لندن ـ «القدس العربي»: يقول جيفري غولدبرغ في تحقيقه المطول حول «عقيدة أوباما» الذي نشر على موقع مجلة «أتلانتك مونثلي» إنه تعرف على أفكار باراك أوباما في السياسة الخارجية عام 2006 في خطاب ألقاه في شيكاغو بتظاهرة معادية للحرب، وكان حينها سيناتوراً عن ولاية إلينويز. وأكد فيه أوباما أنه لا يشك في وحشية صدام حسين يرى أنه يشكل تهديداً محتوماً على الولايات المتحدة أو ضد جيرانه.
ويرى الكاتب أن أوباما كان يعرف تداعيات تدخل أمريكا في مستنقع الحرب أفضل من هيلاري كلينتون وجوزيف بايدن وجون كيري وغيرهم من خبراء السياسة الخارجية. وهذا الوعي هو مفتاح لفهم رؤية أوباما حول السياسة الخارجية. ففي الأشهر الأخيرة قابل غودلبرغ أوباما وتحدث معه في قضايا متعددة بعضها لا علاقة له بالشرق الأوسط.
وفي واحد من اللقاءات قال أوباما «تنظيم الدولة ليس لا يشكل تهديداً وجودياً على الولايات المتحدة» ولكن «التغيرات المناخية هي تهديد وجودي محتمل إن لم نقم بعمل شيء إزاءه».
العالم حسب رؤيته
ومن هنا يحاول غودلبرغ قراءة العالم من خلال عيون أوباما وكيف يرى دور أمريكا في العالم. ويرى أن الرئيس أوباما يواجه تحديات متعددة من سوريا وهي أهمها ومن روسيا وتهديدها للناتو ومن كوريا الشمالية. وأقام الكاتب رؤيته بناءً على لقاءاته السابقة مع الرئيس ومن هم حوله ودراسة في خطاباته وتصريحاته.
ويرى الكاتب أن أوباما خلال السنوات الأخيرة من رئاسته أصبح «قدريا» حول قدرات أمريكا لتوجيه الأحداث الدولية رغم أنه حقق إنجازات في السياسة الخارجية مهمة وإن كانت جدلية مثل التطبيع مع كوبا واتفاق المناخ في باريس واتفاقية الشراكة التجارية مع دول المحيط الهادئ وأخيراً الإتفاق النووي مع إيران.
ورغم إيمان أوباما بأهمية تحديد أمريكا اجندة العالم إلا أنه «واقعي» في رؤيته للسياسة الخارجية «أعتقد أننا لا نستطيع في أي وقت تخليص العالم من مآسيه». ولكنه ضد العزلة التي يقول إن أمريكا لا تستطيعها ولا داعية للتدخل أو السياسة الدولية في الرؤية الخارجية «رغم كل الهفوات فالولايات المتحدة كانت قوة للخير في العالم».
ولهذا فهو يتردد في استخدام القوة الأمريكية إن لم توافق معايير المصلحة الوطنية. ويعتقد أنه محق في الطلب من الرئيس السوري بشار الأسد التنحي عن السلطة حتى لو لم يفعل شيئاً لإجباره على الخروج من السلطة.
فالعالم كما يراه أوباما «قاس ومعقد وفوضوي مكان سيئ ومليء بالمعاناة والمآسي. ومن أجل تحقيق مصالحنا القومية ومثلنا وقيمنا التي نحرص عليها علينا أن نكون عنيدين في الوقت الذي نحمل فيه قلوبا كبيرة، ونختار النقاط ونعترف بأن هناك شعاعاً سيحدث في منطقة بسببنا ووضعاً رهيباً سينتج في منطقة اخرى بدون الإعتقاد بقدرتنا على الحل». وعليه فمن أهم ملامح رئاسته دفع الدول الأخرى بأن تتخذ قرارات بنفسها. وهو في هذا يمقت فكرة «الأمة التي لا غنى» عنهاـ وأخبر أخيراً ديفيد كاميرون بأن على بريطانيا أن تنفق 2 % من ميزانيتها على الدفاع إن ارادت الإحتفاظ بـ «العلاقة الخاصة» مع أمريكا.
ويرى أن الدفاع عن النظام الدولي الليبرالي ضد الإرهابيين ونزعة المغامرة عند روسيا وضد البلطجة الصينية يعتمد في جزء منه على استعداد بقية الدول الأخرى لتحمل العبء مع أمريكا.
ومن الأسباب التي تدفع الرئيس إلى المشاركة في القيادة مع الدول الأخرى في القضايا التي لا تمس الأمن القومي هي السيطرة على دفعة «الغرور» التي يظهرها تاريخ أمريكا في الماضي «لدينا تاريخ مع إيران، وتاريخ مع أندونيسيا وأمريكا الوسطى».
وعليه يجب أن نكون واعين لتاريخنا عندما نبدأ في الحديث عن التدخل وفهم مصدر شكوك الآخرين». ولكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فهو لا يتردد في التحرك. فقد أصبح اكبر صائد للإرهابيين في تاريخ الرئاسة الأمريكية. فبحسب بن رودس مستشاره للأمن القومي «مثلاً، فرغم الريبة التي رافقت موقفه من سوريا إلا أنه لم يتردد في استخدام الطائرات بدون طيار» ضد الإرهابيين.
ويقول غولدبرغ إن أوباما كان راغباً في البحث حول الكثير من الملامح المتعلقة بالسياسة الخارجية التقليدية. فقد رمى تقاليد سنوات من العداء وفتح علاقات مع كوبا وتساءل عن سبب عدم إرسال قوات إلى باكستان لقتل قادة القاعدة وتساءل لماذا يجب أن تكون دولة عاجزة حليفاً لأمريكا.
وتساءل عن السبب الذي يجعل أمريكا ملزمة بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي على حساب الدول السنية العربية حسبما نقل الكاتب عن بانيتا. ولكنه لم يتردد بانتقاد هذه الدولة بإثارة المشاعر المعادية لأمريكا والإرهاب.
وشعر بالسخط لأن السياسة الخارجية تجبره على التعامل مع السعودية كحليف. ولهذا قرر منذ البداية العمل على التقارب مع عدوة أمريكا: إيران. ولم يكن الاتفاق مع إيران هو محاولة لفتح علاقات أمريكية- فارسية كما قال البعض «بل كان براغماتياً ولتحقيق الحد الادنى، وكان الهدف جعل بلد خطير أقل خطورة، ولا أحد يتوقع أن تتحول إيران للاعب لطيف» حسب سوزان رايس مستشارة الأمن القومي.
ويرى الكاتب أن علاقة أوباما مع الشرق الأوسط قائمة على الخيبة. ويريد لحظة أن يشهد فيه لحظة كتلك التي واجه فيها 200.000 ألماني في برلين 2008. ففي عام 2009 ألقى خطابه المعروف في القاهرة الذي تحدث فيه بعاطفية عن علاقة جديدة مع العالم الإسلامي. وعندما سأله غودلبرغ عما حققه منذ ذلك أجاب أنه يحاول إقناع المسلمين بالبحث في جذور تعاستهم «ما كنت أود قوله، دعونا نتوقف عن التظاهر أن سبب مشاكل الشرق الأوسط هي إسرائيل» و«نريد العمل من أجل تحقيق دولة وكرامة للفلسطينيين ولكن ما أملت تحقيقه من خطابي هو إثارة نقاش يفتح مجالاً للمسلمين كي يواجهوا المشاكل الحقيقية – مشاكل الحكم وحقيقة أن بعض تيارات الإسلام لم تتعرض للإصلاح بدرجة تساعد المسلمين لتكييف عقيدتهم كي تتواءم مع الحداثة».
ويقول غودلبرغ إن أوباما تحدث بتفاؤل عندما بدأ الربيع عام 2011 وظل متفائلاً حتى بدأ الربيع يتحول شتاءً. واليوم يقول أوباما ساخراً «كل ما أحتاجه هو مجموعة من المستبدين في الشرق الأوسط».
ومن بين الخيبات التي يتحدث عنها هي علاقته مع بنيامين نتنياهو، الذي كان يعتقد أنه قادر على تحقيق حل الدولتين. ولم يكن أوباما يطيق أن يقوم نتنياهو وقادة الدول الشرق أوسطية المحاضرة عليه لاعتقادهم أنه لا يعرف عن شؤون المنطقة. وكذا شعر أوباما بخيبة امل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي اعتقد أنه مسلم حداثي ولكنه «فاشل وديكتاتوري» الآن.
وزاد تشاؤم أوباما مع انحدار المنطقة العربية للفوضى. خاصة بعد فشل التدخل في ليبيا. ولم يكن أوباما متحمساً للتدخل لولا الضغط من كلينتون وسامنثا باور، سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة.
ويقول أوباما اليوم إن «التدخل فشل» ويعتقد أن أمريكا خططت للتدخل بشكل جيد لكن البلاد لا تزال في وضع كارثي. والسبب يعود للذين يستسهلون التدخل. ويشير هنا إلى «إيمانه بالأوروبيين» فبعد سقوط القذافي توقف كاميرون عن الاهتمام بالبلد «وانحرف اهتمامه لأشياء اخرى».
وألقى أوباما جزءا من الفشل على الدينامية الداخلية الليبية أي الإنقسام. وأثبتت ليبيا له أن على أمريكا تجنب الشرق الأوسط «علينا تجنب الإلتزام بحكم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» و «سيكون خطأً أساسياً فادحاً».
ومع ذلك لم يأت إلى البيت الأبيض مهموما فقط بمشاكل الشرق الأوسط ولكن بالإرهاب. وهذا يقود للحديث عن تنظيم «الدولة»، ففي عام 2014 كان التقدير الأمني المقدم له من الإستخبارات يرى في تنظيم «الدولة» خطراً ثانوياً.
وبعد سقوط الموصل وإعدام الرهائن الأمريكيين أصبح أوباما أكثر ميلاً للتعامل مع خطر الجهاديين أكثر من الأسد. ويرى الكاتب أن صعود التنظيم زاد من إيمان أوباما بأن مشاكل الشرق الأوسط لن تحل على الأقل في عهده. وتظل سوريا أهم امتحان لرؤيته الخارجية.
امتحان سوريا
فقد مثلت سوريا للرئيس الأمريكي باراك أوباما منحدراً منزلقاً مثل العراق. ففي ولايته الأولى توصل لاعتقاد أن تهديدات معينة في الشرق الأوسط تستدعي تدخلاً عسكرياً مباشراً، احدها تهديد «القاعدة» والخطر النووي الإيراني. أما سوريا، فخطر نظام بشار الأسد لا يصل لمستوى تحدي «القاعدة».
ولكن الرئيس أوباما كما يقول غودلبرغ ورط نفسه وهو الرجل الذي يؤمن بالواقعية السياسية ويرفض التدخل العسكري في حروب جديدة في الشرق الأوسط فاجأ مستشاريه عندما رسم خطاً أحمر أمام نظام بشار الأسد طلب منه عدم تجاوزه في عام 2012. وعلق وزير دفاعه في ذلك الوقت ليون بانيتا «لم أتوقع أن يأتي هذا» بل وحذر جوزيف بايدن الرئيس من رسم خطوط حمر لأنها يجب أن تطبق في يوم ما. ولم يكن يدري أوباما أنه بوضعه خطاً أحمر للأسد كان يضع مصداقية الولايات المتحدة كقوة كبرى على المحك.
وجاءت اللحظة في 30 آب/أغسطس 2013 عندما تراجعت أمريكا كقوة وحيدة وأولى للعالم بخطاب ليس من الرئيس ولكن من وزير خارجيته جون كيري في رد على الهجمات الكيميائية التي نفذت في الغوطة الشرقية وأدت لمقتل أكثر من ألف مدني.
وكان الخطاب الذي ألقاه كيري يشير إلى ضرورة معاقبة الأسد. وكان الشعور لدى الكثير من مستشاري الرئيس بضرورة عدم تعريض «مصداقية» الولايات المتحدة للخطر.
صحيح أن أوباما يسخر عادة من كلمات مثل «مصداقية» التي يقول إن الحفاظ عليها أدت لكارثة فيتنام. ويقول أوباما «إلقاء القنابل على البعض لإثبات أنك مستعد لإلقاء القنابل هو أسوأ سبب لاستخدام القوة».
إلا أن نائبه بايدن دعاه لأن لا يتخلى عن حلفائه في أوروبا أو يخيب آمال من هم في الشرق الأوسط. ويشير الكاتب لتصريح ديفيد كاميرون الذي قال إن «تاريخ سوريا يكتب بدم شعبها وأمام أعيننا».
وكان تصريحاً يقصد منه تشجيع أوباما على أن يكون حاسماً مع الأسد. واعتقد عادل الجبير، السفير السعودي في واشنطن (قبل أن يصبح وزيراً للخارجية) أن أوباما حاسم «وسيضرب» الأسد وهو الشعور الذي أرسله للمسؤولين في الرياض.
وبدا أوباما المعارض للتدخل على أهبة مرحلة تاريخية في ولايته. حيث طلب من البنتاغون تحضير قائمة بالأهداف وأمر بنشر بوارج حربية في البحر المتوسط. وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند – المتحمس الأكبر للتدخلات العسكرية – جاهزاً للتحرك.
شكوك
كل هذه التحضيرات في الوقت الذي ساورت أوباما الشكوك ولم يكن كما أخبر الكاتب مرتاحاً لفكرة التحرك بدون غطاء دولي أو موافقة من الكونغرس.
في وقت لم يبد فيه الشعب الأمريكي تحمساً للتدخل وكذا المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي يكن لها الرئيس احتراماً بالغاً وأخبرته أن بلادها لن تشارك في الحملة.
أما التطور المفاجئ فقد كان قرار البرلمان البريطاني التصويت في 29 آب/أغسطس ضد المشاركة في عمل عسكري ضد الأسد.
وتشوش تفكير أوباما أكثر عندما زاره جيمس كلابر، مدير الإستخبارات الوطنية الذي أخبره أن تقييم المخابرات الأمريكية حول استخدام نظام الأسد السلاح الكيميائي وإن كان قوياً لكنه «ليس قاطعاً».
وكان المجتمع الأمني حذراً في عدم المبالغة في التقييم كما في حالة أسلحة الدمار الشامل مع العراق والتي تبين عدم صحتها. وفي الوقت الذي كان فيه البنتاغون والبيت الأبيض وأجهزة الأمن القومي تحضر من أجل الحرب التي كان يتوقعها كيري بعد خطابه بيوم، شعر أوباما أنه كمن يمشي في مصيدة نصبها له حلفاؤه وأعداؤه.
ولم يكن يعرف أحد ممن حوله عمق الشكوك التي كانت تدور في عقل أوباما. ومن هنا دعا الرئيس مدير طاقمه دينس ماكدونو للتمشي في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض.
ولم يكن اختياره لماكدونو عشوائياً فالأخير يعارض بشدة التدخل العسكري. وعبر أوباما له عن مخاوفه من استخدام الأسد المدنيين كـ «دروع بشرية» ومن انتشار الدخان الكيميائي وإمكانية عدم إصابة المواقع الكيميائية.
وشارك ماكدونو الذي يمقت فكرة دخول حرب جديدة مع العالم الإسلامي الرئيس مخاوفه. وبعد عودتهما للمكتب البيضاوي فجر أوباما القنبلة عندما أعلم مسؤولي الأمن القومي بقراره إحالة الموضوع للكونغرس وإلغاء الضربة.
وحاولت سوزان رايس مسؤولة الأمن القومي المناقشة فيما كان الآخرون يحاولون فهم القرار إلا أوباما فقد كان مرتاحاً كما قال مستشاره للأمن القومي بن رودس.
وفي تبريره لقراره سرد الرئيس سلسلة من الأسباب، منها وجود المفتشين الدوليين على الأرض في سوريا وفشل كاميرون بالحصول على دعم من البرلمان. أما الأمر الثالث الذي تحدث عنه أوباما «في الوقت الذي يمكننا فيه الإضرار بالأسد، فإننا لن نستطيع تدمير القدرات الكيميائية عبر الغارات الصاروخية. وعندها سأواجه منظور نجاة الأسد من الهجوم والزعم أنه تحدى وبنجاح الولايات المتحدة، وأنها تحركه بطريقة غير قانونية. وسيقوي هذا موقفه بدلاً من إضعافه».
غضب الحلفاء
وكان أوباما يعرف أن قراره سيغضب الحلفاء وهو ما حدث. فقد علق رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أن حكومته كانت تخشى من تداعيات عدم التحرك مبكراً في الأزمة السورية «لقد خلقنا وحشاً من خلال عدم التدخل المبكر». و»كنا واثقين من قول الإدارة الأمريكية نعم. وعملنا مع الأمريكيين على تحديد الأهداف، وكانت مفاجأة، ولو ضربنا حسبما كان مخططاً لكانت الأمور مختلفة».
أما ولي عهد الإمارات المتضايق أصلاً من قرار أوباما التخلي عن حسني مبارك فقد أزبد قائلاً إن أمريكا يقودها رئيس «لا يمكن الثقة به».
واشتكى العاهل الأردني عبدالله الثاني «أؤمن بالقوة الأمريكية أكثر مما يثق بها أوباما»، والملك الأردني غير راض عن تخلي الرئيس الأمريكي عن حلفائه التقليديين من السنة مقابل تحالف مع إيران.
وغضب أيضا السعوديون الذين لم يثقوا أبداً بأوباما وكان يشيرون إليه بـ»ما يطلق عليها الحليفة أمريكا» وأخبر الجبير مسؤوليه في الرياض «إيران هي القوة العظمى الجديدة في الشرق الأوسط والولايات المتحدة هي القديمة».
ولم تكن تداعيات قرار الرئيس أقل سوءاً في واشنطن. فصقور التدخل من الجمهوريين مثل جون ماكين وليندزي غراهام صعقوا، أما جون كيري فلم يعلم عن القرار إلا متأخراً.
قرار مصيب
وفي تعليق لبايدن أكد أن الرئيس كان محقاً في ذهابه للكونغرس. ولم يكن الغرض الخروج من المصيدة بل أن تكون متأكداً من دعم الجميع له «في ظل الشكوك التي تراودك».
ووسط الفوضى التي تسبب بها قرار أوباما جاء المخرج عبر روسيا. ففي اجتماع قمة الدول العشرين الذي عقد في سانت بطرسبرغ، نحى أوباما جانباً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأخبره «إن قمت بإجبار الأسد على التخلص من أسلحته الكيميائية فإن هذا سيلغي الحاجة لضربة عسكرية».
وبعد أسابيع كان كيري يعمل مع نظيره الروسي سيرغي لافروف على حل الأزمة. ونال أوباما ثناء على هذا الإنجاز من بنيامين نتنياهو الذي قال إن نزع أسلحة سوريا الكيميائية هي «شعاع الضوء الوحيد في منطقة مظلمة».
واكتشف كيري لاحقاً منطق الرئيس وكما قال للكاتب «لو بقيت الأسلحة هناك فربما قاتلت تنظيم الدولة» عليها. ولكن كيري يعتقد ان فكرة الخط الأحمر اكتسبت حياة خاصة بها. وفي النهاية يبدو أوباما انه راضٍ عن قراره رغم وعيه أن التخلي عن الحرب وانتهاك خط هو وضعه بنفسه سيكون محل جدل من المؤرخين.
ويقول «أنا فخور بهذه اللحظة»، لأن ما فعله هو التفكير بعقلانية تحت الضغط «التفكير بمصلحة أمريكا ليس فيما يتعلق بسوريا ولكن بديمقراطيتنا، وكان قراراً صعباً اتخذته وفي النهاية كان صائباً».
خرق قواعد اللعبة
وهو القرار الذي خرق فيه «قواعد اللعبة» في واشنطن والتي يجب على الرؤساء الأمريكيين اتباعها.
ويعتقد أوباما أنه مثير للجدل عندما يتعلق الأمر بالقوة العسكرية واستخدامها. وقواعد اللعبة قد تكون حسب رأيه صائبة في قضايا السياسة الخارجية وقد تكون «مصيدة» و»تحديات دولية مثل سوريا يتم الحكم عليك بقسوة عندما لا تتبع قواعد اللعبة حتى في ظل وجود أسباب لا تستدعي تطبيقه».
ويقول الكاتب إن 30 آب/أغسطس 2013 كان يوم الحرية ليس بتحديه مؤسسة السياسة الخارجية وقواعد لعبتها العسكرية ولكن حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط الذين اشتكى لأصدقائه ومستشاريه منهم ومحاولاتهم استغلال «عضلات» أمريكا لخدمة اهدافهم الضيقة والطائفية.
وفي عام 2013 يقول الكاتب إن مشاعر السخط لدى أوباما كانت واضحة من القادة العسكريين الذي يريدون منه اتخاذ قرارت ومن مراكز البحث في السياسة الخارجية. وهناك شعور لدى مسؤولي البيت الأبيض من أن الكثير من هذه المراكز تخدم مصالح الممولين العرب والإسرائيليين.
وفي المقابل يرى مسؤولو السياسة الخارجية في الإدارة أن موقف أوباما من سوريا أضر بسمعة أمريكا. وبحسب بانيتا «عندما يقوم القائد الأعلى بوضع خط أحمر، فهو يضع مصداقية القائد الأعلى وأمته على المحك إن لم يفرضه».
ونقل عن شادي حميد الباحث في معهد بروكينغز قوله «بشكل عملي تمت مكافأة الأسد على استخدامه السلاح الكيميائي بدلاً من معاقبته كما خطط في الأصل» و»استطاع التخلص من تهديد الضربة الجوية ولم يقدم إلا القليل مقابل هذا».
وكتب غديون روس في «فورين أفيرز» أن طريقة أوباما في التعامل مع الأزمة السورية هي «حالة دراسة في الإرتجال المحرج وقليل الخبرة». وفي المقابل يرى المدافعون عن أوباما أن الضغط العسكري نجح في إجبار الأسد على التخلص من سلاحه الكيميائي «كان التهديد باستخدام القوة كافياً للتخلص من أسلحته الكيميائية» كما قال السناتور الديمقراطي من فرجينيا و»هددنا باتخاذ العمل العسكري وردوا، وهذه مصداقية ردع».
ومن هنا يرى غولدبيرغ أن 30 آب/أغسطس 2013 هو اليوم الذي منع فيه اوباما أمريكا الدخول في حرب كارثية أخرى في العالم الإسلامي. ولكنه اليوم الذي سيتذكره الناس عندما ترك الشرق الأوسط يخرج من يد الولايات المتحدة وتسليمه لروسيا وإيران وتنظيم «الدولة». وستظل سوريا الماضية في طريقها نحو الفوضى التحدي الأكبر لعالم الرئيس أوباما. وإذا كانت المقامرة التي عملها جورج دبليو بوش في الشرق الأوسط معياراً للحكم عليه بقسوة. فإن معيار الحكم على مقامرة أوباما في الشرق الأوسط ستكون بناء على الأشياء التي لم يفعلها.
إبراهيم درويش