرية. لم انتظر كثيرا، قفلت راجعا وحدي على الطريق إلى شقتي.

٭ كاتب وقاص من العراق

سواد كثيف السواد

مزهر جبر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية