لندن ـ «القدس العربي»: هل عادت سوريا إلى مركز السياسة الخارجية الأمريكية؟ وهل تقاتل واشنطن حربا بالوكالة مع روسيا؟ وهل تحولت الحرب الأهلية السورية إلى امتحان لطبيعة العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية في مرحلة ما بعد الإتفاق النووي؟
أسئلة تطرح في سياق التحركات الأمريكية الجديدة على صعيد الملف السوري من ناحية بناء تحالف جديد للتقدم نحو مدينة الرقة عاصمة ما يطلق عليها «الخلافة» والتعاون الجوي الأمريكي ـ الروسي وقرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما إرسال 50 من أفراد القوات الخاصة للعمل من داخل سوريا.
وتعتبر هذه التحركات في حد ذاتها تحولات مهمة. فقبل ستة أشهر وعندما كانت واشنطن منشغلة بالملف النووي الإيراني لم تكن سوريا تذكر إلا نادرا. فالحرب الأهلية في هذا البلد وصلت لدرجة خطيرة ومع ذلك لم يكن لدى الإدارة أي حافز للرد عليها.
اهتمام جديد
أما الآن فقد عادت سوريا إلى مركز القرار الأمريكي و»بانتقام» كما تقول رولا خلف المحررة في صحيفة «فايننشال تايمز».
وكشفت أزمة اللاجئين وإحياء الصراع بين قوى الحرب الباردة في منطقة الشرق الأوسط عن أهمية سوريا الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وهي التي حاولت تجنب التورط فيها. واضطرت الإدارة لمواجهة السؤال حول أيهما مكلف؟
ثمن البقاء متفرجا أم التدخل في النزاع. ومع ذلك فعودة نقاش الموضوع السوري لمركز الإهتمام داخل الإدارة لم يؤد للرد القوي الذي يريده بعض المسؤولين بمن فيهم جون كيري، وزير الخارجية.
ويرى دبلوماسي في الشرق الأوسط أن الرد القوي لن يحدث لأن «الحمض النووي» لأوباما يقاوم التدخل.
ومهما يكن الحال فقد أصبح بيد الداعين لرد فعل قوي ذخيرة وتأثير. وتشير الكاتبة هنا للتحرك الدبلوماسي في فيينا الذي هندسته روسيا وأمريكا وجمع القوى الإقليمية مثل السعودية وإيران.
وهو اجتماع يكشف عن مدى الحاجة الملحة لمواجهة الأزمة. واتخذت خلف الستائر الدبلوماسية سلسلة من القرارات العسكرية لتقديم السلاح لجماعات المعارضة وإرسال عدد محدود من القوات الخاصة.
وكما لاحظ المحللون فقد اتخذت الإدارة عددا من القرارات العسكرية الجديدة منذ التدخل الروسي في سوريا.
وتعلق خلف قائلة إن بروز المسألة السورية في النقاش الأمريكي جاء كرد على التحرك الروسي لدعم نظام بشار الأسد. فقد ظل المسؤولون الأمريكيون يرفضون أي تدخل عسكري مباشر يدفع روسيا لزيادة دعمها للرئيس السوري.
وكما كشفت الأحداث فالضعف الأمريكي الظاهر كان واحدا من الحوافز التي دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتدخل.
ويرى مارتن إنديك المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية والزميل في معهد بروكينغز أن أزمة اللاجئين في أوروبا تركت آثارها على التفكير الأمريكي الإستراتيجي المتعلق بسوريا. وقال «الطريقة التي تؤثر فيها سوريا في السياسات وصعود اليمين المتطرف عنى أنه يجب أن نبدأ بالإهتمام»، «فلم تعد سوريا تعامل كأزمة إنسانية».
ما هي الخيارات؟
ورغم عودة أمريكا للإهتمام بسوريا إلا أن خياراتها تظل ضيقة، فموقفها ضعيف من الناحية الدبلوماسية حيث خففت من لهجتها حول بقاء الأسد في السلطة ولم تمانع من دور له في المرحلة الإنتقالية.
ولم يعد لدى واشنطن إلا عدد قليل من القوى السورية المعارضة التي يمكنها العمل معها، فالقوى السائدة على الساحة السورية تظل متشددة. أما الأكراد الذين يعدون حلفاء لا يقدرون بثمن فهم يعملون بناء على أجندتهم الخاصة، أي بناء منطقة حكم خاصة بهم وليس التعاون في هزيمة تنظيم الدولة خارج مناطقهم.
وتشير خلف إلى انه بدون قوية موازية للمحور الروسي- الإيراني يظل تحقيق عملية انتقال سياسي مقبولة لحلفاء أمريكا من دول الخليج والقوى التي تدعمها أمرا مستحيلا.
وتشير هنا لتفكير بعض المسؤولين الذين ينتظرون غوص روسيا في مستنقع سوريا وعندها تبدأ بالبحث عن مخرج سياسي.
ولكن توقع تحركات بوتين بناء على ما تراه واشنطن عقلاني يظل تفكيرا غير حكيم. ومن المفارقة أن بوتين هو الذي يدفع أوباما نحو خيار عسكري ظل يتجنبه. بل ويجبره على الدخول في مواجهة بالوكالة ساحتها سوريا.
حروب الوكالة
ويعلق ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» قائلا أن الرئيس أوباما يقول إنه لا يريد أن يحول سوريا إلى حرب بالوكالة. «وللأسف فهذا هو ما يحدث الآن حيث ينضم الجنود المقاتلون للمعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وهو ما قد يؤدي لتصادم اجندات مختلفة». ويشير هنا للموقف الأمريكي من قوات الحماية الشعبية الكردية التابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي قررت الولايات المتحدة أن تكون حليفتها.
وهذا هو الفصيل نفسه الذي ترى فيه تركيا كيانا إرهابيا. ويتساءل عن الكيفية التي سيتم فيها حل التناقض هذا. وبنفس السياق تقول روسيا إنها تحارب تنظيم الدولة الإسلامية لكنها تقوم بقصف الجماعات الإسلامية المعارضة التي تلقى دعما سريا من الولايات المتحدة وتركيا والأردن.
وردت هذه الجماعات بقوة على التدخل الروسي حيث وضعت أشرطة فيديو «يتبجحون فيها بنجاحاتهم التي حققوها بسبب الصواريخ الأمريكية المضادة للدبابات. وتبدو المعركة وبشكل مخيف وكأنها حرب أفغانستان وإن كانت لا تزال في المهد.
وإلى أين يقود كل هذا؟ لا إجابة أيضا». ويضيف إغناطيوس إن السعودية وإيران تخوضان حربا بالوكالة في سوريا منذ أربعة أعوام. وهي حرب مسممة للجميع لأنها تغذي الجحيم الطائفي السني ـ الشيعي والذي يحرق الشرق الأوسط».
ويقول أنظر للخارطة السورية المهشمة وستجد تحالفات وشراكات متناقضة. ومع تزايد الحشود العسكرية وهو ما يزيد من فرصة حوادث أو سوء تقدير. ويتساءل عن سبب تصعيد الحرب في الوقت الذي تقوم فيه القوى الخارجية بعقد اجتماعات دبلوماسية لحل الأزمة. ويتحدث هنا عن اجتماع فيينا الجمعة الماضية والذي حضرته الأطراف الخارجية المهتمة بالنزاع. ولم يكن مشجعا ليس بسبب بيانه النهائي ولكن لعدم حضور أي مقاتل سوري فيما اختلفت القوى الخارجية حول طبيعة العملية الإنتقالية.
ورغم أن صيغة «قاتل وفاوض» تحضر في نزاعات الشرق الأوسط حيث يحاول كل طرف فيها تعزيز مواقفه ومناطقه قبل بدء محادثات جدية إلا أن النظام السوري والمعارضة ليسا مستعدان لتقديم تنازلات.
تخفيف حدة النزاع
ويرى إغناطيوس أن دراسة سوريا من الشمال إلى الجنوب تظهر الكيفية التي يجب على الولايات المتحدة العمل بها لتجنب «الصدام» والكوراث غير المقصودة. ففي الجبهة الشمالية على واشنطن تعميق استشاراتها مع تركيا في الوقت الذي تقوم فيه بزيادة دعمها للأكراد وحلفائهم العرب.
ويرى أن إرسال 50 جنديا من القوات الخاصة يعتبر التزاما كبيرا. فهذه القوات لا تحتاج لدعم جوي ولا قصف تنظيم الدولة فقط بل تحتاج إلى إمدادات وعمليات إنقاذ حتى لا تقع في مشاكل والحصول على معلومات للقيام بمداهمات ليلية.
ويتساءل عن موقف تركيا من الدعم الأمريكي للأكراد خاصة بعد فوز حزب العدالة والتنمية مشيرا لتطمينات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والتي يقول مسوؤليها «على تركيا الإطمئنان لأن الولايات المتحدة ستشرف بشكل كبير على مقاتلي الحماية الشعبية وعددهم 25.000 مقاتل ويمكنها منع وصول الأسلحة لحزب العمال الكردستاني أو بي كي كي الذي تعتبر تركيا منظمة إرهابية» ويعلق قائلا «هذا نقاش معقول ولكنه بحاجة لموافقة تركية».
وعلى الجبهة القريبة من الأردن يجب على الولايات المتحدة أن تقوم بتدريب تحالف الجبهة الجنوبية والذي يضم 35.000 مقاتل يمثلون 54 كتيبة. وفي الأسبوع الماضي أغارت الطائرات الروسية على مواقع لجماعات معارضة في الحرة، جنوب ـ غرب سوريا وهو موقع إشارات روسي سابق سيطرت عليه المعارضة.
ويعلق الكاتب «هذا جنون فعلى موسكو وواشنطن تخفيف النزاع بدلا من إشعاله أكثر». ومع ذلك فالأسوأ قادم حيث نقل عن الرائد عصام الريس المتحدث باسم الجبه الجنوبية الذي أخبره أن قواته تتوقع هجوما وشيكا من القوات السورية المدعومة من الطيران الروسي. ويقول «ماذا وراء الأكمة إن لم تجد القوى الخارجية طريقا لتخفيف التصعيد؟
وهنا إلماحة قاتمة: زارني في الأسابيع الماضية عدد من قادة حركات سياسية كردية من إيران وسوريا ممن يتصورون اليوم الذي تمحي فيه كردستان الكبرى حدود هاتين الدولتين بالإضافة للعراق وتركيا». ويرى أنه في حالة لم توقف روسيا وإيران وتركيا وغيرها من قوى حرب الوكالة النزاع فإن انفجارات جديدة في المنطقة ستحدث.
امتحان
وتمس الأزمة السورية جوهر التقارب الأمريكي ـ الإيراني. ففي تحليل كتبه كولام لينتش في مجلة «فورين بوليسي» قال فيه أن الرئيس الأمريكي أوباما أكد شخصيا للسعوديين والقوى الأخرى أن مصالحها لن تتأثر في حالة دعيت فيه إيران إلى طاولة المفاوضات.
ويقول «وضعت الحرب الأهلية السورية إدارة أوباما أمام امتحان كبير فيما إن كان اتفاقها النووي الهام الذي وقعته مع إيران في تموز/يوليو سيفتح الباب لإنهاء الأزمة، أو يؤدي بشكل أوسع للتعامل مع صعود التطرف في منطقة الشرق الأوسط».
ويعتقد لينتش أن النجاح يعتمد الطريقة التي سيتم من خلالها إدارة «الدمامل المفتوحة» بين القوة السنية في الرياض ومنافستها الشيعية في طهران اللتان تغذيان حربا بالوكالة في سوريا.
ويقول الكاتب إن جهود الإدارة لتلطيف الأجواء بين السعودية وإيران تأتي في وقت يحضر فيه وزير الخارجية جون كيري واللاعبون الآخرون لجولة محادثات جديدة في لندن بحلول يوم 12 من تشرين الثاني/نوفمبر.
وقال الكاتب إن الدبلوماسيين المشاركون في المحادثات لا يزالون مختلفين بشكل كبير حول مصير بشار الأسد. ولكن هناك نقاط خلاف أخرى تتعلق بالكيفية التي سيتم فيها التفريق بين الجماعة المسلحة العضو الشرعي في المعارضة السورية وتلك التي تعتبر إرهابية.
وتقول المجلة إن اهتمام البيت الأبيض بتسوية سياسية في سوريا بدا من تدخل الرئيس أوباما شخصيا الشهر الماضي عندما أكد للقوى الإقليمية خاصة الملك سلمان بن عبد العزيز، العاهل السعودي من ان المواقف لن تتأثر لو شاركت إيران في المحادثات.
وتحدث الرئيس أوباما للملك سلمان بعد أربعة أيام من الضغط الذي مارسه جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف على تركيا والسعودية في لقاء مغلق عقد بفيينا يوم 23 تشرين الأول/اكتوبر للمشاركة في مفاوضات التسوية حتى لو لم تكن هناك ضمانات واضحة حول مصير الأسد.
وظهرت الخلافات الحادة التي تعلم العلاقات السعودية ـ الإيرانية في الجلسة الأولى من محادثات فيينا عندما تبادل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير الإتهامات حول التزام كل منهما للسلام في سوريا.
وتقول وزارة الخارجية الأمريكية أن قرار ضم إيران إلى محادثات السلام جاء بالإجماع إلا أن دبلوماسيين شاركوا في التحضير للعملية قالوا إن الولايات المتحدة هي التي دفعت باتجاه ضم إيران للمفاوضات.
واستدعى هذا تدخلا شخصيا من الرئيس أوباما الذي تأكد من حضور الجميع. وبحسب أندرو تابلر، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى «ما فهمته هو أن الرئيس أوباما شارك شخصيا في دفع كل الـ17 دولة إلى الطاولة بمن فيهم السعوديين والإيرانيين»، مشيرا إلى موقف السعوديين الداعي لرحيل الأسد الذي يؤكد الإيرانيون على وجوب بقائه. ويرى إف غريغوري غوس الباحث بالشأن السعودي في مدرسة جورج بوش للحكم والخدمات العامة في جامعة تكساس تي وأم إن أن الشكوك السعودية حول المحادثات الدبلوماسية تذهب أبعد من سوريا، فهي تعكس خوفا عميقا من تحول في السياسة الأمريكي بشكل يقود لتعاون أكبر مع منافسة السعودية، أي إيران.
وفي الوقت الذي يرى فيه أن مخاوف السعوديين مبالغ فيها «ولكن عليك فهم ترددهم، ففي اللحظة التي وقعنا فيها الإتفاق مع إيران نقوم بدفعهم للجلوس معها، وأعتقد أنه من الخطأ دفع السعوديين للحديث مع الإيرانيين خاصة عندما يشعرون أن إيران أعلى منهم».
ويقلل الكثير من المحللين من أهمية التوصل لتسوية سلمية في وقت تزيد فيه الولايات المتحدة وروسيا من الجهود العسكرية.
خداع
ويرى جوشوا لانديز مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما إن مصير الشعب السوري سيقرر في الميدان.
وعلق على المحادثات بأنها ستكون عبارة عن دخان ومرايا أو خداعا و «سيكون الفعل الحقيقي على الأرض».
وأضاف أن الكثيرين ينتظرون فيما إن كان الجيش السوري لديه القدرة على استعادة مناطق هامة خسرها في ضوء الدعم الروسي.
وفي الوقت الذي يرى فيه بسام بربندي، الدبلوماسي السابق أن روسيا لديها النفوذ للتوسط في وقف إطلاق النار إلا أنه يشكل في التزام موسكو بالحل الدبلوماسي. وتفضل تحقيق نجاح في ساحة المعركة.
ودفعت الحاجة المحلة لتسوية في سوريا واشنطن لتبني سياسة مزدوجة تقوم على العمل العسكري والدبلوماسية» من أجل «تحقيق عملية انتقال سياسية يحصل السوريون من خلالها على حكومة تحترم حقوق شعبها وتحافظ على وحدته واستقلاله وكرامة حدوده ومظهره العلماني» كما قالت آن باترسون، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى.
وفي شهادة لها أمام الكونغرس تحدثت عن أربعة أهداف للسياسة وهي هزيمة «تنظيم الدولة» في العراق والشام وتخفيف معاناة الشعب السوري وتحقيق استقرار الدول الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط ودعم عملية الإنتقال السياسي التي ترعاها الأمم المتحدة التي تقود إلى رحيل الأسد. وتشير المجلة إن اجتماع لافروف وكيري مع المسؤولين السعوديين والأتراك بفيينا جاء للتأكيد لهم أن روسيا جادة في عملية السلام. وترى ان جهود كيري لجمع الأطراف الخارجية استبعدت عددا من الدول التي طلبت المشاركة.
فلم يدع مثلا المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا حيث لم يكن حضوره مناسبا مع أن كيري أكد للأمم المتحدة أن استبعاد دي ميستورا لم يكن مقصودا.
ولكن الأمم المتحدة دفعت باتجاه حضور مبعوثها حيث سمح له في النهاية بالمشاركة.
ونفى مسؤول في إدارة أوباما أن كيري حاول استبعاد دي ميستورا.
إبراهيم درويش